حبارات: الأوضاع المالية للدولة تقف عائقًا أمام قرارات الرئاسي الاخيرة

90

كتب: نورالدين حبارات – متابع ومهتم بالشأن الاقتصادي والسياسي

بالتزامن مع الاحتجاجات الشعبية المطلبية التي اندلعت مؤخراً في مناطق عدة والمطالبة بتوفير وتحسين الخدمات الأساسية ومكافحة الفساد الذي اتسع نطاقه بشكل كبير خلال السنوات الماضية إلى أن بلغ معدلات غير مسبوقة في تاريخ البلاد اتخذ الرئاسي العديد من القرارات وذلك بهدف الرفع أو التخفيف والحد من معاناة المواطنين جراء تدهور تلك الخدمات، أبرزها القرار رقم (564) بشأن صرف علاوة الأبناء والزوجة والقرار رقم (567) بشأن تشغيل وتدريب الشباب العاطلين والقرار رقم (577) بشأن الإذن بإنفاق مبالغ مالية للبلديات.

ونظراً لأهمية الموضوع سيما وأنه أصبح حديث الساعة من قبل غالبية وعامة المواطنين فإني رأيت ضرورة الخوض في تفاصيل وحيثيات ومبرارات تلك القرارات وذلك للوقوف على مدى واقعيتها وإمكانية تطبيقها في ظل الأوضاع المالية الحالية للحكومة والظروف الراهنة التي تمر البلاد.

ومن خلال الاطلاع على تلك القرارات فإنها جاءت وللأسف متسرعة وغير مدروسة بتاتاً وكانت لدوافع سياسية بحتة من حيث دلالة التوقيت والأهداف فهي تهدف بالدرجة الأولى إلى تهدئة وامتصاص غضب الشارع إثر اندلاع تلك الاحتجاجات .
وبالتالي فهي قطعاً لم تكن قرارات حكيمة بناءة تهدف إلى تحسين الخدمات المتوقع تفاقم تدهورها خاصةً في ظل سوء الأوضاع الاقتصادية والمالية جراء شُح الموارد المالية بسبب توقف تصدير النفط والانقسام السياسي والمؤسسي الذي يعتبر اليوم العائق الأكبر أمام أي إصلاح حقيقي.

أما من حيث جوهر أو مضمون تلك القرارات فهي بالتأكيد يراها الكثيرون غير واقعية لإنها صعبة أو غير قابلة للتطبيق، فديباجتها تؤكد أنها تمت دون التنسيق المسبق مع المركزي الذي سيمول قرابة 90% من قيمة الميزانية (الترتيبات المالية المعتمدة 2020) والمقدرة ب38.5 مليار دينار، وذلك بعد الهبوط الحاد في الإيرادات النفطية والسيادية التي لم تتجاوز حصيلتها حتى يوليو الماضي 3.346 مليار دينار فقط، فإيرادات النفط لشهر يوليو المنصرم وحده في حدود 53 مليون دينار فقط.

كما أن هذه القرارات جاءت بالمخالفة للتفاهمات التي تمت بين الرئاسي والمركزي في مارس الماضي بشأن الترتيبات المالية التي تقضي بضرورة أن تؤول إيرادات الرسم على مبيعات النقد الأجنبي لإطفاء الدين العام وجزء منها لتمويل البرامج والمشاريع التنموية على أن يلتزم المركزي في مقابل ذلك بتمويل العجز في الميزانية أو (الترتيبات المالية) وذلك في إطار ما بات يعرف بضمان استدامة التمويل.

وصراحةً هذه التفاهمات تسير بشكل جيد لحد ما حتى نهاية أغسطس المنصرم، فوفق لبيان المركزي حتى يوليو الماضي (مرفق صورة) بلغت إيرادات الرسم (الضريبة) على مبيعات النقد الأجنبي ما قيمته 13.500مليار دينار خصص منها 12.300 مليار دينار لإطفاء الدين العام المصرفي الذي تجاوز حاجز 100 مليار دينار بما فيها القروض الممنوحة للحكومة المؤقتة في شرق البلاد من قبل مركزي البيضاء، في حين خصص الجزء المتبقي من هذه الإيرادات والبالغ 1.225 مليار لتمويل البرامج والمشاريع التنموية صرف منه فعلياً حتى نهاية يوليو 610 مليون دينار مع العلم إن إجمالي القيمة المخصصة والمعتمدة لهذه البرامج بالترتيبات المالية تقدر ب2.100 مليار دينار، وفي المقابل بلغ إجمالي الإيرادات النفطية والسيادية ما قيمته 3.346 مليار دينار فقط يضاف إليها قيمة قرض مصرف ليبيا المسيل لحساب الحكومة البالغة 15.579 مليار دينار وهذه القيمة تمثل 7/12 من إجمالي قيمة القرض المخصص لتغطية العجز في الميزانية و المقدر ب26.707440 مليار دينار.

وفي الجانب الأخر وعلى صعيد الإنفاق العام، فالإنفاق الفعلي بلغ حتى نهاية يوليو 19.077 مليار دينار مع ملاحظة إن هذا المبلغ لايتضمن قيمة مرتبات هذا الشهر التي تقدر ب1.900 مليار دينار تقريباً ما يعني هناك عجز نقدي غير ظاهر في الميزانية قدره 2 مليار دينار على الأقل، ونظراً للهبوط الحاد والمتوقع في الإيرادات النفطية خاصةً بعد الإتفاق على تجميدها و تحييدها حتى وإن أستئنف التصدير فإن هذا الهبوط سيؤدي حتماً إلى تفاقم العجز أي زيادة في الدين العام الذي يعمل ويسعى المركزي لإطفائه أو تقليصه فهو من سيتحمل مسؤولية تفاقمه بالدرجة الأولى فهذا الدين أو السلف المالية منحت بالمخالفة لقانون المصارف ولا إطار تشريعي لها.

فإذا كانت قيمة الإيرادات النفطية المعتمدة بالترتيبات المالية قدرت ب6 مليار دينار فقط وأن المحصل منها فعلياً لا يتجاوز 2.218 مليار فإن العجز المتوقع في هذه الإيرادات حتى نهاية العام قد يصل إلى ثلاثة مليار دينار يظاف إليها عجز محتمل في الإيرادات السيادية بقيمة 1 مليار دينار على أقل تقدير، وليس هذا فقط بل في الجانب الأخر الإنفاق في بند الطوارى متوقع أن يشهد إرتفاع مع تفاقم وباء كورونا الذي أصبح يصيب المئات يومياً.

وبما أن إجمالي العجز في الميزانية (الترتيبات المالية) لهذا العام يقدر ب26.707404 مليار دينار سيموله المركزي عبر قرض مصرفي فإن إجمالي هذا العجز فعلياً مع نهاية العام قد يصل إلى 32 مليار دينار أي إن الحكومة مطالبة بتدبير قيمة الزيادة في العجز و المقدرة ب4 مليار دينار، والسؤال هنا كيف و من أين؟ مع ملاحظة أن الحكومة متبقي في حساباتها لدى المركزي قيمة الإيرادات النفطية لشهر ديسمبر 2019، والبالغة 2.871 مليار دينار.

وبالعودة للقرارات السالفة الذكر فإن قرار الرئاسي بشأن صرف علاوة الأبناء لم يتضمن تحديد أو تقدير لقيمتها والتي قدرت ب2.800 مليار دينار خلال عام 2014، كما أن تمويل هذه العلاوة من عوائد الرسم على مبيعات النقد الأجنبي يبدو غير ممكن فهو مخالف لقواعد الترتيبات المالية 2020، والتفاهمات التي تمت بشأنها والتي تستوجب تخصيص قيمة هذه العوائد لإطفاء الدين العام وجزء منها لبرامج التنمية وهذا ما قد يواجه بإعتراض من قبل المركزي و يتجدد خلافه مع الرئاسي.

ومع كل ذلك يبقى هناك هامش للرئاسي ولو ضئيل للتحرك في صرف قيمة العلاوة التي يراها أولوية بإعتبارها تمس غالبية المواطنين وذلك من خلال بواقي الإيرادات النفطية لشهر ديسمبر البالغة 2.871 مليار دينار وقد يضطر أحياناً إلى زيادة الرسم أو الضريبة على مبيعات النقد الأجنبي بهدف تدبير التمويل اللازم على أن يتكفل المركزي بتغطية أي زيادة محتملة في عجز الميزانية.

أما فيما يخص القرار المتعلق بصرف 2 مليار دينار للبلديات للصرف منها على أغراض التسيير و التنمية بنسب 0/030 و0/05 على التوالي على أن يتم تمويل 0/050 من هده القيمة من خلال عوائد الرسم على مبيعات النقد الأجنبي و0/050 الأخرى من الإيرادات المحلية للبلديات فأني أرى إن هذا القرار أكثر صعوبة وتعقيداً من سابقه وذلك لعدم توفر مصادر التمويل اللازم كما إن البلديات غير قادرة أصلاً على توفير مبلغ مليار دينار من خلال الرسوم والأتاوات في ظل تأكل القدرة الشرائية للمواطنين والركود الاقتصادي نتيجة إرتفاع الأسعار مع ملاحظة إن المشاريع التنموية للبلديات لم يشملها قرار الرئاسي رقم 387 لسنة 2020، الصادر في يونيو الماضي بشأن اعتماد مخصصات الباب الثالث (مشروعات وبرامج تنموية) بالترتيبات المالية 2020، فضلاً عن إن تلك المشاريع تحتاج لمتسع من الوقت للدراسة والمراجعةً الفنية ناهيك عن التنفيذ خاصةً ونحن اليوم نقترب من الربع الأخير من السنة المالية 2020.

أما فيما يخص قرار الرئاسي بشأن تشغيل و تدريب العاطلين من الشباب والذين تبلغ أعداد الباحتين منهم وفق لأخر إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة العمل بحكومة الوفاق 128000 شخص، فإن الحديث على هذا القرار يبدو سابق لأوانه في ظل عدم قدرة الحكومة على صرف مرتبات المعينين لديها منذ سنوات والذين تجاوز عددهم حاجز 300000 موظف.

وأخيراً وبناء على ما تقدم يمكن القول إن هامش المنورة أمام الرئاسي اليوم ضيق جداً وأتوقع أن الأزمات ستتفاقم خاصةً مع بداية العام القادم، فإذا كانت مرتبات سبتمبر الحالي وأشهر أكتوبر ونوفمبر وديسمبر القادمة مضمون ومكفول صرفها بموجب الترتيبات المالية للعام الحالي 2020، فإنه في بداية العام القادم وفي حال ما استمرت الظروف على ما هي عليه الأن (عدم إقرار حل سياسي) فإن الأمر سيختلف تماماً حيث حينها يتطلب من الرئاسي وحكومته تدبير ميزانية بقيمة 40 مليار دينار على الأقل 0/085 منها تقريباً للمرتبات والدعم. والسؤال كيف ومن أين؟ هذا ما سنعرفه في الأشهر القادمة.