حبارات يكتب مقالاً عن أسباب ونتائج فشل برنامج الإصلاح الاقتصادي

62

كتب: الخبير الاقتصادي “نور الدين حبارات”

عادةً ما تقر حكومات الدول النامية وتبعاً للظروف والأزمات الاقتصادية التي تمر بها برامجًا للإصلاح الاقتصادي وذلك بهدف إصلاح الاختلالات والتشوهات في المالية العامة وفي ميزان المدفوعات أو في الاقتصاد ككل وهذه البرامج في حقيقتها ما هي إلا حزمة أو رزنامة من التدابير والسياسات الاقتصادية على كافة مساراتها فضلاً عن التدابير المتعلقة بتحسين بيئة الاسثتمار المحلي والأجنبي من خلال تطوير القطاعات العامة وتشجيع القطاع الخاص وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية وإعادة هيكلة الجهاز الإداري إلى جانب مكافحة الفساد وتكريس مبادئ الإفصاح والشفافية والمساءلة.

و بالتأكيد قبل أن تقر تلك الإصلاحات تشخص الحكومات التشوهات و الإختلالات جيداً و توضح أسبابها و آليات طرق معالجتها و تحدد مسبقاً النسب و المعدلات المستهدفة من المؤشرات الإقتصادية مع إلتزامها بإجراء التقييم الدوري لها للتأكد من مدى تحقيقها لتلك المستهدفات من عدمها مع بيان أسباب ذلك و إجراء التصحيح اللازم في حينه.

و غالباً ما ثتمتل تلك المستهدفات في إقرار إجراءات تقشفية بهدف ضبط الإنفاق العام و تقليصه و تركيزه على الإنفاق التنموي أو الإسثتماري على حساب الإنفاق الإداري و ذلك بما يسهم في تحسين الخدمات و خلق الوظائف و تقليص العجز في الميزانية العامة و للحد من الدين العام إلى جانب تنشيط و تنويع الإيرادات عبر فرض المزيد من الضرائب و الرسوم الجمركية و رسوم الخدمات و تفعيل فوائض شركات القطاع العام و الصناديق السيادية و هذا على صعيد السياسة المالية أما على صعيد السياسة النقدية فإن تقليص العجز في ميزان المدفوعات و دعم العملة المحلية من خلال دعم و تنويع الصادرات و تقليص المعروض النقدي و تنمية الإحتياطي الأجنبي و لو أضطرها الإقتراض من الخارج في حين تبقى إجراءات فرض أو زيادة الرسوم الجمركية على الواردات من السلع الكمالية أو غير الضرورية بهدف تقليص فاتورة الإستيراد و حماية الإنتاج المحلي و إعفاء أو تخفيض رسوم التصدير من أهم أدوات السياسة التجارية .

و في سبيل تحقيق تلك الإصلاحات أو المستهدفات فإن الحكومات غالباً ما تواجه رفضاً و إحتجاجات شعبية عارمة تصل إلى حد الإطاحة بها و لعل ما أل اليه مؤخراً حال حكومتي الحريري و عادل عبدالمهدي في لبنان و العراق لخير دليل على ذلك، و لكن في ليبيا فإن الأمر مختلف تماماً فالإصلاح الإقتصادي يبدو إن له مفهوم و مضمون مغاير جداً كما سنرى فيما بعد .

و بما إن برنامج الإصلاح الإقتصادي الليبي قد آقر في الربع الأخير من 2018 م فإن تقييمنا سيرتكز على قياس المستهدف من تلك المؤشرات عن العام 2019 م مقارنةً بالعام 2018 م و التي ثمتل أبرزها في :

بلغ الإنفاق العام خلال العام 2018 م 40،5 مليار دينار في حين قارب في 2019 م من 46 مليار دينار (لا يتضمن هذا الرقم الإنفاق من قبل الحكومة في شرق البلاد ) و في المقابل تراجعت الإيرادات النفطية و السيادية من 35،900 مليار دينار في 2018 م إلى 33،900 دينار في 2019 م مع ملاحظة إن الإيرادات السيادية من ضرائب و جمارك ورسوم خدمات و فائض شركات عامة لم تبلغ حتى 0/060 من مستهدفاتها ما يعكس عدم إتخاد الحكومة لأي إجراءات لتفعيل أليات الجباية و التحصيل كما لم تتخد من جانب أخر أي إجراءات من شأنها رفع و زيادة الانتاج النفطي و إعادته لسابق مستوياته و تعويض النقص في الإيرادات النفطية جراء انخفاض الأسعار و هذا بالطبع أدى إلى تزايد العجز في الميزانية حيث بلغ هذا العجز في 2018 م قرابة 4،600 مليار دينار في حين قارب في 2019 م من 12 مليار دينار تم تغطيته من خلال إيرادات الرسم أو الضريبة على مبيعات النقد الأجنبي التي كان يفترض إستخدامها في إطفاء الدين العام و بالتأكيد أدى تزايد الإنفاق العام و عدم إطفاء الدين العام الى تزايد المعروض النقدي و الذي أدى بدوره إلى زيادة الإستهلاك و الطلب على السلع و الخدمات و التي أرتفعت أسعارها اليوم بشكل واضح بمجرد شح المعروض من النقد الأجنبي جرا ء توقف تصدير النفط .

بلغ الإنفاق التنموي أو الإسثتماري خلال العام 2018 م ما قيمته 3،400 مليار دينار و بما نسبته 0/011 من إجمالي الإنفاق العام في حين بلغ في 2019 م ما قيمته 4،600 مليار دينار و بما نسبته 0/010 من أجمالي الإنفاق مع ملاحظة إن بإسثتناء المبالغ المخصصة للمؤسسة الوطنية للنفط بهدف إصلاح المنشاءات النفطية و زيادة قدراتها الإنتاجية فإن أغلب باقي تلك المبالغ تصرف عادةً على إنشاء و شراء المقار الإدارية و السيارات و على مستخلصات أعمال لمشروعات على الورق لا على الأرض ، و في المقابل تزايد الإنفاق الإداري بشقيه المرتبات و الإنفاق التسييري من 29،300 مليار دينار خلال 2018 م إلى قرابة 34 مليار دينار خلال العام 2019 م ما نسبته 0/030 من هذا المبلغ أنفق أغلبه على الإيجارات و الثأثيت و السفر و العهد المالية و الإقامة في الفنادق و غبرها و هذه النفقات لا علاقة لها بالتنمية و لا اثار إقتصادية و إجتماعية لها على حياة المواطنين و هذا بالتأكيد مؤشر سلبي خطير يعكس إنعدام التنمية و تدهور الخدمات الأساسية و تفاقم معاناة المواطنين و سبب في ما نعيشه اليوم .

بلغ حجم المعروض النقدي خلال العام 2018 م ما قيمته 112.955 مليار دينار منها 34,732 مليار دينار خارج النظام المصرفي و بقى المعروض على هذا الحجم تقريباً خلال 2019 م و لم تتخد الحكومة أي إجراءات لإمتصاص جزء من هذا المعروض رغم اثاره السيئة على الأسعار و ذلك من خلال تقليص الإنفاق و تفعيل أليات الجباية لإيرادات الضرائب و الجمارك و الرسوم كما إن المركزي أيضا من جانبه لم يتخذ إجراءات من خلال أدوات السياسة النقدية للحد من هذا المعروض فسعر الفائدة معطل بموجب القانون رقم (1) لسنة 2013 م بشأن منع الفوائد الربوية و سياسة السوق المفتوح عبر إستخدام أدوات الدين العام (أذونات الخزانة و سنداتها ) غير مجدية فالعجز في الميزانية العامة مزمن و ليس مؤقت و الدين العام متراكم و متنامي.

أظهر ميزان المدفوعات فائض في نهاية 2018 م قدره 5،400 مليار دولار في حين سجل عجزاً قدره 2،111 مليار دولار في نهاية 2019 م و ذلك بسبب إنخفاض الصادرات النفطية التي تراجعت من 24،590 مليار دولار في 2018 م إلى 22،490 مليار دولار في 2019 م و في المقابل تزايدت الواردات و الحوالات الخارجية من 19،131 مليار دولار في 2018 م إلى 24،601 مليار دولار في 2019 م و لم تتخد الحكومة أي إجراءات لدعم الصادرات النفطية بإعتبارها المصدر الوحيد للنقد الأجنبي كما لم تسعى لإيجاد مورد بديل له و لم تحد أيضاً من فاتورة الأستيراد الذي تزايد كما لم تقلص الإنفاق الخارجي المتعلق بالسفارات و الدراسة و التدريب بالخارج ، و بالتأكيد تبعات ذلك إنعكست اليوم سلباً خاصةً في ظل توقف تصدير النفط على رصيد الإحتياطي الأجنبي الذي أصبح في تراجع مستمر بسبب تنامي العجز في ميزان المدفوعات ما أدى إلى إرتفاع سعر الدولار في السوق الموازي و ارتفاع الأسعار و تفاقم أزمة السيولة و ذلك بعد أن تم إعتماد بيع النقد الأجنبي كوسيلة وحيدة لمعالجتها .

كما إن هناك مؤشرات سلبية أخرى لا تتوفر بيانات رسمية بشأنها كمعدل نمو الناتج المحلي و نسبته إلى الدين العام و معدلات البطالة و التضخم أو أسعار المستهلكين التي تراجعت في 2019 م مقارنةً ب 2018م قبل أن تعود اليوم إلى سابق معدلاته
و الحقيقة هي إن التراجع الواضح في تلك المؤشرات ما هو إلا نتائج حتمية لأسباب عدة كانت وراء فشل برنامج الإصلاح الإقتصادي و إنهياره لعل أبرزها.

  • 1- إرتكاز البرنامج و إختزاله فقط في الضريبة على مبيعات النقد الأجنبي دون تفعيل التدابير الأخرى المرافقة له.
  • 2- إستخدام عائدات الضريبة في تمويل العجز في الميزانية بدلاً من إستخدامها في إطفاء الدين العام و في خلق تنمية حقيقية.
  • 3- فرض الضريبة بشكل غير مباشر على كافة المواطنين دون مراعاة لمقدرتهم المالية حيث طالت هذه الضريبة حتى محدودي الدخل و هم الأغلبية الساحقة بإعتبار البلاد توفر كافة إحتياجاتها من خلال النقد الأجنبي ما أدى إلى تأكل دخولهم و إستنزاف مدخراتهم و أصبحت المطالبة بزيادة المرتبات مبررة و مشروعة.
  • 4-إعتماد أكثر من سعر صرف للدينار مقابل الدولار حيث سعر 1.40 و سعر 3،90 و هذا له أثاره و تداعياته السيئة.
  • 5- عدم وضع الحكومة مسبقاً مستهدفاتً لها من المؤشرات الإقتصادية و العمل على تحقيقها فضلاً عن عدم إجراءها للتقييم الدوري للبرنامج كل ربع سنوي للوقوف على للإنحرافات و مسبباتها و معالجتها في حينها.
  • 6- عدم وضع الحكومة لخطط بديلة في حال تراجع إيرادات النفط ليس بسبب الإقفالات فحسب بل بسبب إحتمالية إنزلاق الإقتصاد العالمي في دائرة الركود لأي سبب كان .
  • عدم إتخاد الحكومة لأي إجراءات و تدابير لمكافحة الفساد الذي يضرب أطنابه في مؤسساتها و عدم إلتزامها بمبادئ الإفصاح و الشفافية خاصةً فيما يتعلق بأوجه التصرف في عوائد الضريبة و حجم الدين العام و مصادر تمويله و أوجه إستخدامه .
  • أخيراً إذا كان من الغريب إقرار برنامج للإصلاح الإقتصادي و توقع نجاحه في بلد تعيش أزمة سياسية و مؤسساتها منقسمة على مصرعيها فإن الأغرب هو كيف يقر هذا البرنامج في بلد إقتصادها ريعي مصدره النفط و هذا المصدر اليوم محدود جداً و يرتكز هذا الإصلاح فقط على إستنزاف النقد الأجنبي و تصديره مجاناً و لم تدرك هده الحكومة بعد إن لب الأزمات الإقتصادية التي تعيشها لبنان و سوريا و العراق و السودان و غيرهم هو نتيجة إنهيار عملاتها المحلية أمام الدولار بسبب ماذا ؟ بسبب هبوط إيرادتها و إحتياطياتها من النقد الأجنبي.