المسلاتي يكتب لصدى مقالاً بعنوان “من حديث الذكريات”

134

كتب رجب المسلاتي لصحيفة صدى الاقتصادية مقالا بعنوان من حديث” الذكريات ”

كان باركليز بنك يستخدم خليطاً من الأجناس من بينهم فلسطينيون ومالطيون ويونانيون وأرمن والمدير نفسه كان انجليزياً قحا ًأنا موظف مبتدىء والمرحوم سالم مخلوف صراف مخضرم فقط كنا من أهل البلد، كانت العلاقات السائدة بينهم علاقات ود واحترام متبادل، بعد أسابيع قليلة من إلتحاقي بباركيز بنك طرح الإصدار الأول من عملة المملكة الليبية المتحدة للتداول، وحدتها الجنيه، والجنيه مقسم إلى مائة قرش وألف مليم، كانت مناسبة وطنية سعيدة، تزاحم الناس على المصرف يستبدلون ما لديهم من نقود مصرية مقابل نقود ليبيه عملة تحمل اسم بلدهم وشعارها ومزينة بصورة ملكهم .

كانت العملة المتداولة في ولاية برقة العملة المصرية، والعملة المتداولة في ولاية طرابلس هي المال وكلمة “مال” مكونة من الأحرف الأولي من عبارة: Military Administration of Libya ، وتعني الإدارة العسكرية لليبيا، أما في ولاية فزان فكان الفرنك الفرنسي هو المتداول فيها، وقد وقع العبء الأكبر في عملية الاستبدال في بنغازي على عاتق المرحوم سالم مخلوف رحمه الله في ذلك الوقت لم يكن لدينا مصرفنا المركزي بعد، وصدرت العملة الجديدة باسم المملكة الليبية المتحدة، بإشراف لجنة كانت تسمى لجنة النقد.

قضيت خمسة أشهر أقوم بإعداد مسودة ميزان المراجعة اليومي أو Check Ledger كما يقولون، بعدها نقلت إلي قسم الحسابات الجارية. لم يطل بي المقام في قسم الحسابات الجارية شغر مكان في قسم المعاملات الخارجية {الحوالات الخارجية، المستندات الخارجية الواردة برسم التحصيل، الاعتماد المستندية} فنقلت إليها لملئه. وكانت قفزة عاليه وخطوة واسعة، أحتاج فيها للمساعدة.

لم تكن بدايات عملي في بنك باركليز سهلة، فقد كنت قد دخلت محيطا غريبا عنى، وفى مهنة لم أعد لها نفسي ولم أحصل فيها على تدريب و توجيهات كافية، وكنت في حاجة ماسة لمن يأخذ بيدي، يعينني ويرشدني ويشد من أزري، وخاصة في قسم المعاملات الخارجية، كان ضغط العمل قاسيا ومواعيده طويلة، كان زملائي في غاية الود لكنهم كانوا يتوقعون مني أن أساعدهم لا أن يساعدونني كان المستر محشى متعاطف معى ووقف المدير إلى جانبي، مرة وخلال شهر رمضان أبقاني رئيسي المالطي إلي المغرب، صدف وأن مر المدير ذلك اليوم فوجد أنني لازلت في العمل، خاطب رئيسي بكلمات لا تزال محفورة في ذاكرتي This boy must not be kept till now specially when it is Ramadan” ” “هذا الصبي يجب أن لا يبقى حتى الآن خاصة في رمضان” أثلجت كلمات المدير صدري ورفعت معنوياتي ولكنها لم تنهي مصاعبي، خاصة وأنني في بداية العام الدراسي الجديد انتسبت إلي فصول دراسية ثانوية ليلية فتحتها لجنة من مؤسسات المجتمع المدني، لتمكين من لم يستطع من حملة الشهادة الابتدائية مواصلة دراسته النظامية أن يواصلها ليلا. وكان علىً أن أعمل من الثامنة إلي الخامسة مساء في البنك، ومن السادسة إلي العاشرة ليلا في المدرسة يضاف إلي ذلك من ساعة إلي ساعتين يوميا للمذاكرة، لم يكن ذلك أمرا سهلاً بالنسبة لمراهق في الثامنة عشرة من عمره يخطو خطواته الأولى في حياته العملية . . اليوم وأنا أستعيد واستذكر تلك المعاناة والمتاعب التي واجهتها في بدايات حياتي العملية، أشكر الله وأثني عليه، ذلك أنه إن تصادف المصاعب والعقبات في بداية الطريق وأنت في قمة حيويتك ونشاطك وحماسك خير من مواجهتها في منتصف الطريق بعد أن تكون همتك قد فترت، ونشاطك قد قل وحماسك قد إنخفض وهي في كل الأحوال دروس مستفادة، وخبرات هامة، وتجارب قيمة.

حتى سنة 1954 كان باركليز بنك هو المصرف الوحيد في ولاية برقة، في نفس السنة فتح البنك العربي المحدود فرعاً في بنغازي في الدور الأرضي من مبنى يطل على اميدان البلدية من جانب وعلي شارع عمر المختار من جانب. والبنك العربي كان ومازال أحد أهم المصارف العربية يجر وراءه تاريخا طويلا مشرفا، أسسه مهاجر فلسطيني عصامي هو المرحوم عبد الحميد شومان، هاجر إلي أمريكا شابا وعمل فيها “عتًالا”، عاد إلي موطن رأسه فلسطين وأسس فيها بما أدخره، البنك العربي المحدود الذي أصبح صرحاً مصرفياً عربياً عالياً قبل أن تتدفق علي العرب أموال النفط، بعد سقوط فلسطين في أيدي اليهود انتقل البنك العربي إلي مدينة عمان في الأردن عبد الحميد شومان رحمه كان رجلاً بسيطا ومتواضعاً، ما زار فرعنا مرة إلا ومر علينا فردا فردا مسلما وناصحا ومعلما، كان شديد الكره للتدخين، فكانت منافض السجاير تختفي تماما من الفرع طيلة مدة زيارته، في إحدى زياراته وجدنى استعد للخروج في إجازة سألني أين ستمضي إجازتك، قلت سأسافر إلي طرابلس، قال أنا مسافر إلي هناك بالسيارة وحدي، تعالى معي آنسني في الطريق وافقت شاكراً وضعنى إلى جانبه علي المقعد الخلفي وبدأنا رحلتنا في الصباح الباكر، كان يطلب من السائق التوقف بعد كل مائة أو مائة وخمسين كيلو متر، ينزل من السيارة ويطلب مني النزول معه ونبدأ السير على الأقدام والسائق يلاحقنا بالسيارة، يستمر سيرنا على الأقدام مقدار حوالي العشرين دقيقه بعدها نصعد وهكذا حتى وصولنا. قال هذا مهم لتنشيط الدورة الدموية.

بمجرد سماعي بأن البنك العربي قد فتح فرعاً في المدينة، تقدمت لهم بطلب للعمل معهم أرفقته بسيرتي الذاتية متضمنة الأعمال التي مارستها في باركليز بنك، بعثوا لي مع ساع يعمل معهم يستدعونني للمقابلة ذهبت إليهم وقابلني “المراقب” والمراقب وظيفة خاصة بالبنك العربي لم أعرفها، بهذه التسمية إلا في البنك العربي، والمراقب عند البنك العربي هو الموظف الأعلى رتبة بين موظفي العمليات والمسئول المباشر عن جميع رؤساء الأقسام وحلقة الوصل بينهم وبين المدير رحب بي وسألني إن كنت أعرف اللغة الإنجليزية، وطرح عليَ عدة أسئلة أخري هي الأقرب إلي التعارف منها إلي الاختبار، ثم أخذني إلي المدير، الذي أعترف اليوم أنني مدين له، واعتبره معلمي ومرشدي وموجهي وقدوتي، الأستاذ خليل الداوودى فلسطيني الجنسية،ليبي الهوى. رجل جاد، واسع الاطلاع، لا يمل ولا يكل من العمل، كريم بما في جيبه وبما في صدره، يعتبر أن لمرؤوسيه حق في كل ما لديه من معرفه، إن كنت ترغب العمل معنا نرحب بك بمرتب قدره عشرين جنيها في الشهر ولأربعة عشرة شهراً في السنة” وقبلت على الفور.

بعد أربعة عشر يوماً من تاريخ تلك المقابلة، أصبحت موظفا في البنك العربي المحدود فرع بنغازي، كان الفرع لم يمضي على فتحه سوى بضعة أسابيع، وكان عدد عملائه لا يزال محدوداً وحجم معاملاته صغيرا. كان به حوالي عشرة موظفين، بما فيهم المدير والمراقب، من جنسيات فلسطينية ومصرية. وضعوني في وحدة العمليات المصرفية الخارجية. كنت الموظف الوحيد فيها. كنا في ذلك الوقت نصدر الخراف والصوف والجلود والأمعاء والحلفا والإسفنج، وكانت هذه العمليات تقع ضمن إختصاص وحدة العمليات الخارجية أفهموني أنني أستطيع الإتصال بالمراقب أو المدير مباشرة، وإعتبرت نفسي رئيساً للوحدة.