قراءة لدراسة بعنوان تغير دور الدولة في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد COVID-19 “الجزء الثالث”

58

كتب: د. عبدالله ونيس الترهوني – أخصائي اقتصاديات النقل

تناولت في الجزئين الأول والثاني من المقال وفي أسطر معدودة مُحتوى دراسة بعنوان تغير دور الدولة في ظل جائحة فيروس كورونا المستجد COVID-19، وسوف أتناول وفي جزئين رأيي الشخصي في دور الدول وآداء الاقتصاد العالمي مابعد الجائحة مع الاستعانة ببعض الدراسات العالمية في هذا الجانب، فكما يعلم الجميع بأن جائحة كورونا في ظاهرها هي صحية ولها خطر على صحة وبقاء الجنس البشري على هذا الكوكب، وأن الإستهتار من البعض هو الذي حولها من وباء إلى جائحة، وفي كل الأحوال لازالت هذه الجائحة حتى الآن أقل فتكاً من الإنفلونزا الإسبانية التي فتكت بنحو 50 مليون إنسان قبل قرن من الزمان، وأقل فتكاً حتى من إنفلونزا هونغ كونغ التي فتكت بمليون إنسان قبل نحو نصف قرن من الزمان، أي أننا أمام جائحة تضرب الجهاز التنفسي للإنسان مرتين في القرن على الرغم من إختلاف المُسمى ونوع الفيروس أو الميكروب المسبب لها، ولكن تظل في باطنها هي ظاهرة لها تبعيات وتأثيرات على كل جوانب الحياة وفي كل دول العالم دون إستثناء، بل وستظل الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي ستخلفها الجائحة الحالية فور القضاء عليها أو إكتشاف مصل مضاد لها أكثر بكثير مما يتصوره البعض، ولنأخذ على سبيل المثال مشكلة الغذاء في المنطقة العربية، فبحسب دراسة حديثة منشورة للاسكوا ESCWA، فإن المنطقة العربية شهدت نقصاً في الغذاء على مدار أشهر بسبب أن سلاسل إنتاج الغذاء العالمية وتوريدها ونقلها وتوزيعها قد تأثر سلباً بالجائحة، على الرغم من أن نشاط النقل البحري العالمي لم يتوقف بسبب الجائحة، فدول المنطقة العربية بحسب دراسة الاسكوا تسـتورد 65% من حاجتها للقمح، وأنها تنفق ما مجموعه 110 مليار دولار على وارداتها الغذائية سنوياً، وهذا بدوره سيؤثر على أمنها الغذائي وبالأخص الدول التي تعتمد بالكامل على الإستيراد في تلبية حاجاتها، وبالتالي فإن الضرورة تُحتم على حكومات دول المنطقة تركيز سياساتها على ضمان استمرار الإنتاج الزراعي وزيادته بداخل دولها لأجل سد النقص المحتمل في الغذاء، كما يجب أن تشمل هذه السياسات أيضاً تحسين القدرة على تقديم قروض للمزارعين بهدف تحفيز الإنتاج الزراعي المحلى، وزيادة مساحات الأراضي العامة المستأجرة للمزارعين، ودعم صغار منتجي الأغذية وتزويدهم بالبذور والمبيدات والسماد العضوي وأنظمة الري، وتشجيعهم على تربية الماشية والدواجن، مع ضرورة التركيز على إنتاج المحاصيل الموسمية ذات الدورة الزراعية قصيرة الأجل وبأسعار معقولة، في حين أوضح البنك الدولي أن بلدان منطقة الشرق الاوسط تنفق في المتوسط 7% من موازناتها الحكومية على قطاع الصحة وهي نسبة متدنية بكل تأكيد.

على الرغم من تنوع الأسباب بين الطبيعية منها وغير الطبيعية إلا أن الحروب والأوبئة هما أكثر الأسباب التي رسمت خارطة العالم منذ الأزل وحتى اليوم، ولنعود بالزمن 100 عام إلى الوراء وبالتحديد إلى العام 1918 عندما ظهرت ثم تفشت الإنفلونزا الإسبانية ثم تلاها الكساد الكبير الذي ظهر في نهاية العام 1929 والذي لم يفيق منه العالم إلا على أصوات المدافع والطائرات في حرب عالمية مدمرة، والتي بدورها أعادت تشكيل العالم وعملت على تحفيز الاقتصاد العالمي بل وتوزيع سكانه، هذا من جهة، وظهور حكومة مركزية تحكم العالم يقودها من أنتصر في تلك الحرب أو ما يعرف بهيئة الامم المتحدة، وظهور المؤسسات الاقتصادية الكبرى المتمثلة في صندوق النقد والبنك الدوليين من جهة أخرى، ولكن مع ظهور فيروس كورونا مطلع العام 2020 وعودة مفهوم الدولة القومية المنكفأة على نفسها ضمن حدودها الوطنية، وعودة الحمائية التجارية فإن العولمة بمفهومها الحالي قد أخذت في التغير ومدها في الإنحسار، وما الرسوم التي فرضتها الولايات المتحدة على الواردات الصينية، وشروع الاتحاد الأوروبي هو الآخر في فرض رسوم على بعض الواردات من خارجه إلا دليلاً على تغير مفهوم العولمة والحرية التجارية، وهذا يقودنا بالضرورة لإيجاد نوع جديد من العلاقات بين الشعوب والتي تقتضي بأن تكون أكثر عدلاً وإنسانية مما هي عليه الآن، وأنه ليست هناك حاجة أو ضرورة لحكومة مركزية يقودها الأقوياء لتحكم كل البشر، وما يدفع أكثر في هذا الاتجاه هو ظهور الثورة الصناعية الرابعة التي دفعت أكثر في إتجاه تكريس الأمن القومي، على الرغم من كونها ثورة علمية وتكنولوجية تعتمد على الذكاء الصناعي وعلى الأجهزة الرقمية والإنترنت، ولا علاقة لها بالسياسة لا من قريب ولا من بعيد.

كل خبراء الاقتصاد حول العالم يؤكدون أن العالم يعيش حالة تغير، وأن ما يواجهه الاقتصاد العالمي الآن هو شئ غير مسبوق والمتمثل في حالة من عدم اليقين لأننا نعيش في حالة ضبابية، وبعبارة أوضح فلا أحد يعرف حجم المشكلة ولا موعد إنتهاء الجائحة، وبالتالي يتوجب العمل وفق مناهج مختلفة وغير تقليدية، مع التركيز على بناء روح المبادرة والاعتماد على عناصر الإنتاج الأكثر قيمة، وضرورة التحلي بالجرأة عند صناعة القرار، والاعتماد على التكنولوجيا الجديدة، في حين رأي البعض أن الآثار السلبية التي ستخلفها جائحة فيروس كورونا تشمل زيادة نسب الفقر والبطالة، والانخفاض الشديد في العولمة الاقتصادية، والاتجاه إلى الاعتماد الذاتي للدول، وتقوية سلاسل التوريد المحلية على حساب العالمية، هذا إلى جانب توقعات بإرتفاع وتيرة الحروب التكنولوجية والتجارية واللوجستية، والمخاوف من الديكتاتورية الرقمية والتي نعني بها إزدياد الرقابة الرقمية على الأفراد من جانب الحكومات والرقابة علي حرية التنقل، بالإضافة إلى تفاقم أزمة الديون العالمية، وتوقعات بتنامي الاضطرابات بالتوازي مع ضعف أداء جميع المؤسسات الدولية والأقليمية أمام الأزمة الراهنة، والذي يتطلب إعادة لهيكلة بعض المنظمات الدولية ومن بينها منظمة الصحة العالمية، ومع توقعات بسباق تسلح عالمي بالاستعانة بأدوات الجيلين الرابع والخامس للحروب، في حين يرى البعض الآخر أن تفشي فيروس كورونا أدى إلى ظهور نتائج كارثية قد تزداد (تتعاظم) بمرور الوقت كضعف الاستثمار، وخنق معدل الإنتاجية العالمي نتيجة ضعف العرض والطلب، وإنتشار البطالة وتآكل رأس المال البشري للدول، وإنهيار التجارة العالمية وسلاسل التوريد العالمية، وتراجع أسعار الطاقة والمعادن.

يتبع…

رابط الجزئين الأول والثاني من المقال: