أحلام المواطن الليبي بين ” تذكرة سفر بدون عودة أو حرب أهلية “

677

أصبحت أحلام الليبيين بالهجرة تتزايد ، ففي الفترة من سنة 2011 حتى اليوم 2019 عانى الشباب الليبي من تزايد حدة العنف والحرب الأهلية والخطف والاغتيالات والقتل بسبب السرقة أو الجهوية .

ولاحظت المنظمات الدولية تزايد أعداد طالبي الهجرة من الشباب الليبيين منذ سنة 2013 ، وفي سنة 2015 كانت قد سجلت أول حالات للهجرة غير الشرعية عن طريق البحر، وبعد انسحاب السفارات الأوروبية من العاصمة طرابلس وقفل أبوابها لم يكن أمام الحالمين بالسفر إلا طريقا واحدا وهو الهجرة في قوارب الموت .

قد يكلف السفر عن طريق البحر مبلغا يجب دفعه لتجار الموت يتراوح من 1500 إلى 5000 دينار ليبي والبقاء في مزارعهم في صبراتة أو زوارة أو القربوللي متوارين عن الأنظار حتى يأتي موعد السفر مع وجود أعداد كبيرة من الأفارقة الذين يحاولون هم أيضاً الهرب من الحرب والجوع والفقر في بلدانهم .

كانت هذه الظاهرة غريبة عن المجتمع الليبي ولكن اليوم الجميع يعلم أن الشباب الليبي ليس لديه خيار إما الحرب أو الهجرة أو البقاء في بلد لم تصبح آمنة .

الوضع في طرابلس اليوم يزداد سوءَا ، والجميع يعلم أن الدول الأوربية التى أقفلت أبوابها هى نفسها من تدعم الحرب ورغم محاولات إيطاليا وألمانيا مساعدة الليبيين في الحصول على التأشيرة بغرض العلاج أو السياحة تمتنع سفارات أخرى عن تقديم هذا الدعم .

ففى سنة 2018 كشف مكتب شؤون القنصلية الأميركية تقدم 49.868 ألف ليبي لبرنامج الهجرة إلى الولايات المتحدة المعروف بـ«لوتري جرين كارد» خلال العام 2018 ، حيث أن الليبيين جاءوا في المرتبة الحادية عشرة في قائمة المتقدمين لبرنامج هجرة التنوع الأميركي.

وبينما يزداد الطلب على الهجرة إلى أوروبا وأمريكا بطرق قانونية يتحمل فيها الليبيون مبالغ مالية باهضة لإتمام هذه المعاملات خصوصاً أن الحصول على التأشيرة يستلزم السفر أحيانا والتنقل لعدم وجود مكاتب وقنصليات لهذه الدول في ليبيا بسبب الحرب أو انعدام الأمن ، أو أن يتحمل الراغبون في السفر لغرض الهجرة أو العلاج أو الدراسة مصاريف أضافية أخرى للمكاتب التى تعمل من داخل ليبيا لتوفير التأشيرة ,..

تقوم بعض هذه السفارات بتقديم برامج لدعم الشباب ( اختلفت مسمياتها ) والمستهدفين هم منظمات المجتمع المدني أو الطلبة أو الدبلوماسيين ، هؤلاء قد يتمكنوا من الحصول على التأشيرة بدعم من السفارة نفسها والتى توفر لهم بعض الإجراءات كالدعوة للسفر بسبب الدراسة أو العمل .

من بين الفضائح التى انتشرت السنوات الماضية فضيحة تقديم تأشيرات مالطية عن طريق استخدام شهادات صحية مزورة ، والتى تمكن الليبيين من الحصول على التأشيرة بعد دفع مبالغ مالية لتزوير هذه الشهائد .

والذي لوحظ مؤخراً أن هذه الظاهرة أصبحت شبه عادية حيت يمكن الحصول على التأشيرة عن طريق دفع مبالغ مالية تصل من 2000 يورو إلى 10 ألاف يورو ، فكيف يستغرب من يدعم الحرب وجود مليشيات وأمراء لهذه المليشيات أو وجود مهربي الوقود بهذه الكثرة أذا كان السفر يتطلب منك مبالغ مالية خيالية مع ارتفاع سعر الصرف وصعوبة الحصول على العملة والتأشيرة .

فأين أحلام الليبيين التى دمرت جراء هذه النزاعات المستمرة ، فبينما يحلم المواطن العادي الذي يتقاضي مرتب أدناه 450 دينار وأعلاه 2500 دينار أى مايعادل ( من 100 دولار إلى 500 دولار بسعر الصرف اليوم ) بالسفر هو وأسرته أو أنه يرغب بالدراسة أو حتي السياحة ، تجد أمراء الحرب وأعضاء مجلس النواب والحكومة وغيرهم يستقبلون في هذه الدول على أنهم  أبطال وتمنح لهم التأشيرات في يومين .

وربما تكون بطاقة أرباب الأسر التى تشحن بـ 500 دولار قد ساعدت العديد من المواطنين محدودي الدخل في الحصول على فرص للسفر ، وساعدت العديد من الشباب ( القادمون الجدد ) في أن يصبحوا تجارا ولديهم رؤوس أموال في السوق السوداء .

ولكن تظل كل هذه الحلول ” وقتية ” حيث أن الأوضاع الاقتصادية لا تتحسن ، فمع استمرار هذه الحرب وخسارة المواطنين لبيوتهم وأموالهم وسرقة منازلهم وتدمير البنية التحتية فإن المواطن العادي هو المتضرر الوحيد .

فأحلام الليبيين  بالدراسة أو العمل خارج ليبيا أو حتى الهجرة أصبخت حلما صعب المنال، فقد أصبح الحصول على التأشيرة إلى أوروبا أو أمريكا شبه مستحيل وخصوصاً السفر إلى الولايات  المتحدة الأمريكية حيث أصبحت ليبيا من ضمن القرار الذي أصدره الرئيس الأمريكي ( ترامب ) والذي ينص على حظر دخول الوافدين من سبع دول إسلامية من بينها ليبيا إلى الولايات المتحدة  والذي سبب في تحديات قانونية وتظاهرات وفوضى في وكالات السفر الدولية والمطارات حول العالم.

ووفقًا للأمم المتحدة في 2017 ، فأن هناك نحو عشرة آلاف طالب ليبي في الولايات المتحدة بعضهم عالقون مع عائلاتهم وأطفالهم، ويخشى كثير منهم العودة إلى ليبيا لزيارة عائلاتهم خوفًا من ألا يتمكنوا من العودة إلى أميركا.

بينما تدعوك الولايات المتحدة إلى زيارتها أو الهجرة إليها ، فإنها تحتال عليك لتأخذ فقط أموالك ، فالسفر إلىها يتطلب دفع مبلغ 160 دولار أى ما يعادل 1000 دينار ليبي تقريباً ولكن ومع وجود سفارة الولايات المتحدة خارج ليبيا في تونس أو الأردن فإن الأمر يتطلب أكثر من ذلك .

فعلى الراغب في الحصول على التأشيرة الذهاب إلى تونس كمثال وتحمل مصاريف السفر والإقامة ودفع مبلغ 512 دينار تونسي إلى مصرف تابع للسفارة لتحديد الموعد والعودة مرة أخرى إلى تونس بعد تحديد الموعد وهنا يتطلب منه البقاء في تونس في انتظار الموعد ودفع مصاريف إضافية أخرى ، ويبقى الأمل وحده الذي يحدد مصير هذا الشاب أو هذه العائلة ، ناهيك عن تكاليف شركات الطيران الليبية التى تجاوزت فيها الرحلة 800 دينار ليبي.

فالحصول على الفرصة لا يتجاوز 20% ومع قرار ترامب الأخير فإن كل هذه المصاريف لا تعني للسفارة شيئاً ومع ظروف الحرب وصعوبة السفر ، فإن استلامك للرفض هو أبسط ما تقدمه هذه السفارة لأنك وببساطة مواطن ليبي .

اليوم يقول ” بيتر بودي ” بينما يتخلى عن منصبة كرئيس لبعثة الولايات المتحدة في ليبيا أنه “مندهش وحزين بسبب الانقسام العميق الذي يقوّض أحتمالات بناء مستقبل أفضل لجميع الليبيين”، حيث أشار إلى أن القتال المستمر في طرابلس يدمّر البنية التحتية المدنية الأساسية ، ويعرّض للخطر جهود مكافحة الإرهاب بين الولايات المتحدة وليبيا ويشكل مصدر قلق كبير، ويعرّض حياة المدنيين الأبرياء بما في ذلك النساء والأطفال للخطر.

ويبقى الليبي بين ” المطرقة والسندان ” وبين  ” سياسة العصا والجزرة ” وتبقى أحلامه بمستقبل أفضل معدومة ليس فقط في بلده ولكن حتى خارجها .