الترهوني يكتب عن دور النقل البحري في الاقتصاد “الجزء الثاني”

كتب : د. عبدالله ونيس الترهوني – المتحصص في اقتصاديات النقل

تناولت بشئ من التفصيل في المقال السابق تعريفاً بصناعة النقل البحري وخصائصها، والذي لاقى بفضل الله تجاوباً كبيراً في شرائح عديدة من الشعب الليبي وهي التي كانت تتوق لمعرفة المزيد عن هذا العنصر الهام والحيوي ودوره في حلقة الاقتصاد الوطني، واستكمالاً للتعريف بالصناعة البحرية سأتناول في هذا المقال وبشئ من التفصيل أهمية النقل البحري، ونظم تشغيل السفن ضمن استراتيجية النقل البحري، مع الإشارة إلى بعض التحديات التي تواجه هذه الصناعة العالمية.

 أهمية النقل البحري

يُعد النقل البحري أحد ركائز التنمية الاقتصادية وشريان الاقتصاد لمختلف دول العالم، وهو المسؤول عن نقل 83% من التجارة العالمية وبالأخص النفط الخام والمكرر، والمواد الأولية في صورة صب، والبضائع المحواة سواء كانت منتجات نهائية أو شبه نهائية، وبالتالي فإنه سيخلق مزيدا من فرص العمل للأيدي العاملة الوطنية، كما أنه يُساهم بشكل مباشر في خلق قيمة مضافة للاقتصاد، وتحسين ميزان المدفوعات للدول التي تستغله أحسن استغلال، وسيؤدي ازدهار نشاط الشركات الملاحية حتماً إلى ازدهار المدن التي تقع على البحار والأنهار، ويظهر ذلك جلياً من خلال المشاريع البحرية كالموانئ والمرافئ وأحواض بناء وإصلاح السفن ….إلخ، وهذه المكاسب والميزات تزداد بازدياد الاعتماد على النقل المائي، وبنظرة سريعة لخريطة العالم سنجد أن هناك دولاً قد استفادت كثيراً من سواحلها البحرية فكونت أساطيل تجارية ضخمة تجوب العالم شرقاً وغرباً مثل اليونان واليابان والصين والدول الاسكندنافية، بينما لا تزال دول أخرى في طور التحديث والنهوض مثل الهند والسعودية، كما أن إمارة دبي والتي لا تمتلك أي موارد نفطية قد اعتمدت بشكل كبير على الاقتصاد الأزرق الذي مثل لوحده 30% من النشاط الاقتصادي للإمارة بنهاية العام 2018 ، وهناك دولا أخرى لا تزال تعتمد على الأساطيل الأجنبية في توريد كل ما تحتاجه ومن بينها ليبيا بكل أسف.

 استراتيجية النقل البحري

يعتبرالنقل هو العمود الفقري لنشاط اللوجستيات، بينما يُعد النقل البحري كأحد أنماط النقل هو أحد الخدمات الرئيسية في تسهيل عملية التجارة الدولية، وعنصراً رئيسياً من عناصر لوجستيات التجارة لما يقدمه من قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، حيث أن أجرة النقل تُمثل من 20-30% من الثمن النهائي للبضائع والسلع في الدول المتقدمة، وفي حدود 40-50% في بعض الاقتصادات الناشئة والنامية، في حين أنه يتجاوز 70 % في بعض الدول وبالأخص الحبيسة منها، ولذا أنصب الاهتمام والتفكير في إيجاد أفضل الطرق والوسائل التي يمكن بها شحن وتوصيل البضائع والسلع إلى الأسواق المطلوبة بمرونة أكبر وسعر أرخص وبجودة عالية، وفي كل الأحوال فعندما يكون النقل البحري هو البديل الوحيد لنقل السلع فإنه يستوجب على المصدرين أو الشاحنين أن يأخذوا بعين الاعتبار ما هو آتي:

1-      وقت التسليم: والذي يجب أن يكون أسرع ما يمكن لإرضاء المتعاملين أوالمستهلكين.

2-       التكلفة: يجب أن تكون أقل ما يمكن ، ودون المساس بجودة الخدمة .

3-      تدفقات رأس المال ومدى ارتباطاتها بالوقت المستغرق للنقل، وكذلك مدى ارتباط وسائط النقل ببعضها .

4-      مكان التسليم: والمقصود وصول الشحنة أو الطرد أو الخدمة للشخص المناسب (الذي طلبها من الاساس) .

5-      تكلفة التأمين، وتكلفة الخدمات اللوجستية: وتشمل تكلفة التغليف والجرد والنقل، واللذان يجب أن يكونا مناسبين مع وسائط النقل المستخدمة.

والجدير بالذكر أن جداول إبحار ووصول السفن وتزودها بالوقود والمؤن تتأثر بعدد من العناصر، نذكر منها:

1-      مدى تدفق حركة البضائع بين الدول ، أو بالأحرى حركتها من الدول المتقدمة في اتجاه الدول النامية وضعفها بالاتجاه المعاكس.

2-      العوائق السياسية ، والحروب والنزاعات، والقرصنة.

3-      العوائق والحواجز التجارية المفروضة من قبل بعض الدول على منتجات دول أخرى .

4-      التغيرات المناخية وحالة الطقس السائد في بعض الأماكن.

5-       قوانين الأمن المفروضة حديثاً .

6-      أسعار النفط.

الأهمية الاقتصادية للموانئ البحرية :

إذا كان النقل البحري يعني النشاط القائم على السفينة بقصد تحقيق ربح، فإن الموانئ البحرية تكون هي الحلقات الرئيسية Nodes في سلسلة النقل البحري/ المتكامل، وهي التي تربط البلاد التي لها واجهة بحرية بالعالم الخارجي، وتعتبر الموانئ البحرية عنصراً هاماً من عناصر الأمن القومي، كما أنها تمثل ركناً أساسياً في التنمية، وأنها العمود الفقري للاقتصاد والتجارة الخارجية، نظراً لما تحققه من موارد مالية كبيرة سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية، ويمكن اختصار منافع الموانئ في الآتي :

1- تحقيق إيرادات من تحصيل الرسوم الجمركية، والعوائد، والأجور، ومن العملات الأجنبية والتي ستؤدي إلى تحسين ميزان المدفوعات، وهذه الأخيرة بدورها ستساعد في تمويل برامج التنمية لتؤكد الاستقلال الاقتصادي والسياسي للدولة.

2- خلق مزيد من فرص العمل.

3- خفض تكاليف البضائع المستوردة، والسلع الاستهلاكية، ودعم التجارة الدولة الخارجية (الصادرات والواردات).

4-  تطوير وتنمية المناطق المجاورة للميناء ( زراعية- صناعية- تجارية ) .

5- يمثل الميناء منفذا رئيسيا لأي دولة لها واجهة بحرية.

 6-  تعتبر الموانئ من مشروعات رأس المال الاجتماعي .

سوق النقل البحري (نظم تشغيل النقل البحري)

يُطلق على الشركات التي تعرض خدمات النقل البحري اسم الناقلين، وزبائنهم هم الشاحنون ، ويُوصف النقل البحري بأنه سوق شديد التنوع نتيجة للتغير الكبير والمستمر الذي يتصف به، وهو يقدم للشاحن العديد من الخيارات وعلى أساس تنافسي لينتقي منها الشاحن ما يناسبه، فإذا قُدر للشاحن أن يتمتع بالمميزات التي تتيحها له عدد من الخيارات فعليه:

1-     معرفة نوع الخدمة المتاحة على كل خط ملاحي لكل نوع من أنواع البضائع وبنود ونوع عقد النقل.

2-      مراقبة سوق النقل الملاحي العالمي عن كثب ومعرفة أسعار النقل ( النولون ) المختلفة.

3-      الإلمام التام بأنواع الخدمات والآثار القانونية المترتبة على عقد النقل وبالأخص خدمة من الباب للباب D2D

وبكل اختصار ودون إطالة فإنه يمكننا تقسيم السوق الملاحي (نظم تشغيل النقل البحري) لقسمين أساسيين هما:

أولاً: سوق الخطوط المنتظمة Liner

إن البضائع المنقولة على هذا النوع من السفن هي من النوعية العالية القيمة أو العاجلة الطلب، مما يجعل المنافسة في هذا المجال تقوم على أساس جودة الخدمة وليس على أسعار النقل ( النولون)، ويتسم هذا النوع من التشغيل بكلفة التشغيل العالية والثابتة لأجل المحافظة على جداول المواعيد المعلنة مسبقاً، أي أن هذا السوق لا يتسم بالمرونة فالسفينة ستغادرالميناء في الزمن المُعد لها سلفاً بغض النظرعن كونها مملوءة أو فارغة باستثناء سفن نقل الفواكه المبردة التي تملكها الشركات الكبرى التي تمتلك مزارع الفواكه بين المدارين والتي تقوم برحلات منتظمة وتكون مشحونة بالكامل عند مغادرتها لميناء الشحن في اتجاه موانئ التفريغ ما وراء المدارين، كما يتميز هذا النوع من التشغيل أيضاً بصدور قوائم أسعار الشحن بين الفترة والأخرى (ربع سنوية أو نصف سنوية)، وغالباً ما تكون أسعار النقل (النولون) مرتفعة مقارنةً مع السفن غير المنتظمة (أو السفن الجوالة)، ومن أشهر أنواع السفن التي تعمل بهذا النظام سفن الركاب، وسفن الحاويات والتي تمثل لوحدها 13% من إجمالي عدد السفن في العالم.

ثانياً: سوق السفن الجوالة Tramp

وهي سفن تنقل نوعاً واحداً أو نوعين من البضائع في الرحلة الواحدة، ولشاحن واحد غالباً، وتنقسم إلى :- سفن مستأجرة لرحلة واحدة أو عدد من الرحلات، أو قد تكون مستأجرة لفترة زمنية معينة بطاقمها أو بدونه، ويتحدد السعر في هذا السوق وفقاً لنظرية العرض والطلب السائد لكل نوع من المنتجات المطلوب نقلها، وينقسم هذا السوق إلى :

1-2  سوق الناقلات:- ويقصد بها ناقلات النفط الخام ومنتجاته، وناقلات الغازات المسالة الطبيعية والبترولية، وهما يمثلان 30% من إجمالي عدد السفن في العالم.

2-2  سوق ناقلات البضائع الصب الجافة وهي تمثل أزيد من 40% من إجمالي عدد السفن في العالم.

3-2  سوق سفن البضائع التقليدية وسفن نقل الحيوانات الحية، وسفن نقل السيارات وبالأخص المستعملة منها تعتبر من السفن الجوالة.

التحديات التي تواجه صناعة النقل البحري العالمية

يضم أسطول النقل البحري العالمي 89464 سفينة من مختلف الأنواع والأحجام بنهاية العام 2018، ومع هذا التنوع الكبير فإن هناك جملة من التحديات التي باتت تواجه هذا الصناعة العالمية الكبيرة في الآونة الأخيرة نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر:- النمو الاقتصادي لدول العالم وظهورالانتكاسات الاقتصادية بين فترة وأخرى، والأمن البحري:كالقرصنة والأمن السبراني، والتقلبات المناخية، والقوانين والقيود التي تفرضها بعض الدول، والمنافسة الكبيرة بين الدول التي تملك أكبر أساطيل بحرية، وأسعار النفط المتقلبة والتي تؤثر بشكل مباشر على سعر تقديم خدمة النقل، ووجود التكتلات الاقتصادية الدولية كنوع من الاحتكار والحد من المنافسة، وقوانين الحمائية التجارية، كما أن توطين بعض الصناعات في بعض الدول أدى إلى الاستغناء بنسبة كبيرة عن دور النقل.

يتبع ………

معدل نمو التجارة العامية المنقولة بحراً منذ العام 1974


قد يعجبك ايضا