الاقتصاد الليبي إلى أين؟ “الجزء الثاني”

125

‏كتب: د. عبدالله ونيس الترهوني – أخصائي اقتصاديات النقل

إن تطور الاقتصادات العالمية تمر عبر ثلاث مراحل متعاقبة: المرحلة الأولى هي الاقتصاد البدائي أو المبني على الموارد ومثاله ليبيا وبعض الدول النفطية، أما المرحلة الثانية فهي الاقتصاد الصناعي أو المبني على الكفاءة وهو مرحلة أكثر تقدماً من التي سبقتها ومثاله الصين، وأما المرحلة الثالثة فهي الاقتصاد الإبداعي المبني على الاكتشافات والاختراعات وحقوق الملكية الفكرية ومثاله الولايات المتحدة واليابان، وبالعودة إلى تقرير التنافسية الاقتصادية العالمي للعام 2019 والذي لم تدرج به دولة ليبيا فهو يرتكز على 12 أساساً أو عموداً منها أربعة أساسية وهي: المؤسسات، والمناخ الاقتصادي الكلي، والبنية التحتية، والصحة والتعليم الأساسي، وهي معايير تشترك فيها كل الدول بغض النظر عن جودة وعدالة توزيع هذه الخدمات أو التوزيع الجغرافي للمؤسسات، وهي تضم دولاً تقع حصراً في المرحلتين الأولى والثانية من مراحل النمو الخمسة التي اقترحها روستوو (راجع الجزء الأول من المقال)، وبكل بساطة فإن تصنيف اقتصاد هذه الدول هي أنها متخلفة أو بالأحرى أنها هي اقتصادات مبنية على الموارد الطبيعية (Resource Based Economy Factor driven economy) وأن ليبيا كأحد هذه الاقتصادات تنتج نفطاً خاماً ولاتكرر منه إلا نسبة بسيطة لايفي إلا بنسبة 30% من حاجة السوق المحلي، وأن إنتاج الخام وبيعه قد أنتج في ليبيا اقتصاد استهلاكي أنعدم معه العناية بنشاطات الصناعة والزراعة والبحث العلمي، ولكن بشئ من الروح الوطنية والتخطيط السليم وتأهيل الكفاءات الحالية (عدا الفاسدين منهم) يُمكن للاقتصاد الليبي من النهوض ثم الوصول للمرحلة التالية.

أما الأساسات من الخامس إلى العاشر من تقرير التنافسية الاقتصادية العالمي فهي لمعززات الكفاءة أو محفزات الجدوى، وفي هذا الجانب بالذات تُسجل عديد الدول تراجعاً (خيبات) والسبب كما أسلفت في الجزء الأول من المقال هي عدم القدرة على الإنطلاق (Takeoff) وأسباب ذلك كثيرة ويصعب حصرها، ويكون فيها التعليم العالي والتدريب خامساً، وكفاءة أسواق السلع سادساً، وكفاءة سوق العمل في المركز السابع، وتطور أسواق المال ثامناً، والاستعداد التكنولوجي في المركز التاسع، في حين يقع حجم السوق في المركز العاشر والأخير ضمن هذه الفئة من المؤشر، ويمكننا أن نسميه الاقتصاد الصناعي أو اقتصاد الكفاءة (Efficiency driven Industrial based economy)، واذا ماتم رسم إستراتيجية وطنية متكاملة يكون هدفها الأول خلق بديلاً عن النفط كمورد وحيد وعلى المدى الطويل (أي بحلول 2030) من خلال استغلال الموقع الجغرافي لليبيا والموارد المتاحة والممكنة في المستقبل (غير النفط والغاز) بواسطة القطاعين العام والخاص فُراداً كانوا أو بالشراكة بينهماً، فإن ليبيا قادرة على التحول إلى هذا النوع من الاقتصاد.

وفي الفئة الثالثة من المؤشر تقع عوامل الابداع والابتكار أو التجديد والتطوير، وهذه الفئة تضم آخر عمودين أو أساسين للأعمدة الإثنى عشر التي يتألف منها المؤشر، ففي المركز الحادي عشر يقع تطور الأعمال، في حين تقع القدرة على الابتكار في المركز الثاني عشر والأخير ضمن المؤشر، وهذه الفئة من المؤشر يمكننا أن نسميها بمرحلة اقتصادات الابداع والاختراع (Innovation driven economy (Creativity Based Economy /Knowledge Based Economy) وللوصول إلى هذه المرحلة يتطلب الأمر أولاً وقبل كل شئ اجتياز المرحلتين السابقتين وفقاً لإستراتيجية مبنية من الأساس على قواعد التنافسية العالمية ومحاورها الإثنا عشر مُجتمعة، حيث لكل مستوى اقتصادي شروط يجب إتمامها لإستكمال نضج محاور محددة لأجل العبور من خط تماس اقتصادي إلى أخر، وباختصار فإن الإبداع والابتكار عنصران أساسيان ومهمان للقدرة التنافسية للدول، فبدون وجود شركات إبداعية ومبتكرة سواء كانت عامة أو خاصة أو مشتركة لايمكن أن يصبح الاقتصاد الوطني قادرًا على المنافسة عالمياً.

عطفاً على كل ماتقدم ومن منظور الحالة الليبية تحديداً، فإن الاقتصاد الليبي الحالي هو اقتصاد منزوع الدسم أي أنه بدون هوية، وأنه مزيج بين القديم (الاقتصاد الريعي أو إقتصاد التواكل) والجديد (اقتصاد الحرب / اقتصاد الصراعات) مع وجود قطاع خاص ليبي لايرتقي لأن يلبي الحاجة المرجوة منه، وأن أبرز سمة لهذا الاقتصاد هي الفساد، وذلك بسبب غياب دور الدولة نتيجة للحروب والتطاحن، وأن البلاد بوضعها الاقتصادي الحالي ذاهبة بكل أسف إلى الإنهيار، هذا على الرغم من أن البعض يخالفونني الرأي ويرون أن ليبيا لاتمتلك اقتصاد حقيقي حتى الآن، ويبررون ذلك بالقول أن ليبيا تستخرج نفط خام لتبيعه ثم تشتري بما توفر لها من عائدات بيع النفط سلعاً، وتوفر به بعض الخدمات لمواطنيها، ويعتبرون أن ذلك ليس اقتصاداً، وفي كل الأحوال فبدون جمع السلاح ووجود سلطتين فاعلتين احداهما تشريعية والأخرى تنفيذية تحكمان قبضتهما على كامل البلاد فإن الكلام عن مكافحة الفساد وعن التطور الاقتصادي والاجتماعي هو ضرباً من الجنون إن لم يكن الجنون بعينه، وأرى أن الاقتصاد الليبي لابد أن يكون بشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص وضمن مايُعرف بإقتصاد السوق (market economy) ولكن دون أن نلغي دور القطاع العام من جهة، حيث يكون دور الدولة أوالحكومة فيه رقابي وتنظيمي (regulator and monitor) وتكون فيه ممارسة الاقتصاد بكل أوجه نشاطه للقطاع الخاص (Private sector is the economic drive) فالدولة ليست تاجر ولاصانع ولامقاول بناء ولامقدم لخدمة الاتصالات، فكل هذا هو اختصاص أصيل للقطاع الخاص، في حين أن التشريع والرقابة وجباية الرسوم وفرض الأمن وحماية الحدود هو دور أجهزة الدولة الحكومية دون سواها، ومن جهة أخرى على كل الليبيين التحرر من العقلية والثقافة التي أنتجها الاقتصاد الريعي وأن يشمروا عن سواعدهم ويتجهوا للعمل والإنتاج، فالبلد بموقعه الجغرافي وموارده المتعددة هو بحاجة لأيدي عاملة هي أكثر عدداً من كل الليبيين.

ختاماً لقد خاطبت وعلى مدار سنوات النُخب الوطنية الصادقة والتي يُعول عليها الليبيين البسطاء في قيادة البلاد في المستقبل نحو الاستقرار ثم إعادة البناء، ولم أخاطب عبر أي من مقالاتي حكومات الأمر الواقع المتعاقبة، فهي مجرد سلطات توافقية أفرزتها المرحلة أو المراحل المتعاقبة، وكلها لاتستند لأساس دستوري صحيح فهي تستند جميعاً إلى الاعلان الدستوري المؤقت وتعديلاته، ولاتستند إلى دستور تم الاستفتاء عليه من الشعب، وأرى في المستقبل أن تتم إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني من خلال حكومة وطنية تحكم كامل تراب البلاد، وذلك من خلال الإعتماد على الموقع الجغرافي للبلاد والموارد الطبيعية والبشرية المتاحة في ليبيا مع الأخذ في الإعتبار البُعيدين الإقليمي والعالمي، والإبتعاد عن الريع بالتدريج، ولابد أن يكون الاقتصاد الليبي في المستقبل متنوع ومبني على الاقتصاد الأصيل (صناعي وزراعي) والاقتصاد البديل (اقتصاد الخدمات) والذي له آفاق كبيرة وواعدة في ليبيا في المستقبل: كالطاقات المتجددة والأنشطة اللوجستية وخدمات العبور وخدمات المراكز المالية واقتصاد المعرفة… إلخ.

رابط الجزء الأول

الاقتصاد الليبي إلى أين؟ “الجزء الأول”