الكبير “المركزي يواجه تحديات صعبة تتطلب أن يعتمد الليبيون على قدرتنا في الحفاظ على أصول الدولة وضمان تشغيلها”

كتب محافظ مصرف ليبيا المركزي “الصديق الكبير” مقالا نشره اليوم موقع “The Banker ” العالمي حيث أشار فيه الكبير إلى أن البنوك العالمية عادت إلى مركز المناقشات العالمية حول قضايا عائدات الفائدة السلبية على تأثير العملات الرقمية والتى تؤثر على مستقبل القطاع المصرفي العالمي، وفي وسط هذه المناقشات فإن دعاة اللامركزية يؤكدون على ضرورة رفع القيود.


وأضاف :

لكن مع ذلك ، فإن الجدل الدائر حول مستقبل البنوك المركزية أدى إلى تجاهل الدور الحاسم للجهات التنظيمية المالية في توفير الأمن والاستقرار والرصانة، أى الخصائص التى تفتقر إليها بسبب الأزمات السياسية وغيرها..

إن هناك العديد من البلدان في العالم أضعفتها النزاعات العسكرية الطويلة، وأضعفت معها مؤسسات الدولة وهياكل اجتماعية واقتصادية حيوية أخرى وفي هذه الحالات، يمكن أن تكون الإجراءات المسؤولة والواجبة من قبل البنك المركزي هي العامل الحاسم في توفير الاستراتيجيات الاقتصادية والمالية لتوفير سبل العيش الأساسية وحماية الموارد الوطنية.

ويقول ” الكبير” :
إن ليبيا هى مثال رئيسي على بنك مركزي يواجه مثل هذا التحدي ، حيث أن التراجع الذي شهدته البلاد خلال الانقسامات السياسية المريرة أدت إلى صعوبة تحقيق التوازن بين الاقتصاد الهش والعمل الجاري في سيناريوهات عالية الخطورة ومليئة بالصراعات.

حيث أدى ظهور حكومة موازية ومؤسسات موازية في عام 2014 في بنغازي وطرابلس إلى تفاقم البيئة السياسية والاقتصادية غير المستقرة بالفعل والتي ترسخت في سنوات ما بعد القذافي.

وأن هذه الانقسامات بالإضافة إلى تدهور الوضع الأمني ​​وتراجع أسعار النفط، قد خلقت ظروفًا غير عادية تطلبت أن يقوم مصرف ليبيا المركزي بالتوسع في سلطته لأجل الحفاظ على أصول الدولة وضمان تشغيلها دون انقطاع مع ضمان الحفاظ على التماسك والاستمرارية.
وكان على مصرف ليبيا المركزي أن يحول أولوياته العاجلة إلى حماية احتياطيات الدولة ودعم المؤسسات الحيوية في ليبيا وحماية سبل عيش مواطنيها ، حيث أنه من المتوقع بذل جهود كبيرة لتأمين الأصول الليبية مع مرور الوقت والحفاظ على شبكة موثوقة من الشركاء الدوليين في وقت كانت معظم البنوك الأجنبية تغادر الأسواق النامية والتي تعتبر بيئة العمل فيها شديدة الخطورة.

إن مصرف ليبيا المركزي بطرابلس يدير فعلياً وحصرياً عملية تدفق المدفوعات من إيرادات بيع النفط الخام والتي تتم عن طريق المؤسسة الوطنية للنفط بطرابلس .

ويؤكد ” الكبير ” من خلال هذا المقال أن هذه العملية تتسم بالشفافية وتقوم البنوك الدولية بتسهيل إتمام الإجراءات المتعلقة بها، ولكن بسبب الاضطرابات السياسية والانقسامات في مؤسسات الدولة هذا الأمر توقف حالياً.

وأنه وعلى الرغم من الضغوط الهائلة على الاحتياطات بسبب ارتفاع عجز الموازنة بين عامي 2013 و 2017 فقد حافظ مصرف ليبيا المركزي على الإنفاق على القطاعات الحيوية مثل ( الرعاية الصحية – التعليم – النقل – المرافق) على أساس سنوي.

وبالمثل قام المصرف بضمان المدفوعات غير المنقطعة للرواتب العامة في جميع مناطق ومدن ليبيا ، حيث أدركت إدارة المصرف أن منع الانهيار الاقتصادي للبلاد يعتمد على قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية لجميع المواطنين وضمان استمرارية مؤسسات الدولة المركزية وهي مهمة ملحة الإنجاز خصوصاُ لأسباب تفاقم النزاعات العنيفة والمستمرة عبر الرقعة الجغرافية الممتدة شرقاً وغرباً وجنوباً .

كيفية التغلب على الصعوبات والتحديات :

في عام 2014 واجه مصرف ليبيا المركزي اختبارًا صعبًا، حيث كان الانخفاض العالمي في أسعار النفط والتوقف المتكرر في الحقول والموانئ النفطيه الليبية بمثابة ضربة قاسية لعائدات النفط ، والتي شكلت 95٪ من عائدات الحكومة.

ومع انخفاض الإيرادات بأكثر من عشرة أضعاف بين عامي 2012 و 2016 ( من 53.2 مليار دولار في عام 2012 إلى 4.8 مليار دولار في عام 2016 ) قام المركزي بتغطية العجز السريع في ميزانية ليبيا من أحتياطياتها للحفاظ على الاستدامة المالية للبلاد.
وعندما وصل استخدام العملات الأجنبية في ليبيا إلى 47 مليار دولار في عام 2013 ، أدى هذا إلى ضغط هائل على احتياطيات المركزي، وقد وضعنا خطة عمل لتحسين الإنفاق والحفاظ على الأموال العامة.

وفي غضون ثلاث سنوات فقط ، تمكنت ليبيا من تخفيض استخدامها للعملات الأجنبية بنسبة 75٪ إلى 12 مليار دولار فقط في عام 2016 ومن خلال هذه الإجراءات المستهدفة خفّض مصرف ليبيا المركزي الضغط على احتياطياته وحسّن ميزان المدفوعات في ليبيا، وساعد على تحويل عجز الموازنة إلى فائض اعتبارًا من عام 2018.

ماهو ” الوجود غير المرحب به” الذي قصده الكبير في المقال ؟


يقول ” الكبير ” إن هذا النجاح يتطلب المثابرة التي لم يرحب بها دائمًا أصحاب المصلحة في البلد، على سبيل المثال قدم المركزي أرقام “الهوية الوطنية – الرقم الوطني” لمنع الازدواجية وكشف العاملين الأشباح الذين تدفع لهم الرواتب.

وعلى الرغم من صعوبة تنفيذ هذا البرنامج فقد ساهم وهو أسلوب جديد طبق في ليبيا، في خفض الإنفاق على الرواتب من 25 مليار دينار (18 مليار دولار) إلى 19 مليار دينار سنويًا ..

وساهم كذلك في تعليق برنامج دعم الغذاء في عام 2015 في توفير مليار دينار إضافي سنويًا وأن الدعم الذي من خلاله مولت الحكومة الليبية حوالي 70٪ من تكلفة المواد الغذائية المستوردة لليبيين زاد الاعتماد على الحكومة والذي أثقل الميزانية.

بالإضافة إلى ذلك، ورغم أن قدرتنا على تغيير سعر الصرف الأجنبي الرسمي وسط الانقسامات السياسية كانت مقيدة، عمل المركزي مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس لفرض ضريبة على مبيعات العملات الأجنبية للاستخدام الشخصي والتجاري.

وعندما تم توقيع المرسوم ذي الصلة أخيرًا في سبتمبر 2018 ، رفع مصرف ليبيا المركزي القيود المفروضة على معاملات العملات الأجنبية ، حيث حقق 28 مليار دينارأ إضافى من إيرادات الدولة بين أكتوبر 2018 ويوليو 2019، وتم تخصيص جزء كبير من هذه الأموال الإضافية لاستكمال مشاريع التنمية الهامة المجمدة في ليبيا منذ عام 2011 بما في ذلك مشاريع البنية التحتية الأساسية مثل الجامعات والمدارس والمستشفيات والعيادات العامة والطرق وخطوط الاتصالات السلكية واللاسلكية – مع معدل إنجاز وصل إلى أكثر من 80 ٪.

الدينار مقابل الدولار


نتيجة لسياسات مصرف ليبيا المركزي في سوق الصرف الأجنبي ، والتي ابتليت لسنوات طويلة بأسعار المضاربة في السوق السوداء، عزز الدينار الليبي من 9.75 مقابل الدولار الأمريكي في عام 2016 إلى 2017، إلى 4.10 مقابل الدولار الأمريكي في أغسطس 2019.

وهذا أنتج زيادة تقارب 60٪ في القوة الشرائية للدينار الليبي والمستوى الفعلي للدخل الحقيقي للفرد ، بالإضافة إلى ذلك تقلص مستوى التضخم من ذروته البالغة 28.5 ٪ في عام 2017 إلى معدل سلبي قدره 7.1 ٪ في يونيو 2019.
أما بالنسبة للمستهلكين الليبيين فقد ساعدت هذه السياسات على تحقيق استقرار ملحوظ في الأسعار التي يدفعونها مقابل سلعهم ، والتأثير على أسعار صرف العملات الأجنبية في السوق الموازية والقضاء على الفجوة بين سعر الشراء نقدًا مقابل الأدوات الأخرى.

ومع ذلك ، لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به حيث لم يتم بعد تنفيذ العديد من المبادرات المقترحة من برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي، والذي تم تطويره في عام 2018 بواسطة المركزي بالاشتراك مع حكومة الوفاق الوطني.

وعلى سبيل المثال ، سيكون إصلاح دعم الوقود أمرًا أساسيًا لإعادة التوازن للميزانية الليبية والاقتصاد الكلي ، لكن تنفيذه يتطلب إرادة سياسية والتزاماً لم تظهره الحكومة بعد.

حيث يدفع الليبيون حوالي 10 سنتات فقط لكل لتر من البنزين – وهو ما يمثل جزءًا ضئيلًا ولا يمكن تحمله من سعر السوق – مع تغطية الباقي حاليًا من قبل الحكومة.


أشار” الكبير ” في مقاله إلى أزمة السيولة حيث قال :

لقد كان تسهيل وصول الليبيين إلى السيولة في جميع أنحاء البلاد أولوية وتحديً للمركزي، ولهذا السبب استثمرنا في تطوير قنوات الدفع الإلكترونية في ليبيا ، البلد ذي الاقتصاد الذي يعتمد على النقد وكان تشجيع السكان على استخدام خيارات الدفع الإلكتروني صعباً.

حيث قام المركزي بحملة دعائية ترويجية توضح نشاط استخدام البطاقات المصرفية بين السكان الليبيين ، والتى حققت نمواً ملحوظاً في استخدام البطاقات المحلية التي تم تفعيلها حديثًا من 91.500 في عام 2016 إلى 581.000 في النصف الأول من عام 2019.

وقد أدى دمج عمليات الدفع عبر الهاتف المحمول كجزء من استراتيجية الدمج المالي للبنك إلى تسهيل الوصول للخدمات المصرفية لآلاف الليبيين ، وفي النصف الأول من عام 2019 ، بلغت القيمة الإجمالية للمعاملات الإلكترونية من خلال جميع القنوات 1.6 مليار.

وقد ساهمت هذه التطورات بشكل كبير في تخفيف أزمة السيولة النقدية وتقليص الهامش بين النقد وقيمة الشيك بالدينار الليبي و الأهم من ذلك ، أنها حسنت الوصول إلى السيولة لجميع الليبيين ، مع أو بدون التعرض المصرفي الحالي.


وفي هذه الأثناء ، واصل مصرف ليبيا المركزي تحويل الأموال النقدية إلى مناطق مختلفة في جميع أنحاء البلاد على الرغم من مخاطر السلامة و تدهور الوضع الأمني ​​غير المستقر بالفعل في ليبيا منذ بدء الهجوم على طرابلس في أبريل ، مما يجعل الجهود المستمرة للحفاظ على السيولة في البنوك المحلية بالغة الصعوبة.

وفي حادثة وقعت مؤخرًا في مايو 2019 اختطفت جماعات مسلحة شاحنة مليئة بالنقود أثناء محاولة لتسليم الأموال إلى فروع البنوك التجارية في مدينة جادو في غرب ليبيا وهذا جزء من الواقع على الأرض يصعب القيام بعملنا.


تحديات جديرة بأن تقبل

أن الظروف غير العادية في ليبيا على مدى السنوات الخمس الماضية استلزمت أن يتحمل مصرف ليبيا المركزي مسؤوليات غير نموذجية للبنك المركزي.

وتبرز هذه الظروف أهمية الفرضية الأساسية للبنك المركزي أهمها استقلاله وحياده علاوة على ذلك، فإنهم يخلقون سياقًا لإظهار الدور الأساسي الذي يمكن للبنك المركزي والذي يجب عليه أن يلعبه إذا كان البلد في صراع مؤسف للغاية مثل الذي تواجهه ليبيا الأن.

وفي ظل ظروف هذه الحرب ، كانت المعركة اليومية من أجل أن يحافظ المركزي على استقلاله مع مراعاة كل قرار وكل خطوة سياسية يبدأها.

ولا يبدو أن هناك نهاية للعقبات الصعبة والخطيرة التي تعترض طريق الوفاء بواجبات البنك حتى العادية منها و لكن عندما يعتمد ملايين الليبيين على قدرة المؤسسة الحفاظ على تماسك البلد، فإن المسؤولية التي نواجهها تشكل تحديًا هائلًا وجديرًا بالاهتمام.

ترجم حصرياً لصدى الأقتصادية


قد يعجبك ايضا