أبوسنينة يكتب: اتجاهات جديدة في التفكير الاقتصادي

كتب المستشار الاقتصادي محمد أبو سنينة

علم الاقتصاد من العلوم الاجتماعية التي تتصف بالتطور ومواكبة المتغيرات والمستجدات الاقتصادية والاجتماعية، فهو ليس قوالب جامدة كما يعتقد البعض، ويمكن أن يلعب هذا التخصص دورًا مهمًا في إيجاد التفسير والحلول لمختلف الظواهر الاقتصادية والاجتماعية، وينبغي على الذين يمتهنون هذا التخصص الانفتاح على التطور الذي يشهده الفكر الاقتصادي والوقائع الاقتصادية منذ منتصف القرن العشرين والاتجاهات الجديدة في هذا العلم مثل التفسير السلوكي للمواقف والقرارات الاقتصادية التي يتخذها الأفراد أو ما يعرف بالاقتصاد السلوكي behavioral economics، والبحت عن تفسير أو تعليل للإخفاقات التي اعترت بعض الوصفات التي أفضت إليها جهود بعض الاقتصاديين لمعالجة بعض المشاكل الاقتصادية المعاصرة والأزمات الاقتصادية التي عرفتها اقتصادات مختلف الدول وأوجه القصور التي اعترت نظام السوق وإخفاقاته.

فقد ظهرت في الآونة الأخيرة مبادرة جديدة أو اتجاه جديد عند رسم السياسات الاقتصادية والتفكير الاقتصادي new economic thinking، عرفت باسم الاقتصاد من أجل الرخاء الشامل (economics for inclusive prosperity) يتزعم هذه المبادرة أساتذة اقتصاد من جامعة برنستون، روادها: سوديش نايدو، داني رودريك، أندت مودى، وجبرائيل زوكمان وغيرهم، بزعامة اتيف ماين الذين لاحظوا من خلال تحليل وتقييم الوقائع الاقتصادية والاجتماعية خلال العقود الستة الماضية، أن الاقتصاد لا يعمل لصالح الجميع، حيت لوحظ زيادة حدة الاستقطاب السياسي وزيادة معدلات الفقر وعدم المساواة بين فئات المجتمع. Inequality وزيادة الهوة بين الحد الأدنى والحد الأقصى للأجور وأن هناك المزيد من القيود التي تعيق التحركات الاجتماعية social mobility والكثير من الآثار السلبية الخارجية externalities المصاحبة للمشروعات العامة والمبادرات الاستثمارية الخاصة، وعدم العدالة في توزيع الثروات. أى أن السوق لا يصدق دائماً فى العمل وفقًا للنظرية التي تؤسس فقط على تطبيقات مبادئ نظام السوق أو ما يعرف بـmainstream economic وصولا لأفضل الأوضاع وأكثرها عدالة. وذلك خلافا للانطباع السائد stereotype إلى حد ما لدى بعض السياسيين والعامة، الذى تم إلصاقه بتخصص الاقتصاد economic provision وهو أن الاقتصاد دائما يقول بأن السوق دائماً يعمل بشكل صحيح وفقًا للنظرية وأن القيود دائما سيئة وأن الأموال يجب أن تنفق من قبل الأفراد بشكل خاص وأنه لا حاجة لتخصيص أموال عامةً على البنية التحتية أو التعليم وللخدمات العامة، وأن ذلك هو كل ما يدور حوله ويدعو إليه تخصص الاقتصاد.

لكن فى الحقيقة يعتبر هذا الأنطباع غير صحيح أو أن هذا كل ما يعنيه الاقتصاد ويهتم به ويقتصر عليه. فقد لوحظ أن الاقتصاد كتخصص خلال العقود الثلاتة الأخيرة قد عمل على اكتشاف وتفسير وفهم الكتير من التشوهات والمختنقات الحقيقية والوقوف على الكتير من الحقائق المصاحبة للمعاملات الاقتصادية وأن هناك آثارًا خارجية externalities لا توخذ في الاعتبار في بعض القرارات الاستثمارية التي تؤدي إلى بناء بعض المشروعات مثل مشروعات البنية التحتية، وأنه لا تتوفر معلومات كافية لدى المتعاملين وأن هناك تكاليف للصفقات التي يبرمها الأفراد فيما بينهم وأن المعلومات حول الاشعار والإنتاج وفرص الاستثمار لا تتوفر للجميع وعلى نحو مستمر.

كل ذلك يدعو إلى الحاجة لتوسيع دائرة البحث فى المشاكل الاقتصادية وإشراك أطراف أخرى يمكنها أن تتخذ إجراءات بشكل جماعي collective actions غير الأطراف التقليدية المتعاملة فى السوق، بحيت يمكنها التعامل مع مختلف المشكلات والمختنقات، وتعتبر الحكومة أحد هذه الأطراف المهمة، وهنا من المهم فهم قواعد التعامل بين الحكومة والأفراد وتحديد دور الحكومة ونطاق عملها واختصاصاتها بشكل واضح وكيفية تصميم الحكومة وهيكلها والعلاقة بين المؤسسات وأفراد المجتمع، وبهذا يمكن فهم كيف تنشأ العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع مما يساعد في تدليل الكتير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

ولكي تتحقق هذه الغاية من المهم أيضًا أن يلتقي أفراد من مختلف التخصصات المعنية ذات العلاقة لتبادل وجهات النظر والقناعات التي يحملها كل منهم وصولا لفهم مشترك لمختلف القضايا مهما اختلفت لوضع النموذج الاقتصادي الكفيل بتحقيق هدف الاقتصاد من أجل الرخاء الشامل.

يرى رواد مبادرة الاقتصاد من أجل الرخاء الشامل أنه يجدر البحت عن نموذج اقتصادي احتوائي يحقق النمو الاقتصادي الذي يشمل كل فئات المجتمع أو تطال نتائجه كافة أفراد المجتمع ويحقق الرخاء للجميع inclusive growth دون الإخلال بمبادئ الديمقراطية الليبرالية. “نموذج ينقل المجتمع من الواقع الذي تشوبه الكثير من العيوب والمشاكل الى واقع أفضل لا تشوبه نفس المشاكل التي نعانى منها اليوم”.

إن وظيفة الاقتصاد economic provision قادرة على المساهمة في إيجاد إطار عام شامل يفسر الظواهر الملاحظة اليوم من خلال تحليل النتائج الإمبريقية المرصودة واقتراح سياسات تمكن من الانتقال إلى واقع بديل أفضل من خلال إشراك أخرون quality thinking people من تخصصات أخرى مع تخصصات الاقتصاد الكلي و التمويل finance والمالية العامة public finance واقتصاديات العمل وعلم الاجتماع sociology والتفكير على نحو جماعى فى صياغة السياسات الاقتصادية بحيت تؤخد في الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية للسياسة الاقتصادية ومن ثم النظر في نتائج السياسات الاقتصادية المقترحة وإعادة مناقشتها مع مختلف الأطراف المعنية وتقويم نتائجها ومقارنتها ببيانات فعلية للتحقق من مصداقيتها وقدرتها على تحقيق أهدافها.

ومن هنا تأتي الدعوة إلى ضرورة تكامل دور القطاع الخاص ودور القطاع العام وتحديد دور كل منهما بشكل واضح من أجل أن يكون الاقتصاد لتحقيق الرخاء للجميع دون الإخلال بمعايير الكفاءة.

قد يعجبك ايضا