ليبيا بين المركزية واللامركزية بالأنظمة المالية والإدارية في ظل قانون 9 لسنة 1953

91

كتب: محمد أحمد – خبير نفطي

ليبيا تعتبر نسبيا دولة حديثة ولكنها قياسا لدول أخرى في المنطقة مرت بتجارب سياسية وإدارية عميقة وحياديًا يجب القول إن هذه التجارب أتت استجابة لأسباب موضوعية بحتة وليس نتيجة لأمزجة شخصية أو اعتبارات فردية. هذه الأسباب الموضوعية تتلخص في عوامل الجغرافيا، توزيع السكان، توزيع الموارد الطبيعية، والتأثيرات الدولية.

في القرن العشرين وأثر انتهاء الحربان العالمية الأولى أو الثانية وانسحاب الدول الاستعمارية الكبرى من مناطق نفوذها، تم تبني نموذج سياسي وإداري معين للدول الناشئة الجديدة. هذا النموذج صمم حقيقة من الدول المستعمرة بحيث يسهل عملية قيادة الدول الناشئة عن بعد وقد استند على حقائق موضوعية منتشرة آنذاك.

جوهر هذا النموذج هو تركيز القرار السياسي والاقتصادي والإداري في العاصمة. لم يكن ينظر للأطراف في تلك الدول ككيانات سياسية ناضجة تستطيع أن تشارك في العملية السياسية الشاملة والقسمة الاقتصادية للدولة بل كأعباء إدارية على المركز الذي سيقوم نيابة عن الدولة ككل باستلام التمويل الخارجي من المراكز المالية الدولية. هذا التأطير النظري كان الهدف منه التحكم في التدفق النقدي بين الدولة الناشئة والدول المستعمرة السابقة لضمان استخدام الأموال بالطريقة التي ترغب بها الدول الممولة من ناحية وتضمن بها استرداد تلك الأموال أما في صورة مادية أم في صورة عينية.

ومن هنا اكتسبت العاصمة وظيفة توزيعية للموارد المالية على الأطراف الخاملة محدودة الموارد نظريًا والتي تظل محتاجة بصفة مستمرة إلى دعم مركزي من الموارد الإضافية للدولة. إلا أن هناك التواء محوري واجه هذه النموذج وقد بدأ أساسا في روسيا. هذا الالتواء يتعلق بمكان وجود الموارد الطبيعية وخصوصا السائل منه كالنفط. من ناحية حضارية تاريخية فأن مراكز التجمع السكاني كانت دوما قريبة من مصادر وممرات المياه والتي كانت تمثل مصدرا للحياة سواء من ناحية الزراعة أو الحصول على الطاقة (الهيدرومائية) أو حتى العضوية من بواقي النباتات أو الحيوانات كذلك. التوسع في استعمال النفط كمصدر للطاقة مثل تحديا ليس أمام تحريك السكان بل أمام نقل ريع ثروته من الأطراف إلى المركز. الريع هنا التراكم الرأسمالي للثروة.

في التجربة الأمريكية القائمة على الرأسمالية ولا مركزية القرار لم يكن هناك مفر أمام الصناعة النفطية من ناحية تشريعية من نقل جزء أساسي من الريع إلى مناطق وجود المورد الطبيعي. في النموذج الروسي ومع تطور التطبيق الاشتراكي الشيوعي تم إيجاد مبرر للملكية العامة للمورد النفطي لتبرير نقل الريع إلى المركز السياسي للدولة المتمثل في العاصمة. بالنسبة للشركات النفطية المستثمرة في الاستكشاف والإنتاج وجدت في قانون الملكية العامة ضالتها في إيجاد توازن بين توحيد المطالب المحلية في الدول المضيفة وضمان استردادها لقيمة الاستثمارات بطريقة مربحة ومستقرة.

هذا التطبيق الشيوعي المتناقض مع أساسيات العدالة والذي يميل أكثر إلى تطبيقات المساواة وجد صدى في تطبيقات أخرى ما وراء روسيا الماركسية. الغريب في الأمر أن هذا النموذج القانوني تم تبنيه واتباعه من دول كانت تناقض الفكر الشيوعي تناقضا جوهريا على أساس ديني وهي السعودية. التبرير الفلسفي الديني الذي تم استعماله بأن النفط كمورد طبيعي يشبه الموارد الطبيعية الجارية مثل البحار، الأنهار، أو الامطار أو حتى الشمس يجب أن تكون ملكيته على الشيوع، تبرير يفتقد لأدنى مستويات المنطقية لسبب واقعي وهو أن النفط سلعة عقارية ثابتة مثلها في ذلك مثل المزرعة أو المبنى.

إصرار الشركات النفطية على النموذج المرتبط بتدفق استثماري مركزي عبر العاصمة يضمن استرداد الأموال وعوائدها وضع ضغطا على الحكومات المركزية الناشئة لتبني قانون الملكية العامة للموارد الطبيعية كشرط للتعاون. لا بد من التوضيح هنا أن البديل الآخر لا يعني حرمان الدولة أو السلطة المركزية من عوائد الثروات النفطية ولكنه كان سيتم بطريقة أكثر عدلا وربما أكثر شفافية وهي عن طريق التحصيل الضريبي على العوائد. طبعا هذا يتعارض مبدئيا وتجاريا مع مصالح الشركات. ومن ناحية براغماتية فأن النظام التشريعي المركزي قد تم اعتماده وهو يعمل منذ ذلك الحين، مع تحويرات سياسية معينة للحفاظ على مبدأ العدالة حتى شكليا.

من خلال تقييم تطور النظام المركزي المستحدث من ناحية عامة يمكن استنتاج الكثير من السلبيات والايجابيات المصاحبة لتطبيقه على مستوى الدول الناشئة حديثا، لعل أهم السلبيات هي تفريغ الأطراف من إمكانياتها البشرية والطبيعية على السواء، فظاهرة الهجرة إلى العواصم وتكدس السكان فيها بشكل مأساوي أحيانا بحثا عن الحياة الكريمة الموعودة بسبب تركز الأموال – إما المستوردة من الخارج أو المولدة من بيع الموارد من الأطراف – في العاصمة كان مظهرا أساسيا للحياة تحت النظام المركزي. اختلفت طريقة استيعاب العواصم لهذه الظاهرة فبينما استطاعت عواصم دول الأكثر رقيا وحضارة أن تهضم هذه الهجرة بشكل جيد وتعيد تدوير وظائف المهاجرين بما لا يحدث توترا اجتماعيا بين أهل العاصمة والمهاجرين، كانت دول ثانية رافضة لهذا التغيير بثقافة الاستئثار مما أدى إلى حدية من الجانبين في الصراع على الموارد المالية وأحقية كل منهما بها. ومن ناحية أخرى فأن تضخم العواصم سكانيا وخدميا أصبح يثقل كاهل الدولة ويبتلع معظم الموارد المالية المولدة أساسا من خارج العواصم قبل أن يتم توزيعها على الأطراف.

في ليبيا تم اعتماد نموذج “الملكية العامة” التشريعي في سنة 1953 بقانون رقم 9 بشأن الملكية العامة للمعادن في الدولة، وتم تعزيزه بقانون رقم 25 لسنة 1955 بشأن البترول. إلا أن المشرع في ليبيا كان متفطنا لإشكالية العدالة في هذين القانونين لذا فقد تم إصدار قانون 79 لسنة 1958 بشأن تقسيم العوائد البترولية والذي لم يجد طريقه للتطبيق أبدا نتيجة طغيان الممارسات اللا-عادلة نتيجة للظروف المعروفة.

ما يهمنا هنا هو البناء التراكمي للنظام المركزي في المالية والإدارة في الدولة الليبية. حقيقة من ناحية شخصية أرى أن تجذر النظام المركزي في البلد يعود في معظمه إلى التأثير الدولي على اقتصاديات الدولة. فالشعب الليبي ونخبه السياسية كان متفطنا للطريق الذي سيقاد إليه وحاولت نخبه المتعاقبة أن تتحدى المصير المركزي بمحاولات أثبتت واقعيا أنها لم تكن كفؤة لوقف هذا التيار. كانت المحاولات تتلخص بداية في إيجاد عاصمتين للبلد، توزيع الأجهزة السيادية والكيانات الاقتصادية الرئيسية بعيدا عن العاصمة، خلق بعض المشاريع الاقتصادية الكبرى في الأطراف، وتفتيت الإدارة المحلية إلى تجمعات سكانية أصغر فأصغر لتلافي نقل العدوى المركزية من مستوى إلى مستوى.

المحاولات للتخلص من الجذب المركزي فشلت لسبب محوري وحيد هو “قانون رقم 9 بشأن الملكية العامة للمعادن في الدولة”. وبينما لا أنوي في هذا المقال تحدي شرعية هذا القانون ولكني أعتقد أن على الليبيين إما أن يعيدوا تقييمهم لمركزية الدولة في ظل حقيقة أثبتتها التجربة الطويلة، وهي أن استمرار تطبيق هذا القانون لن يفرز إلا نظام مركزي مهما كانت محاولات الموائمة. النظم السياسية الأخرى في جميع الدول الشبيهة بليبيا والتي تتبنى مثل هذا القانون هي دول مركزية بامتياز ولا تفكر مطلقا في تغيير هذا النمط على الأقل في الوقت الحالي لأن هذا سيضر بخططها المستقبلية في التنمية الاقتصادية. وعلى هذا الأساس عليها أن تتعامل مع الأطراف في الدولة إما بالقمع أو بتوسيع المشاركة السياسية والاقتصادية المحدودة والتي تتوقف على إمكانيات الدولة المالية نفسها. قانون 79 لسنة 1958 المتعلق بالعوائد النفطية والذي حاول مسبقا نوعا ما تحقيق غايات العدالة في توزيع ريع النفط هو قانون لا واقعي بامتياز حيث يكفي أن يقال إن أساسه اقتراح من البنك الدولي للعراق في كيفية توزيع الثروة النفطية، ودليل لا واقعيته هو عدم تطبيقه لأكثر من 60 سنة اليوم. لذا فأن المناداة بتطبيقه اليوم لا أظنها كافية.

الأزمة السياسية اليوم في ليبيا تتلخص في عدم وجود سلطة قوية في العاصمة تستطيع أن تقمع المطالبات العادلة في ريع النفط من ناحية، مع استمرار سلوكها اللا متوازي مع قدراتها من ناحية أخرى في عدم ترشيد توزيع الريع من الثروة النفطية. واقع يستحيل فيه برأيي الاستمرار في تطبيق النظام المركزي، وبعيدا عن كل الاتهامات والانفعالات فالنظام اللا-مركزي هو مخرج ليس رشيدا فقط بل يتسق مع الواقع للحفاظ على وحدة ليبيا وعلى ذكاء المشرع الليبي في صياغة قانون توازني جديد لا علاقة له بالماضي تتحقق فيه مصالح المستثمر الأجنبي والمطالبات العادلة المحلية وتلبية الحاجات التنموية العامة للدولة.