“الصلح”: عطفاً على برقية المصرف المركزي .. هذه هي المتطلبات الأساسية لمعالجة الأزمة الحالية

97

كتب: الخبير الاقتصادي د.علي الصلح

على خلاف ما يحدث اليوم فإن حالة الانكماش العالمية تمثل عنصراً من عناصر التهديد، حيث أن معظم التقارير يصدرها خبراء الاقتصاد تركز على تغيير معدل الفائدة أو التضخم من خلال نظام اقتصادي أو إجمالي لناتج محلي لأي دولة أو الأخبار التى تتعلق بالركود أو أى ازدهار اقتصادي كبير أو رسالة وزير الاقتصاد أو مالية خلال مناقشة بنود الميزانية.

وعلى ذلك فإن القصص التى تركز على الأحوال المالية للدولة أو حول الآثار التى تترتب عليها فرض الضرائب أو الإجراءات الحكومية المتعلقة بحياة الأفراد اليومية هي موضوع أساسي من خلال النظر إلى الأمر من أسفل إلى أعلى، وعطفا على البرقية التى تتناول إشارة مهمة جداً وهي: الكتاب المتداول في بعض وسائل الإعلام، والذي لم يستلم المصرف المركزي نسخة رسمية منه.

وفي اعتقادي أن هذه الإشارة تبرز غياب أهم المعايير الإدارية والاقتصادية والقانونية للممارسات الاقتصادية في ظل أزمة عالمية وأزمة داخلية، ولتحقيق الهدف من هذا التحليل لابد من الإشارة إلى أبرز المصطلحات الاقتصادية الواردة بالبرقية المنشورة التى- يعتبرها المصرف المركزي – من المتطلبات الأساسية كالتالي:

أولاً: لا يعني تعبير الاستقلالية، استقلال المصرف المركزي حرفياً عن الحكومة، فالمصرف المركزي مؤسسة حكومية تعمل ضمن الإطار المؤسسي للدولة، ولكن المعنى هو أن تكون قرارات المصرف المركزي خاصة ما يتعلق بإدارة السياسة النقدية تتم بدون أى تدخل من قبل الحكومة بشرط أن تتسق هذه القرارات مع السياسة الاقتصادية للدولة وهناك أشكال متعددة للاستقلالية منها الاستقلالية القانونية والاستقلالية الفعلية واستقلالية الهدف واستقلالية الأداة، وكنتيجة عامة يقصد بالاستقلالية استخدام أدوات السياسة النقدية لتحقيق الأهداف التى تحددها الحكومة أو يشترك في تحديدها مع الحكومة.

ثانياً: إن الاستدامة المالية تقتضي عدم تراكم عجز الموازنة العامة حتى لا تضطر الدولة إلى إعادة هيكلية وترتيب أولويات الإنفاق وآليات تمويل العجز في المستقبل من أجل تمويل أعباء مديونيتها.

ثالثاً: الحد من مشكلة الهيمنة المالية على القرار الاقتصادي، لاسيما في حالة ارتفاع واستمرار العجز في الموازنة العامة للدولة، مما يدفع المصرف المركزي إلى اتخاذ بعض الإجراءات مثل زيادة الإصدار النقدي، وهذا يؤدي إلى الفشل في تحقيق استهداف معدل التضخم، لأن سياسة الإصدار النقدي تتعرض مع هدف السياسة النقدية وشروط استقرار الأسعار.

التشخيص والحلول: ولتوضيح أهمية وضروة التأكد من التحديد الواضح للدور الذي يجب أن تلعبه السياسة الاقتصادية في الأزمة الحالية يجب علينا أن نفرق بين السياسة الاقتصادية كوسيلة أو كهدف، فالاقتصاد الليبي اليوم يعاني من التضخم الركودي وتفاقم عجز الموازنة وعجز ميزان المدفوعات، بالإضافة إلى ارتفاع معدل البطالة.

فإذا أردنا معالجة هذا الموقف في ظل الظروف الحالية فإن التفكير الحكيم يقضي بأن تتجاهل الحكومة ما يظهر من عجز في الميزانية، وتركز اهتمامها على السعي فقط إلى استعادة مستوى التشغيل الكامل.

أما إذا وضعت الحكومة نصب عينها موازنة الميزانية أو المحافظة على الاستدامة المالية (تقليل نسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي عند 3%) أو (المحافظة على نسبة الديْن العام المحلي إلى الناتج المحلي الإجمالي عند 60%)، كهدف تسعى دائماً إلي تحقيقه، فإن معنى ذلك أنها سوف تلجأ إلى اتباع عكس الإجراءات المالية السابقة تماماً، أى رفع معدل الضرائب أو خفض الإنفاق العام كوسيلة، أو كل من هذيْن الإجراءيْن.

ولاشك أن النتيجة التى انتهينا إليها متوقفة على تحقيق الفرض بأن الإنفاق العام يحقق النمو الاقتصادي، وبالتالي المحافظة على الاستقرار الاقتصادي، ولما بدت الحاجة إلى قيام الدولة برد فعل لمحاولة استعادة توازن الاقتصاد، وبالتالي التأثير المستمر على رفع النمو الاقتصادي يساهم في تخفيض التضخم الركودي ويخلق المزيد من الاستقرار النقدي، وذلك بقبول عجز الموازنة (عجز الميزانية) وإعادة ضريبة الدخل التي تعتبر أداة استقرار تلقائية.

وعلى الجانب الآخر يعني شرط التوازن التى تستوجب التخلي عن سياسة توازن الميزانية، تمكن الدولة الليبية من المحافظة على مستوى التشغيل الكامل، فإن ذلك يعني في نفس الوقت أن القطاع الخاص يحقق فائضاً في الادخار على الاستثمار.

وهنا، إذا لم يتم اقتراض هذا الفائض عن طريق القطاع الخاص لاستثماره، يصبح لزاما على الدولة أن تكون مستعدة أن تقوم هي بهذا الدور، فإن النتيجة النهائية هي أن يصبح الإنفاق العام أقل من الإنتاج. ومن ثم يستطيع الجميع أن يتعرف على حقيقة الإنفاق الاستهلاكي الذي يعمل على تحريك عجلة الاقتصاد في ليبيا.