خبير نفطي يكتب مقالاً عن الأخطاء الاقتصادية الشائعة

180

كتب: الخبير النفطي “محمد أحمد”

أود أن أتحدث قليلا عن بعض الأخطاء الاقتصادية الشائعة سواء في ليبيا أو في المنطقة العربية. هذه الأخطاء لا تنتشر بين الناس العاديين فقط بل هي أيضا على نطاق واسع بين النخبة السياسية والاقتصادية في هذه المجتمعات.

يرجع هذا في رأيي إلى عاملين أساسيين هما: الأول التأثر الشديد بإطارات فكرية اقتصادية براقة خارجة من العالم الصناعي المتقدم بدون تكييفه على واقعنا، أما الثاني يتعلق بصعوبة تغيير الثقافة في مجتمعاتنا، أما تلك المتوارثة أو تلك المعرفة بعد اكتسابها بسبب ضعف وسائل الإعلام المحلية التي تتخلف زمنيا وثقافيا على نقل الجديد إلى دوائرنا النخبوية المتقدمة إما بسبب ضعف الترجمة أو محدودية الاطلاع.

هذا يقود إلى تناقص معرفي جسيم يعمل على خلق استنتاجات خاطئة لظواهر اقتصادية أو حتى طبيعية مما يؤثر على السلوك البشري في مجتمعاتنا. ولا يمكن القول إن المجتمعات الصناعية المتقدمة تملك مناعة كاملة ضد هذه الظاهرة وإلا لم نكن لنرى كل هذا التخبط الاقتصادي داخلها ولكن ولأسباب واضحة جدا لا يمكن مقارنة مستوى المعالجة الفكرية للأخطاء عندهم بتلك التي تسود عندنا.

دعوني أعطي مثلا هنا عن قضية دور الضرائب في تطوير الاقتصاد. بينما يفترض أن تعمل الضريبة كما هو معروف على تثبيت استقرار المجتمع بفرض آلية كفؤة لعدالة توزيع ثروة المجتمع وفقا للجهد الإنساني المشروع في إضافة القيمة، إلا أن الأساس النظري للضريبة لا يعمل إلا في ظل نظام اقتصادي مغلق أي بمعنى أنه لا يمكن مع نقل عملية إضافة القيمة عبر الحدود أن يعمل النظام الضريبي بشكل كفؤ.

هنا يبرز الظلم وتضيق أوجه الإبداع الفردي في النظام ذا الضريبة الأعلى وهو ما يحدث تماما مع الاقتصاد الأوربي سواء داخله أم بتفاعله في محيطه الدولي. الدول ذات التحصيل الضريبي الأقل PIGS (البرتغال، إيطاليا، اليونان، اسبانيا) وربما يضاف إليهم تركيا أحيانا، تقوم في الواقع بمص موارد القيمة في الشمال الأوربي ذا التحصيل الضريبي المرتفع. خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي مهما جرى فلسفته بطريقة أو أخرى هو نتيجة لهذا الظلم والذي لا يود الشعب البريطاني الاستمرار فيه.

إذا مستوى الضريبة العالي بين أعضاء الاتحاد الأوربي واختلاف التحصيل الضريبي الناتج عن عوامل ثقافية أنانية ناتجة عن استنشاق هواء البحر المتوسط المثير لحب الحياة مقابل جدية أطلنطية ناتج عن استنشاق النسمة السيبرية هو مشكلة عميقة في الاقتصاد الأوربي والكل يعرفها فلا نسمة الحياة للبحر المتوسط ستتجمد ولا النسمة السيبرية المتجمدة بالثلج ستدفأ. من هنا نستغرب كيف للاتحاد الأوربي أن يتخلص من مثل هذه الثقافة التي لا تقود إلا لتراجع متزايد للقوة الاقتصادية الأوربية. اليابان كذلك تواجه نفس المأزق، والغريب في الأمر أنها تشارك أوربا نفس المأزق الثقافي في صعوبة تغيير الثقافة المكتسبة.

دعونا نتوقف هنا عن الغوص في أخطاء غيرنا وكيف يمكن لهم مواجهتها ونلتفت إلى أنفسنا لتشخيص الأخطاء الشائعة عندنا والتي لا يمكن لشخص أن يبرزها لترتد عليه موجة هجوم مضاد. مباشرة الأخطاء الشائعة لدينا هي:

الخطأ الأول: أن التنوع الاقتصادي بعيدا عن النفط هو حل لمشاكلنا

هذا الخطأ يبسط المشكلة الاقتصادية لدينا إلى حد السذاجة فيتصور الكثير أننا بمجرد أن نقوم بمشروع أو أثنين لا يعتمدان على النفط فإن دخلا مساويا تعويضيا سيتم الحصول عليه من هذه الأنشطة الجديدة، البعض يتكلم عن السياحة والآخر يتكلم على تجارة العبور وفي بعض الدول يتم الحديث عن الزراعة والتصنيع كبديل، وقد تتراجع آمال الواقعيين ليتحدثوا عن التجارة الالكترونية وتقديم بعض الخدمات. أقول لهم آسفا وبوضوح أن هذه النشاطات لن تشكل يوما ما بديلا عن النفط كقيمة إضافية لاقتصاداتنا، قد تقدم جزء صغير جدا تعويضيا عن دخل النفط بتكلفة عالية جدا ولكنها لن تحل محله. الأسباب واضحة: المنافسة العالمية حيث أن المنافسين القدامى في هذه الصناعات لا يمكن تصور منافستهم إلا في حدود يسيرة جدا، السياحة مثلا لنكون واقعيين هي ليست لعبتنا، يحتمل أن يكون هناك قطاع ضيق جدا من السوق السياحي مهتم بمواردنا السياحية ولكن هذا لن يعوضنا أبدا عن دخل النفط حتى لو تم فتح ملاهي ليلية في أماكننا المقدسة.

خطورة الموضوع هنا هو الإلحاح الذي يقوم به بعض من النخبة السياسية والاقتصادية لسحب موارد استثمارية من الصناعة النفطية لخلق مثل هذه البدائل المترنحة، المشكلة هنا أن سحب الموارد الاستثمارية من الصناعة النفطية التي تحتاجها بشدة للتوسع لن يدفع إلا لفقدان عوائد وطنية للشركات النفطية الأجنبية العملاقة التي ستقدم هذه الموارد الاستثمارية لتقتطع جزءا أكبر من كعكة العوائد النفطية.

وأتكلم هنا تحديدا على ليبيا التي ليس لها أمل في تطوير اقتصادها مستقبلا إلا بالاعتماد المتزايد على الصناعة النفطية وتطوير إنتاجها والتخفيف من نبرة التنوع الاقتصادي على الأقل في المدى المتوسط. إن أي تفكير خارج هذا الإطار اعتبره خطأ اقتصادي سيؤدي فقط إلى هدر المزيد من الموارد بدون نتيجة مرضية.

الخطأ الثاني: إن اقتصادنا يعاني من ظاهرة لعنة النفط ويتخبط بتأثير “الداء الهولندي”

هذا ما أعنيه تماما بالتأثر بإطارات فكرية براقة مستوردة من الغرب الصناعي. أقول مباشرة النفط لم يكن يوما لعنة على اقتصاداتنا ولن يكون في المستقبل. لا أعرف كيف يربط العديد من أعضاء النخبة لدينا مفهوم اللعنة بالنفط. من ناحية سياسية هم يتبعون الخط الفكري في الاقتصاد السياسي الذي يقول إن لعنة الموارد في مجتمع تسبب في ظهور نظام دكتاتوري يعمل كمنظم لعملية توزيع الثروة وهو ما يؤثر سلبا على التطور نحو الديمقراطية، وهو أمر أراه منافيا لحركة التاريخ فالفحم وهو مورد طبيعي لم يقود لمثل هذا التطور تاريخيا بل قاد إلى تحرر المجتمعات الغربية من دكتاتورية الملكية سواء في شقها اللويسي أو البونابرتي، ولم يكن لعنة على الإطلاق بل ساهم في إلغاء ظاهرة الرق وهي أكبر ظاهرة تعسفية استبدادية عرفتها البشرية. وبالرغم من أن الكثير من مفكري الغرب يربط بين ظهور النفط والديكتاتوريات في الشرق الأوسط إلا أن هذه مقاربة ظالمة، فسريان التاريخ يشير بوضوح إلى ارتفاع الروح التحررية في المنطقة نتيجة انتشار التعليم بعد عصور طويلة من الظلام وهذا يرجع في الكثير منه لفضل النفط كثروة جديدة على المنطقة، ولا يمكن أن تقاس حركة الشعوب نحو الحرية بنقطة فاصلة في التاريخ وجدت فيها نوع من الديكتاتورية لنتذكر مثلا أن أوربا احتاجت قرنيْن من الزمن وحروب لا أول لها ولا آخر لترسو على هذا المرفأ الديمقراطي.

تصور مثلا اختفاء النفط من المنطقة لترجع بعدها إلى عصور الظلم والجهل وربما الرق والعبودية. في فترة النفط ارتفع معدل العمر الافتراضي للسكان في ليبيا من 40 سنة ليصل إلى أكثر من 70 سنة وكذلك في الدول النفطية أو تلك المرتبطة مع الدول النفطية اقتصاديا بينما لا يزال العمر الافتراضي للسكان في دولة مثل النيجر مثلا والتي لا صلة بها بالاقتصاد النفطي أقل من 60 سنة. وكذلك نسب التعليم والرعاية الصحية والأمن الغذائي وغيرها التي تتضمنها قاعدة بيانات مؤشرات التنمية العالمية للبنك الدولي.

الافتراضات الخاطئة تقود إلى نتائج خاطئة، فافتراض أن وجود دكتاتوريات في المنطقة نابع من ظهور الثروة النفطية يقود إلى نتيجة خاطئة تماما في استنتاج لعنة سياسية وهمية للنفط. إن لعنة النفط هي بالمفهوم الغربي والذي تناوله الكثير من كتابهم في أديباتهم هو مفهوم “انتقال الثروة” Wealth Transfer الذي يعني أن المورد الطبيعي يظهر في مجتمع لم يتطور صناعيا من ناحية إضافة القيمة ليحصل على ثروة مفاجئة مصدرها المجتمعات المتقدمة صناعيا “كيف ينظر هاني شاكر مثلا إلي حسن شاكوش”.

أما موضوع الداء الهولندي فلا علاقة له بما يسمى باللعنة من ناحية عملية أو من ناحية فلسفية، الظاهرة الوحيدة للداء الهولندي في الدول النفطية هي تضخم جهاز الدولة وارتفاع الإنفاق الحكومي. هذا طبعا أبعد ما يكون عن اللعنة بل قد يكون في نظر البعض نعمة يستحقها أهل البلد كحق أساسي في ثروتهم التي تهدر في مصارف هم غير راضيين عنها. سيقفز الاقتصاديون هنا ليقولوا إن الإنفاق الحكومي خصوصا في المرتبات والدعم يحرم الاقتصاد من موارد استثمارية مهمة كان يمكن أن توظف في عملية التنمية في المجتمع. هذه جدلية صحيحة في العموم ولكن هذا سيعيدنا إلى مناقشة طاقة استيعاب الاقتصاد للمدخولات النفطية وما سمي يوما طاقة الامتصاص absorptive capacity of the economy، بصورة ملخصة تقول هذه النظرية إن العائدات النفطية إما أن يتم إهدارها في الاستهلاك محليا أو يتم استثمارها خارجيا لعدم وجود قدرة استثمار استيعابية في الدول المنتجة لعوامل بنيوية وهيكلية.

إذا الأمر ليس “داء هولندي” كما يحلو للبعض أن يصفه، الداء الهولندي هو لاقتصاد صناعي ناضج ذا قدرة استيعابية كبيرة للمورد الاستثماري بينما ما نملكه من اقتصاد لا يعدو كونه اقتصاد في مرحلة طفولية تحبو نحو النضوج. في موقف كهذا فإن الواقعية تملي علينا النظر في مستويات الإنتاج وليس في كيفية التصرف في العوائد. السعودية اليوم تنتج ما يقارب 10 مليون برميل يوميا وإذا ما فكرت من ناحية براغماتية يمكن أن تكتشف إنها لا تحتاج لأكثر من 5 مليون برميل يوميا. وهكذا لباقي الدول المنتجة بما فيها ليبيا. السؤال الذي يتكرر كثيرا لماذا نتنج النفط ونبيعه ومن ثم نخزن الفوائض المالية في البنوك الدولية ونبقى دائما تحت تهديد التجميد والمصادرة أثر كل حادث بسيط كان أم معقدا “كقضية مقتل الخاشجقي مثلا”.

الخطأ الثالث: إن التنمية المستدامة هي واجب الشركات الدولية تجاه الاقتصاد المحلي

كلما أقرأ عن التنمية المستدامة في الكثير من أديباتنا الاقتصادية أرى كم هي ضحلة مفاهيمنا. كنت قد كتبت في مناسبة ماضية عن التفريق بين مفهوم التنمية الاقتصادية من ناحية ومفهوم التنمية المستدامة من ناحية أخرى. التنمية الاقتصادية هي عملية تسريع لما قد يكون نموا طبيعيا أو كسادا طبيعيا غير ذلك. الطبيعة الصناعية التدخلية the nature of artificial interventional يرتب انقطاعات في مسيرة النمو نتيجة انعكاسات الإحماء over-heating الخارج عن السيطرة للاقتصاديات. من هنا يأتي مفهوم التنمية المستدامة وهي تعني تحديدا الإجراءات الحكومية التي تتخذها دولة معينة للتضحية عمدا بمنافع قصيرة الأجل بهدف عدم حدوث انقطاع في العملية التنموية مستقبلا. إذا حقيقة فالتنمية المستدامة هي ليست صرف بل ترشيد للصرف وهي ليست تمويل بل توجيه للتمويل الحكومي وهي ليست إجراء تحسن فيه الشركات العالمية أو المحلية على المجتمعات المحلية بل هي إجراء ينظم العلاقة بين المجتمعات المحلية وجشع الشركات العالمية.