طباعة العملة خارج حدودها .. من الجاني ومن الضحية ؟

528

ليبيا بلد المعضلات الاقتصادية بلا منازع، من مشكلة اقتصادية إلى أخرى أعمق ، ودولة منقسمة مع وقف النفاذ، وبلد لديه مصرفين مركزيين يدوران في فلكين سياسيين متناقضين ومتناحرين، ويمولان طرفي نزاع كل حسب قدرته، وبين هذا وذاك يتنازع المواطن حقوقه وخاصة فيما يخص الحصول على مرتبه نقدًا في بلد لا يتعارف إلا بالنقد ولم يعرف ثقة في صكوك أو بطاقات نقدية وحتى إن وجدت فالثمن قد يكون مضاعفاً للسلع.

هذه المرة أطلت عملة مطبوعة في روسيا على الليبيين بأمر من مركزي البيضاء ، فكثر اللغط حولها وبات موضوع التعامل بها محرماً في ركن من أركان الدولة.

ما الموضوع وما أسبابه و ما توابعه؟ لنتابع معاً:

كانت البداية بعد قيام مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء بطباعة العملة في روسيا وذلك بسبب امتناع محافظ مصرف ليبيا المركزي بطرابلس “الصديق الكبير” عن إرسال سيولة لمدن المنطقة الشرقية منذ سنة 2015 هذا ما أكده لنا عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي بالبيضاء “مراجع غيث” .

وللعودة لسنة 2016 أكد مركزي البيضاء حين ذاك أن طباعة العملة آمر صحي ومطلوب لاحتواء أزمة تخزين العملة لدى رجال الأعمال والتجار والمواطنين، وبموافقة الرئاسي في ذلك الوقت عندما تم عقد اجتماع بتونس بتاريخ 25 مايو لسنة 2016 بالتحديد و اعتبر أن طباعة العملة حل لمشكلة المواطن و مطلب من الدولة بالكامل بكافة مؤسساتها و هذا الأمر سيحافظ على استقرار الاقتصاد ، مؤكداً أن دار الطباعة التي تم الاستعانة بها لطباعة العملة في روسيا مطبعة عالمية وتقوم بالطباعة وفق الأسس والمواصفات العالمية المتبعة في هذا المجال ، فطباعة العملة ليست مطلبا لمحافظ بل هو قرار لمجلس إدارة المصرف المركزي و إبلاغ السلطة التشريعية الممثلة في مجلس النواب بالخصوص .

و يظل التساؤل هنا ماذا تغير ليعارض الرئاسي تداول العملة واعتبارها مزورة و مضرة للاقتصاد ؟

اندلاع الحرب بطرابلس:

اندلعت الحرب بطرابلس منذ إبريل الماضي و كل حكومة خصصت مبالغ مالية لجيشها حيث خصص الرئاسي مبالغ بالمليارات لوزارة الدفاع ، أما الحكومة المؤقتة و مركزي البيضاء واصل طباعة العملة وتزويد الجيش الليبي بقيادة المشير حفتر بهذه الأموال عبر عدة مصارف ك”التجارة والتنمية ، والتجاري الوطني ، والوحدة” والتي انخفضت أرصدتها بمركزي طرابلس الآن.

تفاصيل دقيقة عن طباعة العملة في روسيا :

قال مصدر مسؤول لصحيفة صدى الاقتصادية أن العملة المطبوعة تتم بدون تغطية مالية ولا مقابل احتياطيات ، فالعملة مجرد ورقة مطبوعة فقط ، و لا يستطيع المركزي طباعة العملة في سويسرا أو بريطانيا، لأنه من المستحيل أن تتم الطباعة بدون تغطيات معينة وإلا أصبحت مجرد ورقة فقط ، و هذه يتم بيعها في السوق السوداء في ليبيا و سداد مقابلها دولارات للدولة الروسية..

الرئاسي يطالب بعدم التعامل بالعملة :

ومن جهته طالب المجلس الرئاسي بوقف التعامل مع العملة المطبوعة في روسيا مطالبا المركزي والمصارف باعتبارها مزورة و غير قانونية لأنها مضرة للاقتصاد .

و في معرض الرد رفض محافظ مصرف ليبيا المركزي “الصديق الكبير” الاستجابة لمطالب المجلس الرئاسي بإيقاف التعامل بالعملة النقدية التي طبعها المصرف المركزي بالبيضاء في روسيا.

ورصدت صحيفة صدى الاقتصادية أراء بعض الخبراء والمسؤولين الاقتصاديين المؤيد منهم والمعارض لطباعة العملة :

رؤية مركزي طرابلس لطباعة العملة في روسيا :

يرى محافظ مصرف ليبيا المركزي بطرابلس أن طباعة العملة في روسيا مخالفة للقانون و لكافة المواد الحاكمة ، وستسبب في زيادة الانقسام السياسي و تدهور الاقتصاد الليبي .

الأعلى للدولة : طباعة العملة جريمة

من جهته أكد عضو اللجنة المالية بالمجلس الأعلى للدولة “كامل الجطلاوي” في تصريح لصدى الاقتصادية أن طباعة العملة بدون إنتاجية يعتبر انتحارا لأي اقتصاد في العالم ، و من سلبياتها زيادة عرض النقود الذي وصل في ليبيا إلى أكثر من 120 مليار دينار بين خصوم إيداعية وكتلة نقدية.

و أضاف “الجطلاوي” قائلاً : إن هذا الأمر سيستوجب فتح مشروعات تنموية لتمويلها من خارج الميزانية لامتصاص عرض النقود .

انقسام المركزي سبب في طباعة العملة :

و من جهته أكد رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في ليبيا “محمد الرعيض ” عبر قناة ليبيا الأحرار أن مشكلة السيولة وأزمة النقد في ليبيا بالإضافة لمشاكل الانقسام في مصرف ليبيا المركزي هو ما أدى لتطور وطباعة العملة في المنطقة الشرقية نتيجة النقص الحاد بالعملة.

طباعة العملة استخدمت لشن الحرب :

كما صرح الخبير الاقتصادي “حافظ الغويل” لصحيفة صدى الاقتصادية أن طباعة العملة في روسيا كان تأثيرها سيء جداً على الوضع الاقتصادي ، والسياسي في ليبيا لأنها جدرت الانقسام السياسي الحقيقي و أصبحت ليبيا دولتين كل واحدة تتعامل بعملة و تستطيع أن تمول ما تريد.

و أضاف قائلاً : إن الأموال التي طبعت في روسيا منذ ثلاث سنوات استعملت لشن الحرب على طرابلس و شراء دولارات من السوق السوداء وهذا ما سبب في ارتفاع سعر الدولار إلى أكثر من 9 دينار .

وتابع “الغويل” قائلاً : يجب منع تداول هذه العملة و اعتبارها مزورة، و من الممكن أن تخلق بعض الإشكاليات في المدى القصير ، ولكن البنك المركزي طرابلس يستطيع أن يتعامل مع هذه المشاكل والتي منها على سبيل المثال أن هناك الكثير من المواطنين يتعاملون بهذه العملة منذ ثلاث سنوات فمن الممكن أن يعوضهم مركزي طرابلس بعملة قانونية و يأخذ المزورة.

و قال هناك طرقا للتعامل مع هذه القضية و لكن يجب منعها من التداول و إن جفت منابع المال للمنطقة شرقية سيضطر “حفتر” للتخلى عن “عدوانه على طرابلس” و أن يقبل بالحل السياسي، بحسب الغويل.

طباعة العملة سيؤدي لتوسع المجموعات المسلحة:

كما أكد الخبير الاقتصادي “محمد شوبار” في تصريح لصحيفة صدى الاقتصادية أن طباعة العملة خارج المؤسسات المصرفية الرسمية لها آثار خطيرة جداً سواء على الجانب السياسي ، أو الاقتصادي ، أو الجانب الاجتماعي .

وأضاف قائلاً : طباعة العملة سيؤدي إلى تدهور الحالة الاقتصادية فطباعة العملة المحلية خارج السياسات النقدية التي يتعامل بها المصرف المركزي سيكون له دور في ارتفاع العملة الأجنبية و سيكون له أثر سلبي كبير يؤدي إلى توسع وانتشار المجموعات المسلحة و خارجة عن القانون ومدعومة من الخارج وسيؤدي إلى انهيار الاقتصاد.

و أفاد “شوبار” أن الدولة الليبية تعتمد على الصادرات النفطية ، وطباعة العملة وستعود هذه الواردات إلى الخارج ، مضيفاً أن طباعة العملة ستساهم في ارتفاع أسعار السلع والمواد التي يحتاجها المواطن .

ما بين تبريرات مركزي البيضاء واقتصادييه واحتمالات منع التداول من مركزي طرابلس ومستشاريه ، يظل الدينار الليبي تائهاً حائراً ، فلا يكاد يستقر حتى يرتفع والكل يشتكي من مواطن حرم من حصوله على سيولة توفر له جزءاً مهما من متطلباته، إلى تاجر يبحث عن النقد لسداد التزاماته، إلى مصارف لا تكاد سيولتها تغطى جشع موظفيها ، إلى خزانة أنهكتها الحروب وباتت معتمدة كلياً على عوائد النفط والغاز، إلى اقتصاد بات ريعياً بالكامل، إلى حكومات بميزانيات ذات عجز في المدفوعات ، إلى مطالبات برفع مضاعف للأجور في وقت هبطت فيه القوة الشرائية للدينار إلى منخفضات قياسية.

وكأننا بالمركب لازال يحتمل ولا يدرى لا الربان ولا الركاب كيفية معالجة فجواته فيلجؤون لطبع أوراق نقدية لسد العجز دون أن يتوفر لها الغطاء النقدي اللازم ولا الاحتياطيات المطلوبة.

فهل حقاً أضعنا البوصلة ؟ وبات انحراف المركب وغرقه وشيكاً ؟؟