ديوان المحاسبة يكشف فساد “الرئاسي” مع اقتراب موعد رحيل الأخير

170

أظهر تقرير ديوان المحاسبة في طرابلس الصادر مؤخرا، تجاوزات مالية وقانونية بالجملة بداخل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني الذي يتحكم بإدارة البلاد طيلة السنوات الأربع الماضية.

وشمل التقرير الخاص بالعام 2018، قيمة الأموال المخصصة للمجلس الرئاسي وحالة الفوضى الإدارية وزيادة في الإنفاق بشكل مبالغ فيه رغم ما تمر به البلاد من أزمة اقتصادية بلغت ذروتها منذ قدومه إلى العاصمة طرابلس واستلام مقاليد الحكم.

وقال الديوان، إن حكومة الوفاق الوطني المتمثلة في المجلس الرئاسي ومجلس الوزراء، بلغت مصورفاتهم خلال نفس الفترة ما قيمته 68.6 مليون دينار، مقارنة بالعام 2017 والتي كانت فيه المصروفات ما قيمته 90.7 مليون دينار.

وتتلخص التجاوزات المسجلة على الرئاسي في حالة ازدواج وظيفي في الكيانات بوجود ديوان خاص بالرئاسي مناظر لديوان مجلس الوزراء يمارس نفس الغرض وينفق على نفس الأشخاص الأمر الذي أدى إلى تضاعف نفقات الحكومة عما كانت عليه في السابق.

وعلى الرغم من استعانة المجلس الرئاسي بعدد من المستشارين بمرتبات مجزية إلا أنه ظل عاجزا عن إعداد تقديرات الميزانية بصورة دقيقة، إضافة إلى إصداره قرارات بتعيين وندب ونقل لعدد 140 موظفا للعمل في ديوان مجلس الوزراء، مع وجود ازدواجية تلقد الوظائف القيادية والجمع بين أكثر من وظيفة للشخص الواحد.

ومن بين تلك التجاوزات صرف أكثر من 1.5 مليون دينار على سفريات وتنقلات خارجية وإقامة بالداخل والخارج لأشخاص لا تربطهم علاقة وظيفية بالمجلس، إضافة إلى صرف مليون دينار مقابل إقامات فندقية لأشخاص بالداخل والخارج دون وجود ما يثبت تبعيتهم للمجلس الرئاسي.

ولكن ما يثير الانتباه هو ضعف التعزيز المستندي لعمليات صرف بلغت قيمتها نصف مليون دينار، إضافة إلى عدم اخضاع بعض أذونات الصرف للضرائب، وصرف عدد كبير من العهد المالية بقيمة تقارب 115 ألف دينار وبكثير من المخالفات أيضا، مما يدل على مناخ الفساد وعدم الخوف من العقاب.

تظهر التقارير المتعاقبة من قبل الأجهزة الرقابية المختلفة في الشرق والغرب الكثير من الفساد في جميع المؤسسات الحكومية، لكن مقابل ذلك يبقى السؤال الأبرز ما جدوى تلك التقارير والهيئات المتعددة والمنقسمة أيضا في ظل استمرار الفساد ومن قبل نفس الأشخاص أو حتى مع رحيلهم ومجيئ آخرين.

إفلات من العقاب

- الإعلانات -

تشكل حالة الإفلات من العقاب ظاهرة أصبحت مألوفة في البلاد ما بعد الثورة وحتى ماقبلها وإن كانت بدرجة أقل، خاصة مع توسع دائرة الفساد بسبب الصراع على السلطة وفي ظل الانقسام السياسي والمؤسساتي الحاصل في البلاد منذ خمس سنوات تقريبا.

وعلى الرغم من تقارير الجهات الرقابية بالدولة والتي تتزاحم في وقت واحد بعد أن امتنعت عن إصدار تقاريرها بحجة الحساسية التي قد تسببها تقاريرهم لصناع القرار في البلاد، لم تكن هناك ردود فعل مقابل حجم الجرائم المالية المرتكبة بحق الشعب والبلد في ظل الفوضى والتدخلات الخارجية.

وقال الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي تعليقا على تقارير المؤسسات الرقابية، إنه مع تقاطع المصالح الذي بدأ يلوح في الأفق واتساع دائرة الغضب الشعبي بسبب رائحة الفساد لم يكن لصرخات إيقاف إهدار المال العام واستحكام الفساد المنظم أي صوت يسمع وسط صراخ المتصارعين على الحكم ومن سيخلف من لمشهد جديد يتم الترتيب له، فتقارير الرقابة وديوان المحاسبة التي تنشر بعد سنوات من ارتكاب المخالفات صوتها مثل صوت البنادق بدون رصاص.

وأضاف الشحومي، بأن عملية الرقابة التقليدية وكتابة التقارير السنوية فشلت علي مدار أكثر من خمسين سنة بالدولة، وصار لزامًا التوجه نحو قواعد حوكمة للانفاق الحكومي ذو شفافية عالية وقياس أداء محدد وتغيير لكل قواعد العمل التقليدي والتي تقوم على “أعملو ما شئتم فإنكم مراقبون وسنرصد مخالفاتكم في كتب عظيمة سيخلدها التاريخ وسيحتفظ بها الليبيون”.

مرحلة جديدة من الفساد

مع اقتراب نهاية فترة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، يتوقع الكثيرون من رافضي استمرار المرحلة الإنتقالية أن يكون الجسم القادم وهو مجلس رئاسي جديد تكريسا لمسلسل الفساد واستغلال المرحلة لصالح أشخاص وكيانات بعيدا عن قيام الدولة عبر الدستور والانتخابات.

وقال استاذ القانون اسماعيل علي إنه على الرغم من تعدد أجهزة الرقابة على مؤسسات الدولة، ظل الحال على ما هو عليه، حيث أن الفساد لايزال منتشر كالنار في الهشيم دون وجود رادع حقيقي.

وأضاف علي في تصريح لصحيفة صدى الاقتصادية، بأنه لطالما كانت المرحلة الانتقالية في البلاد عنوان للفساد وهذا ما شهدناه من خلال تقرير ديوان المحاسبة طليلة السنوات الماضية وخاصة مع قدوم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

ومع ذلك، يعتقد الكثيرون بأنه على الرغم من فساد المجلس الرئاسي والمؤسسات الحكومية الأخرى في الشرق والغرب، فإن تعدد الأجهزة الرقابية هو نوع من الفساد أيضا، حيث يرون بأن رغم تعددها لا نتائج لها حتى الآن سوى التوثيق.

وفي حال دخلت البلاد إلى مرحلة انتقالية جديدة، من المتوقع أن يستمر مسلسل الفساد داخل الأجسام المتعددة التنفيذية منها والتشريعية إضافة إلى مؤسسات الدولة، مع عدم وجود دستور وضعف الأجهزة الضبطية في انفاذ القانون، وفق ما يراه الكثيرون.