شبكات الأمان الاجتماعي في جزئها الأول للدكتور عبدالله ونيس الترهوني

كتب: د. عبدالله ونيس الترهوني أخصائي اقتصاديات النقل

مع انحسار الشيوعية وانتشار ظاهرة العولمة المدعومة بثورة الاتصالات تحول كوكبنا إلى قرية صغيرة، وأصبح الاتصال لا التواصل أكثر زخماً من ذي قبل، وبالتالي صار منطقياً أن تصب كل هذه العوامل في خانة تقليص عدد الفقراء حول العالم، وبالفعل وبحسب بيانات البنك الدولي للعام 2018 فقد تراجعت ولو قليلاً نسبة البشر الذين يعيشون في فقر مُدقع حول العالم من 11% إلى 10% ، وعلى الرغم من أن هذه البيانات قد أظهرت تفاوتًا في مستويات الفقر وتوزيع عائد الثروات بين قارات العالم، بل أن هذا التفاوت يقع حتى ضمن حدود الدولة الواحدة، ولكن وبكل أسف فإن هناك استثناء وحيد لهذا التراجع في أعداد الفقراء وهي دول أفريقيا جنوب الصحراء، والتي لازالت ترزح تحت وطأة الفقر الذي لا يرحم، ويُعرف البنك الدولي أولئك الذين يعيشون في فقر مُدقع بأنهم البشر الذين يعيشون على 1.90 دولار أو أقل في اليوم، وقد أوضح التقرير وبكل جلاء أن 9 من بين أفقر 10 دول في العالم هي دول أفريقية، على الرغم من امتلاك القارة السمراء لثروات وموارد طبيعية هائلة، وقد تصدرت مدغشقر دول العالم الفقيرة وبنسبة 77.6% من إجمالي عدد السكان، تلتها الكونغو الديمقراطية والتي تمتلك ثروات طبيعية هائلة يجعلها من بين الأغنى في العالم، مع تمتعها بمناخ استوائي وبنسبة 77.1% ، تلتها بوروندي ومالاوي وبنسبة 71.7% و 71.4%على التوالي، فيما جاءت كل من غينيا بيساو، وأفريقيا الوسطى ، وموزمبيق في المراكز من الخامس إلى السابع توالياً، وبنسب 67.1% و 66.3% و62.9%، فيما احتلت أوزبكستان وهي من قارة آسيا المركز الثامن وبنسبة 62.1% من إجمالي عدد السكان، فيما احتلت كل من ليسوتو وزامبيا من قارة أفريقيا المركزين التاسع والعاشر عالمياً توالياً، ومن سخرية القدر أن أغنياء اليوم هم أنفسهم مستعمرو أفريقيا وأمريكا الجنوبية بالأمس، وبالمناسبة فإن نسبة الفقر في أوروبا قد بلغت 5.7% فقط من عداد السكان، وانحسرت تحديداً في دول أوروبا الشرقية وبالأخص رومانيا، وبحسب تقرير البنك الدولي أيضاً فإن البيئة السياسية والاجتماعية في بعض دول منطقة الشرق الأوسط وجنوب الصحراء الكبرى قد عملت على تأخير الإصلاحات الضرورية لحل مشاكل الفقر وانعدام المساواة، واللذان يمثلان صميم عمل شبكات الآمان الاجتماعي، وأنّ هناك ضرورة لوضع خارطة طريق من خلال دعم وطنيٍّ، الأمر الذي سيشمل تحسين القدرة المؤسساتية داخل المنظمات الحكومية المسؤولة عن الإنفاق الاجتماعي، وبالتالي فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي شبكات الأمان الاجتماعي، وما هي غاياتها؟

لقد عرًف معهد التخطيط العربي مفهوم الآمان الاجتماعي بأنه مجموعة من الآليات والأنشطة المترابطة المستخدمة لتحقيق الاستقرار للأفراد والجماعات وتحرير الإنسان من العوز والحرمان والحاجة، والحد من خسائره وحمايته من الأخطار الداخلية والخارجية سواء كانت من صنع الإنسان: كالأزمات المالية والانحسار الاقتصادي وسلبيات العولمة، أو الكوارث الطبيعية: كالجفاف والقحط والأوبئة، وبذلك يكون الأمان الاجتماعي داعماً للاستقرار والتماسك الاجتماعي لأي بلد، بل وعاملاً مساعداً في تحقيق التوازن بين كامل مكونات وشرائح المجتمع، و يسعى الأمان الاجتماعي إلى تحقيق الاستقرار الحياتي الفردي أو الأسري أو الجماعي عبر عدد من العمليات بهدف:

1- إشباع الحاجات الأساسية لأعضاء اﻟﻤﺠتمع؛ والذي بدوره سيؤدي إلى مزيد التماسك.

2-  دعم القيم الإيجابية في اﻟﻤﺠتمع التي تضمن الاستقرار الاجتماعي كالقيم الدينية، وقيم التكافل، والتأكيد على دور الأسرة ضمن هذه القيم.

3- تمكين الفئات والجماعات المحتاجة من إشباع حاجاتها الأساسية، وذلك من خلال إتاحة القروض والتسهيلات، وتطوير أوضاعها التعليمية والتدريبية، وحماية الفئات الضعيفة منها وذوي الاحتياجات الخاصة .

4-  الوقاية من المشكلات الاجتماعية التي تهدد الاستقرار الاجتماعي للدولة بسبب المشاكل الاقتصادية، والعوامل السلبية المصاحبة للعولمة مثل والفقر البطالة والتهميش الاجتماعي.

ومن بين التجارب الناجحة في الدول العربية هي تجربة المملكة العربية السعودية، فقد اعتمدت المملكة برنامج “حساب المواطن” والذي يُعد من أهم المبادرات التنموية التي قامت بها المملكة لحماية الأسر المُستحقة للدعم، وذلك من خلال تقديم دعم نقدي مباشر إلى ذوي الدخل المحدود، ضمن برنامج تحقيق التوازن المالي في إطار البرامج المُتضمنة “لرؤية المملكة العربية السعودية 2030″، وقد بلغ إجمالي الإنفاق الفعلي على هذا البرنامج ما يقدر بنحو 37.5% من إجمالي الإنفاق على تعويضات العاملين خلال عام 2019 وحده، أما في جارتها الأردن فتضمنت الإصلاحات المُطبقة في مجال الإعانات زيادة أعداد الأسر المستفيدة من دعم صندوق المعونة الوطنية، والذي يقوم بصرف مخصصات شهرية لحوالي 100 ألف أسرة بقيمة إجمالية بلغت حوالي 110 مليون دينار أردني، ليشمل 85 ألف أسرة جديدة خلال الفترة بين 2019 و2021، وبكلفة إجمالية مقدارها 100 مليون دينارأردني هي الأخرى.

لقد عرًف أيضاً معهد التخطيط العربي مفهوم شبكات الآمان الاجتماعي بأنها الأداة الفاعلة لحماية ضحايا الصراع التنافسي مثل العاطلين أو المعطلين عن العمل مؤقتاً، ولحماية الفئات الأقل دخلاً، والصغار والمسنون وذوي الاحتياجات الخاصة، كما تشمل نشاطات شبكات الآمان الاجتماعي أيضاً معالجة المظاهر السلبية لدول الرفاه أو الدول الغنية أيضاً، وبالتالي فإن شبكات الآمان الاجتماعي هي شبكات عمومية أو عامة الطابع Public، وأنها موجودة بكل الدول بدون إستثناء، أي أنها مرتبطة مباشرةً بدور الدولة، وجزء من الدور العام لأجهزة الدولة، بل ومن ضمن وظيفتها الإجتماعية المعاصرة، وفي المجمل فإن شبكات الآمان الاجتماعي نوعان: شبكات طارئة وهي تعمل لحلحلة مشاكل مؤقتة، أو شبكات دائمة وتعمل ضمن مفهوم شمولي ومتشعب على المدايين المتوسط والبعيد.

من جانبها أعتبرت منظمة الأغذية والزراعة ( فاو) أن شبكات الآمان الاجتماعي تُعد مكوناً واحداً من بين مكونات الحماية  الاجتماعية لأي بلد، والتي تشمل سياسات سوق العمل، وخيارات التأمين: مثل المعاشات التقاعدية القائمة على الإشتراكات، والتأمين الصحي ، فضلاً عن جوانب السياسات القطاعية المتعلقة بالتعليم والصحة،ومكافحة سوء التغذية، ومكافحة فيروس نقص المناعة البشرية (الايدز) ، والنهوض بالزراعة، في حين أعتبرت الامم المتحدة أن شبكات الامان الاجتماعي هي جزء أصيل من السياسات الاجتماعية لأي بلد ، وقسمت آليات الحماية الاجتماعية إلى نوعين: رسمية وغير رسمية، فالآليات الرسمية تشمل التعليم والتدريب، الصحة، تنظيم الاسعار ودعمها، المساعدة في البحث عن وظائف، برامج إعانات الاجور،صندوق إعانة الطلاب، الدعم الغذائي، والإعانات النقدية المباشرة، أما الآليات الغيررسمية فهي تشمل إدارة وتنويع نشاط الاسرة، الشبكات العائلية، المساعدات الخيرية الدينية، والهجرة لغرض البحث عن عمل.

مما تقدم يمكننا القول أن شبكات الآمان الاجتماعي تستهدف الفقراء والمستضعفين الواقعين تحت تحويلات غير محتسبة (تذبذب) في رواتبهم، وتعمل في الوقت ذاته هذه الشبكات على مسارين اثنين هما: برامج التوظيف المؤقت، وبرامج دعم الدخل، بالإضافة إلى الخدمات التي من شأنها أن تعمل على بناء الرأسمال البشري مثل: البرامج التدريبية، والتمويلات الصغيرة، ووفقاً لتقريرالبنك الدولي فإن شبكات الأمان الاجتماعي تساعد على تحقيق ثلاث أهداف رئيسية هي:

1-      الإدماج الاجتماعي وتحفيز الطاقات وضمان المشاركة المجتمعية.

2-      تحسّين المستويات المعيشية: مثل مكافحة الفقر، ومعالجة المظاهر السلبية لدول الرفاه.

3-      تعزيز القدرة على التعافي من الصدمات الاقتصادية.

إن شبكات الآمان الاجتماعي تُركزعلى العلاقات الاجتماعية المتشابكة القائمة بين أفراد المجتمع، وقد سُميت بهذا الاسم لأنها تحقق الآمان للفرد في المجتمع من خلال تحقيق عمليتين اثنتين هما: الضبط (الضغط الاجتماعي) والتساند (الدفء الاجتماعي) في إطار عملية ديناميكية من التدافع الاجتماعي الدائم.

يتبع…

قد يعجبك ايضا