الشحومي يكتب: النزعة التدميرية الاقتصادية

119

كتب: الدكتور والخبير الاقتصادي “سليمان الشحومي”

يشير فروم صاحب نظرية النزعة التدميرية إلى أن الغريزة التدميرية لدى الإنسان تقود إلى أشد أنواع العدوان الهجومي تطرفا وتدميرية وهو قد يكون بهدف الإبادة وليس الاعتداء فقط، وهو يفرق بين السلوك العدواني لدى الحيوان والسلوك العدواني لدى البشر الذي قد يكون أشرس لدى الإنسان من الحيوان بسبب وجود الغريزة التدميرية ويؤكد فروم مثلاً بأن كل أشكال العنف عند الحيوان تهدف إلى فرض السيطرة والانفراد بالزعامة أو إشباع الحاجة البيولوجية أو الغريزية، لكنها لا تهدف إلى التدمير الممنهج والمقصود.

هذه الغريزة التدميرية يقوم بها دون أن يدرك أنه يقوم بعملية التدمير بل قد يحاول إقناع الآخرين أنه يدافع عن حقوقهم المسلوبة، وفي تقديري أن هذه الحالة السلوكية البشرية التدميرية تمتد عن غير قصد ربما لتدمير كل شي.

هذا أيها السادة تماما ما يحدث في ليبيا وأهلها وفي اقتصادها، فالنظام المصرفي تغلغلت به هذه الغريزة التدميرية فأخرج البنك المركزي من أهم وأخطر دور كان ممكن أن يلعبه لإعادة الاستقرار وسخرت موارده تحت تصرف نزعات شخصية وأهمل الإطار القانوني والمصرفي والقي بدور البنك المركزي في تحقيق الاستقرار النقدي والحفاظ علي سلامة النظام المصرفي على قارعة طريق التدمير الذاتي، هذه الغريزة التدميرية جعلت البنك المركزي منقسم وأوجدت نظام مصرفي مشلول غير قادر على الحركة و تحريك الاستثمار أو خلق المبادرات الاقتصادية.

كما أن الغريزة التدميرية هذه تعرض لها النظام التجاري والاستثماري والتمويلي عبر التخبط التنظيمي وعشوائية القرارات سواء على مستوي وزراء و وزارات تعمل كجزر منعزلة، تلك الوزرات المعنية بالشأن الاقتصادي مارست الغريزة التدميرية بقصد الدفاع عن مواقف شخصية او تحقيقا لرغبة أطراف معينة، وزادت من شراسة نزعة التدمير ما حصل من انقسام في كافة المؤسسات العاملة وحتي التي تعمل تحت حكومة واحدة، ولكن كما يقال فاقد الشيء لا يعطيه، وكان للفساد المنظم والمؤسس علي شعارات مصالحة الشعب الغلبان بحجة توفير الكهرباء والوقود والدواء والخبز أكثر وأخطر تأثير لغريزة التدمير الذاتي بالاقتصاد الليبي.

واليوم نري صراع النفط وأزمة إغلاق الحقول يقود لترسيخ فكرة تقسيم الموارد النفطية وإدارتها دوليا، ولكن حتي وإن كان ذلك يلقي قبول لدي طيف واسع من الليبين، سيحمل نزعة تدميرية وسيعمق الصراع أكثر وسنري تواجه طرف إلى البحث عن موارد بطرق أخرى بحجة الإصلاح لتمويل ميزانيته.

وفي ظل هذا الواقع والمشهد الاقتصادي المتردي يستمر استخدام الغريزة التدميرية بشكل بارع وتحت حجة إصلاح الاقتصاد ومعالجة ملفات اقتصادية بشكل منعزل عن باقي الملفات الاقتصادية الأخرى، فالاصلاح الاقتصادي مشروع مترابط ولا يجوز تجزئته او بنائه علي وضع غير مستقر ومتغير و مرتبك سياسيا وإداريا وقانونيا بحجة مصلحة المواطن الذي سحقته النزعة التدميرية من كل أطراف المشهد.

لا يمكن أن نغفل أن الصراع علي السلطة و الثروة هو المحرك الأساسي للنزعة التدميرية ولا يمكن أن نغفل أن إعادة بناء مؤسسات الدولة هو المطلب الأساسي والذي يمكن أن نبني علي قواعده أي برامج إصلاح وتنمية اقتصادية.