قرارات اقتصادية للرئاسي… هروب للأمام يضع الضغوط على مركزي طرابلس

336

أثارت حزمة القرارات شبه الاقتصادية التي أعلن عنها المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني نهاية الأسبوع الماضي حفيضة الكثيرين في الداخل والخارج، في ظل ظروف حساسة تمر بها البلاد والعاصمة طرابلس تحديدا والتي تشهد احتجاجات واسعة النطاق يقودها متظاهرون يطالبون بالخدمات وتحسين الأوضاع الاقتصادية المتردية.

لكن حزمة القرارات التي تمثل استجابة السراج وأعضاء المجلس الآخرين لحراك الشارع يمكن أن تشكل تحديا حقيقيًا للمصرف المركزي بطرابلس ووزارة المالية بالحكومة، فالأول لايزال يتبع سياسة التقشف مع استمرار إغلاق الحقول والموانئ النفطية بينما تسعى وزارة المالية لتخفيض الأجور ومكافحة الفساد في ظل ارتفاع الدين العام وتقلص موارد الخزينة العامة للدولة وتفاقم العجز في الموازنة العامة للدولة.

الاتجاه نحو إصدار مثل هكذا قرارات في أوقات الأزمات هو بالفعل يشبه الهروب إلى الأمام وتجاهل حقيقة المرحلة التي تتطلب المواجهة، إضافة إلى وضع ضغوطات كبيرة على المؤسسات المالية للدولة التي تعاني مع عدم وجود خطة واضحة للإصلاح ومكافحة الفساد الذي يشكل أكبر تحدي لمستقبل البلاد.

اختار السراج الطريق الأصعب على ما يبدوا، في ظل انخفاض حاد للإيرادات خلال العامين الماضيين ووجود عجز مستمر في الميزانية العامة، جاءت قرارات الرئاسي لإضافة أعباء مالية تعتبر ضخمة إلى حد كبير خاصة في هذه المرحلة والتي من الصعب إيجاد تغطية مالية لتطبيقها.

ويعتقد الكثيرون بأن إعادة تفعيل علاوة الأسرة وتوظيف الشباب في القطاع الحكومي المزدحم، مقابل سعي وزارة المالية بالحكومة لتخفيض الأجور وإيجاد حلول للتكدس الوظيفي يعكس حقيقية الوضع القائم والتخبط في القرارات التي تحاول اسكات صوت الشارع المطالب بالإصلاح وتوفير الخدمات التي عجز الرئاسي عن تحقيقها حتى الآن.

ويثمل عدم وجود خطة واضحة للإصلاح ومكافحة الفساد المتفشي في مفاصل الدولة عبر توحيد سعر الصرف والقضاء على السوق الموازي وخفض الدين العام والتقليل من الإنفاق الحكومي عائقا أمام مشاهدة تحسن على الأوضاع الاقتصادية الحالية أو يمكن أن يكون عائقا أمام تطبيق تلك القرارات أيضاً.

تشكيك ورفض واسع

قوبلت القرارات التي أصدرها الرئاسي في وقت قصير جدا وعلى غير العادة بتشكيك ورفض واسعين من حيث التوقيت وإمكانية التنفيذ حيث يرها البعض مجرد قرارات سياسية لا أكثر، إضافة إلى جدواها بالفعل خاصة في مرحلة يعاني فيها الاقتصاد الوطني من انهاك شديد بسبب الأزمات المتلاحقة والتي من أبرزها إغلاق الحقول والموانئ النفطية.

وقال استاذ جامعة الاقتصاد في مصراتة مختار الجديد إن قرار تفعيل علاوة الأسرة سوف تضع محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير في إحراج خاصة مع الضغوط التي يعانيها الأخير بسبب رفضه توحيد سعر الصرف والاتهامات بتسرب العملة الأجنبية للسوق الموازي عبر الاعتمادات المستندية.

ووصف الجديد في منشور عبر حسابه بموقع فيسبوك قرار العلاوة بالرشوة معتبرًا بأنها محاولة غبية لامتصاص غضب الشارع من الفساد الذي تمارسه عصابته ومن موقفه من المظاهرات.

ويرى الخبير الاقتصادي بأن السراج يريد من هذا القرار إحراج محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير خلال هذه الفترة.

ويشترك العديد من المحللين بأن السراج يعلم جيدا بأن تطبيق هذا القرار غير ممكن في ظل الوضع الاقتصادي السيء للدولة، لكنها على ما يبدوا محاولة لامتصاص غضب الشارع عبر تقديم الأموال والتي ستحرج بالفعل الصديق الكبير الذي ينادي بتقبيل الانفاق، لكنها أيضًا لن تستمر طويلا منطقيا على الأقل.

وقال الزميل غير المقيم في المعهد الأطلسي للدراسات عماد بادي، بأن السراج يتبع سياسة قديمة حيث عرض القذافي في 2011 حوافز مالية كوسيلة لنزع فتيل السخط الشعبي لإحباط الاحتجاجات ضده في ذلك العام.

وأضاف تعليقا عن قرارات السراج بتقديم الأموال عن طريق المنح “لم تنجح بعد ذلك، لست متأكدًا تمامًا من سبب اعتقاد أي شخص أنها ستنجح الآن خاصة على خلفية التوترات المتزايدة”.

خيارات محدودة

وقال استاذ جامعة الاقتصاد في مدينة بني وليد عبدالمنعم رمضان متحدثا لصحيفة صدى الاقتصادية، إن المسارات أو الحلول الاقتصادية تعتبر محدودة للمجلس الرئاسي للخروج من الأزمة الحالية والتي هي عبارة عن نتائج سنوات من التخبط والفساد الإداري والمالي.

وأشار رمضان إلى أن صرف الأموال لا تبدو فكرة جيدة ولا يمكن تطبيقها على المدى البعيد، حيث أنه لاتوجد أموال تكفي لتغطية علاوة الأسرة أو حتى توظيف الشباب في القطاع الحكومي الممتلئ عن اللزوم.

ويرى استاذ الاقتصاد، بأن قرارات السراج عبارة عن مسكنات لن تدوم طويلا، يمكن أن يستطيع منح العلاوة لمدة عام وهذا مرتبط على حجم الأموال التي يمكن الحصول عليها لتغطية المصاريف المترتبة على هذا الإجراء.

من جهته قال الخبير الاقتصادي عمر زرموح إن الدافع وراء القرارات الأخيرة هي سياسي بامتياز وليس اقتصادي كما يعتقد الجميع، حيث أن عملية تقديم الأموال لا يمكن أن تحل المشكلة ففي الغالب المواطنون لا يحتاجون للأموال بهذه الطريقة.

وأضاف زرموح بأن الميزانية الخاصة بالعام الحالي كانت بعجز يصل إلى 70% ولم يستطع المجلس الرئاسي تغطية العجز الحاصل فكيف يمكن تغطية نقات علاوة الأسرة التي ستضاف خلال الأيام القادمة.

وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن الرئاسي لا يملك الموارد المتاحة لذلك محذرا من أن افتراض الحكومة من المصرف المركزي بطرابلس سيزيد من التضخم وصفا الأمر كمن يزيد النار لهيبا.

يعتقد زرموح بأن الخيار المتاح هو عودة إنتاج وتصدير النفط المرتبط بالموقف السياسي، مضيفًا بأنه في حال كان الرئاسي يملك بالفعل الأموال لماذا غابت عن المجلس إضافتها في الميزانية العامة للدولة التي أقرت في شهر مارس من العام الحالي.

وأشار إلى أن القرار الآخر المتعلق ببرنامج توظيف الشباب في القطاع الحكومي يعتبر خطأ كبير في ظل وجود 1,8 مليون موظف في القطاع الذي يحتاج إلى تخفيض الرقم إلى الثلث أو الربع على أقصى تقدير.

ويرى زرموح بأن عملية إضافة موظفين جدد للقطاع الحكومي هو بمثابة زيادة ما يسمى بالبطالبة المقنعة التي يجب أن تحاربها الدولة وليس العكس. مشيرا إلى أن الحل يكمن في إقامة مشاريع تنموية بالتعاون مع القطاع الخاص الذي يعتمد بالأساس على خلق نوع من الاستقرار ومنح التسهيلات لتوظيف العاطلين عن العمل في تلك المشاريع بدلا من أسلوب التوظيف الخاطئ وغير المجدي.