الشحومي يكتب “اقتصاد الرعاع والرعية”

84

كتب: الخبير الاقتصادي “سليمان الشحومي”

ليبيا أكبر ساحل على المتوسط والأغنى بالنفط والغاز، ليبيا تحتل المركز 16 على مستوى العالم من حيث المساحة، الترتيب التاسع عالميا في احتياطي النفط والخامس عالميا في النفط الصخري، وثاني أكبر مخزون احتياطي من الذهب بأفريقيا والرابعة والعشرون عالميا، ليبيا العمق المنفذ الافريقي الأوسع على أوروبا وأقرب مصادر الطاقة النفطية الغازية والشمسية.

ليبيا الشعب الأصغر عددًا في كل حوض البحر المتوسط، والاغنى بالموارد الطبيعية، ليس من باب الصدفة أن تساق البلاد بهذا الشكل لصراع دولي تحت رايات مختلفة.

ليبيا البلد الغني جدا من حيث الموارد الطبيعية ولكن جلها غير مستغلة أو معطلة بسبب استمرار الصراع، الصراع البارد والمشتعل بعض الأحيان مع أطراف خارجية خلال السنوات الأربعين من عمر النظام السابق والملتهبة منذ تسع سنوات داخليا بحرب بين أبناء البلد على الثروات المادية بالموازنات الحكومية بفساد منقطع النظير وفقا للتقارير الدولية حول الشفافية فجاءت ليبيا متذيلة الترتيب 168 من أصل 180 بلد بالعالم كأكثر البلدان فسادا وبلا رقيب أو حسيب.

ليبيا البلد المنقسم بين حكومتين واحدة بالشرق وأخرى بالغرب أقل ما يقال عنهما أنهما فاشلتين حتى في توفير أبسط مقومات الحياة للمواطن، لا كهرباء ولا ماء ولا دواء وتعليم ولا أمن و لا بنوك تقدم خدمات و توفر أموال المودعين بحساباتهم، ليبيا ذلك البلد الذي صار المواطن يعيش حياة بدائية في عصر التكنولوجيا والتطور العلمي، صار همه اليومي أن يحصل على الوقود وأنبوبة الغاز والمرتب من البنك و سط فقدان تام لشبكة الآمان الاجتماعي والاقتصادي سواء للعاملين أو المتقاعدين وحتى العاطلين عن العمل على حد سواء، لم تجد الناس أمام هذا الانهيار غير المسبوق برغم إنفاق المليارات سنويا إلا الخروج في مظاهرات واعتصامات للتعبير عما يعانون وبدون جدوى، فلا قدرة على إحداث أي تغيير حقيقي برغم إهدار المليارات.

أكثر من نصف المجتمع الليبي نساء قابعات بالبيوت ظلما وقهرا، فلا عمل حكومي يسد حاجة ولا أمل في الحصول على فرصة بالقطاع الخاص، فلا توجد مساحة لهن لفعل شئ في هذه الحياة أمام سطوة الرعاع.

الصراع يزداد شدة بتدخل أطراف خارجية بشكل مباشر عسكريا وسياسيا والأعين جميعها على الثروات الليبية واستغلالها مستقبلا في إطار السباق المحموم للحصول على موطأ قدم على الأرض أو في أعماق البحر.

ماذا عسانا نفعل وكيف المخرج من هذا الانهيار المستمر وفقدان المقدرات وضياع الأموال في صناعة الخراب وحالة التراجع الإنساني والأخلاقي؟

المؤسسات الاقتصادية الحكومية صارت تتقاذف السباب العلني بين مسؤوليها وتحميل المسؤولية عما يجري في الاقتصاد من كوارث لبعضهم البعض، وصار خطاب وثقافة الرعاع السمة الغالبة بينهم، وتاه المواطن والوطن بينهم في غيهم الذين هم فيه يختصمون و يعمهون، فلا دولة قائمة بسلطانها ولا قضاء يحكم فيما هم فيه يختصمون، وصار الزمن زمن الرويبضة ومن يدور في فلكهم من المتردية والنطيحة والمنبطحة، الواقع لو كان مجلس إدارة المصرف المركزي يعمل وفقا للقانون لما رأينا خلافات ونشر للغسيل علي الملأ، فمجلس إدارة البنك المركزي يكون بعضوية وكيل وزارة المالية بهدف تعزيز التنسيق بين السياسات النقدية والمالية، ولو كانت الحكومة تحكم لما رأيت القمامة تغمر الشوارع.

سيستمر الحلم والأمنيات الطيبة بتحسن الأوضاع والخروج من دوامة الانهيار المستمر أمل كل مواطن ومواطنة اكتوى بلهيب الصراع، حتما سيأتي يوم نجلس لنتحاور كيف نعيد بناء الوطن واقتصاده بما يحقق العدالة للجميع، اقتصاد تكون فيه الفرص متاحة في إطار رؤية مناسبة تعمل على تنويع اقتصاد تنافسي أولوياته فرص للعمل والإنتاج وتحقيق الذات ويدعم الصغير حتى يكبر ويحمي من تغول وسيطرة الكبار. ولكن لن تجدي الأمنيات في تحقيق ما نصبوا إليه إذا لم نتفق جميعا أننا في حاجة لمراجعة شاملة للواقع الاقتصادي والاجتماعي المترابطين وإعادة صياغة قواعد و آليات واضحة و شفافة تضمن العدالة و المحاسبة و الشفافية للجميع.