مذكرة التفاهم بين الرئاسي وتركيا .. جانب اقتصادي ولكن!

145

وقعت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، مذكرتي تفاهم مع الحكومة التركية؛ الأولى بشأن التعاون الاقتصادي ومحاولة إيجاد موطئ قدم في شرق المتوسط وفرض نوع من السيادة على المناطق البحرية، والثانية حول التعاون الأمني والعسكري بين البلدين.

القليل من المواطنين مقابل الغالبية العظمى التي تفاجأت بوجود حدود بحرية تربطهم بتركيا، في منطقة لاتزال حدودها البحرية غير مقسمة بين معظم الدول المطلة على شواطئ البلاد.

أثارت المذكرة حفيظة عدة أطراف خارجية لكنها أيضًا قوبلت برفض شديد من الداخل. وأضافت على الصعيد الدولي مزيدًا من التوتر حيث تنذر بدخول الصراع في منطقة شرق المتوسط بشأن الغاز والنفوذ إلى مساحة جديدة من المواجهات.

وضعت مذكرة التفاهم حكومة الوفاق في هذا الوقت تحديدًا مع تركيا في مواجهة مفتوحة ستخوضها هذه المرة مع جهات خارجية، هي قبرص واليونان ومصر واسرائيل. على الرغم من الموقف الصعب الذي تعيشه الحكومة في طرابلس مع استمرار المواجهة العسكرية ضد قوات الجيش التابع للبرلمان في طبرق.

يمثل الجانب العسكري من الاتفاقية الأكثر أهمية لدى حكومة الوفاق الوطني في محاولة إلى تلقي مزيد من الدعم اللازم الذي يمكنها من المحافظة على المنطقة الغربية للبقاء في اللعبة طويلاً. في مقابل الجانب الاقتصادي الذي يراه الأتراك أملهم الكبير في صراعهم على ثروات شرق المتوسط.

في مايو 2009، أعلنت ليبيا عن المنطقة الاقتصادية الخالصة لها. وقالت إنها متفتحة على عقد اتفاقيات دولية لترسيم الحدود البحرية. لكن منذ ذلك الوقت لم توقع أي اتفاقية جديدة.

وبناء على قانون البحار الإقليمية، الصادر في 18 فبراير 1959، فإن عرض المياه الإقليمية الليبية هو 12 ميل بحري. كما أعلنت منطقة حماية مصايد الأسماك بعرض 62 ميل، بداية من الحد الخارجي للبحار الإقليمية. وفي 1 أبريل 2005 أودعت إعلانها بالأمم المتحدة. وفي 27 مايو 2009، أعلن المؤتمر الشعبي العام (البرلمان) منطقة اقتصادية خالصة بالاتساق مع الاتفاقات الدولية الحاكمة وأودع الإعلان لدى الأمم المتحدة.

الانقسام يضع أطراف الصراع أمام تحدي خسارة المصالح الوطنية في البحر المتوسط

رغم ما سبق، يعتقد الكثيرون بأن البلاد الممزقة بين الشرق والغرب لا يمكنها عقد مذكرات التفاهم أو ما يشبه الاتفاقيات، خوفا من استغلالها وضياع مصالح الدولة في المتوسط. مع عدم امتلاك أي من الأطراف للشرعية اللازمة.

إضافة إلى ذلك، أدخلت اتفاقية “السراج” البلاد في مفترق طرق ليس حاسما كثيرا ولكنه مهم جدا في اختيار التحالفات المناسبة للدولة خاصة في المستقبل الذي ينذر بخطورة وضعها في المنافسة على ثروة المتوسط وداخليًا أيضًا من خلال الجانب العسكري للاتفاق.

منذ انقسام البلاد في العام 2014 بين حكومتين وبرلمانين في الشرق والغرب اختار كل منهما تحالفات إقليمة ودولية مختلفة أثرت على قراراتهما والتي انعكست في معظم الأحيان سلبيا على المصالح الوطنية في البلاد، كما هو الحال الآن.

بعد مرور أيام من إعلان حكومة الوفاق عن الاتفاق هرعت الحكومة المؤقتة والبرلمان في طبرق إلى رفض الاتفاقية. لكن لم يكن لدى سلطات الشرق سوى خيار واحد وهو الانضمام إلى دول اليونان ومصر الرافضة بشدة لهذا الاتفاق الذي يهدد مصالحهم القومية، في حال أرادت المنافسة وإدارة قضايا الدولة وهي التي تقول أنها تمثل الشرعية.

سيناريوهات المصالح الوطنية في شرق المتوسط مع تركيا ودول الحلف

يمثل اثنان من السيناريوهات التي يتوقع أن تحدث داخليًا ويمكنها أن توثر بشكل مباشرة على مصالح دولتنا في المتوسط. مع المذكرة أو مع دول الحلف إن صحت التسمية.

مع استمرار القتال جنوب العاصمة، ليس لدى تركيا وحكومة الوفاق سوى الفوز أو اتفاق سلام ينقذ الأخيرة من الهزيمة وينقذ معها الاتفاقية التي يراها جانب من المواطنين أنها الأفضل لمصالح البلاد.

في حالة فوز قوات الجيش التابع للبرلمان فإن مذكرة التفاهم البحرية الموقعة مع الأتراك ستذهب أدراج الرياح أو ستبقى في أدراج البرلمان التركي للأبد.

وقال خبير في قانون البحار فضل عدم ذكر اسمه لـ”صحيفة صدى الاقتصادية” إن فوز الأخيرة يعني ضرورة دخولها في مفاوضات غير متكافئة إلى حد كبير مع مصر واليونان لكنها تحتاج إلى مفاوض جيد للظفر بالقضية. ورغم ذلك، فإن سيناريو خسارة القضية أو الخروج بخفي حنين وارد جدًا، لكنه ليس مؤكد.

يوجد فرق واحد على الأقل بين الموقفين، فحكومة الوفاق على الرغم من ضعفها مقارنة بالدولة التركية لكنها تملك هامش مناورة كبير مع الأتراك الذين بدون الليبيين لن يستطيعوا مجاراة الحلف المقابل.

لكن في الجانب الأخر، تبقى الحكومة المؤقتة تحت ضغوط كبيرة واعتبارات مختلفة من الصعب أن تعمل من خلالها للحصول على مكاسب محققة وذات أهمية، مع ضرورة حصولها على مفاوض جيد مع تلك الدول.

الدخول في صراع كبير وحسابات مختلفة شرق المتوسط دون معرفة النتائج الاقتصادية

يقول المتخصص في مجال النفط والغاز محمد أحمد لـ”صحيفة صدى الاقتصادية”، إنه وحتى بعد الاتفاق مع الجانب التركي حول الحدود البحرية، لا يمكن لأي شركة عالمية أن تغامر بالاستكشاف أو الإنتاج في المنطقة التي لاتزال تشهد توتر متصاعد يعيق جهود البحث والتنقيب.

يشير عدم حديث المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس عن حقوق الدولة في شرق المتوسط إلى غياب رؤية واضحة حول ما إذا كانت هناك فرصة حقيقية للظفر بحقل غاز على أقل تقدير.

في شرق المتوسط تتواجد شركة النفط الإيطالية “ENI” والتي تعتبر من بين أكبر المستفدين من أحواض الغاز الموجودة هناك، عملاق الطاقة الإيطالية تسعى لإقامة مشروع خط للغاز يربط إسرائيل بأوروبا. يمكن للدولة استغلال قدر كبير من التعاون مع المؤسسة التي تملك أكبر حصة للشركات الأجنبية العاملة في البلاد والحصول على حصة جيدة.

وأضاف أحمد خلال حديثه بالقول: يبقى الصراع على الموارد أكبر مما يتصوره البعض، حيث لا توجد دلائل واضحة حول امتلاك ليبيا لكميات كبيرة من الغاز عبر الحقول القريبة من الحدود البحرية الجديدة.

تظهر الاتفاقية أيضا، أن الجانب الليبي لا يملك تفاصيل كبيرة حول الحصص المتوقعة من الغاز أو الآبار التي تتواجد بالقرب منه، والذي من شأنه أن يضعف الموقف الوطني في أي مفاوضات بالمستقبل.

مع كل ما سبق، يمكننا القول بأن القضية تحتاج إلى الكثير من الواقعية في التعامل. التواصل مع أطراف مختلفة تضمن الحصول على حصة كبيرة بحدود متفق عليها من الجميع، لكنه يحتاج إلى الوحدة الداخلية غير الموجودة في هذا الوقت.

رغم الجدل القائم تبقى مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا فاقدة للشرعية الدولية!

من جهة أخرى، قال المستشار الأمني في البحرية الليبية طارق شنبور إن مذكرة التفاهم الموقعة بين ليبيا وتركيا غير ملزمة التنفيذ، ومن غير المتوقع أن يصادق عليها من قبل الأمم المتحدة، لسبب بسيط وهي بأنها لا ترقى لمستوى المعاهدة أو الاتفاقية وفق القانون الدولي.

وأضاف شنبور في تصريح لـ”صحيفة صدى الاقتصادية” بأنه كان يجب على حكومة الوفاق طلب تشكيل لجنة مشتركة مختصة من البلدان المعنية جميعا لترسيم الحدود البحرية المشتركة والذي لم يحدث نتيجة ظروف مختلفة يعلمها الجميع.

يعتقد الكثيرون بأن الذي حدث هو إثارة للفوضى في المتوسط بسبب تفاهمات سياسية غير قانونية قام بها المجلس الرئاسي مع تركيا. القانون الدولي يفرض تشكيل لجان مختصة لترسيم الحدود البحرية والبرية والجوية.

من ناحية أخرى، البلدان المشتركة مع ليبيا وتركيا في الحدود البحرية قامت بالتحرك برفع دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية التابعة للأمم المتحدة ضد مذكرات التفاهم الأمنية والعسكرية والبحرية لذات السبب وهو مخالفتها للقانون الدولي.

في نهاية المطاف، يمكن لهذه المذكرة أن تعمل على صناعة أعداء متحدين ضد المصالح الوطنية في المتوسط والدخول في صراع يصعب الفوز من خلاله بحقوق مهمة.