“الصلح” يكتب: الفساد المالي والإنفاق العام!

33

كتب الخبير الاقتصادي “علي الصلح”

لا يزال الفساد يتسم بطابع كلي الوجود، إذ أنه يحدث على جميع مستويات التنمية، وفي جميع أنواع النظم الاقتصادية سواء الرأسمالية أم المخططة مركزياً. ففي عقد التسعينيات شهد بروز الفساد كقضية عالمية، حيث تبنت الكثير من المنظمات الدولية سواء الحكومية أم غير الحكومية هذه المشكلة بحماس وبذل جهوداً حثيثة لمعالجتها.

وقد اهتمت العديد من الادبيات بمسببات الفساد وعواقبه مثل” تولوك 1967، وكروجر 1974، بهاجواتى 1982 وغيرهم. حيث أكد “روبرت كيتجارد ” في كتابه السيطرة على الفساد أن الفساد يعمل في البلدان النامية الفقيرة على تخفيض النمو الاقتصادي،ويعوق التنمية الاقتصادية،ويعمل على زيادة حدة الاستقطاب الاجتماعي من خلال تدهور عدالة توزيع الدخل والثروة، كما يُعرف الفساد وفقاً لتعريف الأمم المتحدة والبنك الدولي بأنه سوء استعمال السلطة العامة لتحقيق مكسب خاص.

أما صندوق النقد الدولى (IMF) فقد عرف الفساد بأنه علاقة الأيدي الطويلة المعتمدة التي تهدف إلى الحصول على فوائد من هذا السلوك لشخص واحد أو مجموعة من الأشخاص ذات علاقة، إلا أن الفساد يتعلق بجانب واحد رئيسي، وهو نسبي يختلف من مجتمع إلى آخر ومن زمان إلى آخر، فالفساد هو البحث الدائم عن المال لكونه يمثل المادة الأساسية في حياة البشر.

ويُعرف الفساد المالى بأنهُ (مجموعة من الانحرافات المالية ومخالفة الأحكام والقواعد المعتمدة حالياً في تنظيمات الدولة ومؤسساتها مع مخالفة ضوابط وتعليمات الرقابة المالية). فالسياسيون الفاسدون يخصصون موارد عامة أكثر على الأبواب التي يحصلون من خلالها على رشاوى كبيرة وبشكل سرى.

بعض المسبباب الاقتصادية للفساد في البلدان النامية:

1- الازمات الاقتصادية التي تتعرض لها المجتمعات بسبب الحروب والكوارث التي تؤدي إلي قلة عرض السلع والمواد، وتزايد الطلب عليها وظهور سوق موازية للسلع، وظهور سوق سوداء للعملات، بالإضافة إلى التحايل والرشوة لتجاوز القوانين والإجراءات التي يتم فرضها في ظل الظروف الاستثنائية.

2- انخفاض مستوى دخل الموظفين الحكوميين، حيث يعزز ذلك من قبول الرشوة كوسيلة لزيادة رواتبهم المتدنية وتأمين دخل إضافي بسبب تدني مستوى المعيشة.

3- يتوسع الفساد بشكل خاص في الدول النامية، والتي تمر بمرحلة انتقالية والتحول الى اقتصاد السوق حيث تكون الظروف مناسبة لممارسة الفساد بشتى انواعه، كما تشير الإحصائيات إلى أن الدول النامية توجه نحو 25 % من القروض للتسليح فقط، مما يؤدي إلى خسارة كبيرة للأموال الدولة المقترضة.

الفساد المالي اثره على الإنفاق العام:

حيث يترتب على الفساد الممتد والمنتشر في القطاع الحكومي آثار على تخصيص النفقات العامة او الإنفاق الحكومي، مما يؤدي إلى تحقيق أدنى نفع ممكن من هذا الانفاق. ويترتب على ذلك سوء تخصيص الموارد الحكومية، وذلك لأنها سوف تتجه صوب أوجه الإنفاق التي لا تحظي بأولوية الإنفاق العام من وجهة نظر المجتمع. وقد يكون الإنفاق عليها ليس بالدرجة الكافية، كالإنفاق على القطاع الزراعي والصناعي، أو الانفاق على تحسين مستوى المناطق النائية، أوعلى حجم وبنية الانفاق الحكومي، فقد أشارت الدراسات في هذا المجال أن الإنفاق الاستثماري أكثر أنواع الانفاق العام عرضه لهذا النوع من سوء التوزيع، حيث أن الذين يخصصون الموارد قد تكون لديهم فرص أفضل للحصول على دخل غير شرعي من المشاريع الاستثمارية الكبيرة مقارنة بعقود العمل الصغيرة، مثل الصحة، تكون فيها فرص الرشاوى وافرة في توريد مباني المستشفيات والمعدات الطبية، ولكنها محدودة في رواتب الأطباء والممرضيين.

وخلاصة القول أن الطريقة التي تتخذ بها القرارات حول كمية الإنفاق العام وتوزيعه تعتمد كثيراً على طبيعة الدولة وتنظيم السلطات العامة، ومن خلال محاولة استقصاء تأثير الفساد على تخصيص الإنفاق وعلى نوعية الخدمات العامة، تبين نوعين من التأثيرات التي يحدثها الفساد على الإنفاق العام:

الأول: تأثير الكمية وهو كمية الإنفاق المخصص فعلياً لكل وظيفة اقتصادية عامة.

الثاني: التأثير التوزيعي أي حصة كل قطاع اقتصادي من هذا المخصص، وهو يقيس التشوه الذي يحدثه الفساد في الموازنة العامة للدولة. فضلاً عن تاثيره في خيارات توزيع البنود المختلفة. يُعد الفساد المالي هو المعوق الأول للتنمية المستدامة والمعوق الأول لتخفيض الفقر والأداء الحكومي الجيد، وكنتيجة يمكننا القول بان الدول النامية تحتاج إلى ضبط الانفاق العام، وتفعيل الآليات مكافحة الفساد.