“أبوسنينة” يكتب مقالاً حول الدين العام المصرفي

294

كتب الخبير اقتصادي “محمد أبو سنينة”.

كثر الحديث هذه الأيام عن الدين العام وآثاره المحتملة وكيفية تسويته، وقد سألني بعض الأصدقاء حول الموضوع وأهميته ومدى صحة مايتردد حوله من أراء ومواقف، وقد قلل بعض المحللين من أهمية الموضوع، وأن ترتيب الدين العام أمر عادي، وأنه يمثل أسلوب تمويل تتبعه الكثير من الدول، بل أن البعض شجع على تراكم المزيد من الدين، وذهب بعضهم لإجراء مقارنات بين نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالى في ليبيا ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالى في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول المتقدمة الآخرى ( مقارنة مع الفارق ).

وقد غاب أن المتبع، في حالة الضرورة، هو تمويل الميزانية بالعجز، والعمل على سداد هذا العجز في المواعيد التي تستحق فيها سندات الدين وقبل ترتيب أي عجز آخر، أما الدول التي تراكم فيها الدين لأرقام فلكية فهي دول اقتصاداتها منتجة ومصدرة للدين، ومع ذلك فالدين العام بها مقنن ولا يجوز تجاوز حدوده القصوى إلا بإجراءات دستورية منضبطة.

بداية لابد من التمييز بين الدين العام الذي يموله المصرف المركزي والذين العام الناتج عن الاقتراض من السوق المالي او من المصارف التجارية او من الجمهور عندما تصدر وزارة المالية سندات خزانة تقوم ببيعها للمصارف و او للجمهور مقابل عائد محدد، وتكون إدارة الدين العام ضمن السياسة الاقتصادية للدولة التي يرعاها المصرف المركزي، كما يجب التعرف على الظروف التي رتب فيها الدين، وفيما أنفق، وما اذا كانت البلاد في حالة استقرار وأن هناك حكومة راتبة تدير البلاد، او أن الدين تم ترتيبه أثناء فترة النزاع والانقسام السياسي، وعندما يكون الدين ممول من المصرف المركزي من المهم معرفة مدى خضوع ميزانيات المصرف المركزي للتدقيق والمراجعة من قبل ديوان المحاسبة واعتمادها من قبله او خلافه ؟.

في العادة المصارف المركزية لاتستخدم أموالها لاقراض الحكومة، ولا يقدم المصرف المركزي ضمانات لأحد، لأن المصرف المركزي يميل دائما للمحافظة على استقرار الأسعار والحد من التضخم ، ولذلك يناى بنفسه عن تمويل نفقات الحكومة، ولهذا السبب تم تنظيم هذا الموضوع بموجب أحكام المادة (11) من القانون رقم (1) لسنة 2005 بشان المصارف المعدل بالقانون رقم (42) لسنة 2012، حيت نصت هذه المادة على أنه لايجوز للمصرف المركزي منح تسهيلات او ضمانات لأي جهة كانت ( بما في ذلك وزارة المالية ) سواء بصفة مباشرة او غير مباشرة، باستثناء المصارف التجارية، على أنه للمصرف أن يقدم سلف مؤقتة لوزارة المالية لتغطية عجز وقتي في إيرادات الميزانية العامة بالشروط المتفق عليها بين الطرفين على الا تزيد هذه السلفيات عن خمس مجموع الإيرادات المقدرة في الميزانية العامة، وأن تسدد هذه السلفة في نهاية السنة المالية التي قدمت فيها، ولا يجوز تقديم أي سلفة لوزارة المالية الا بعد أداء السلفيات التي قدمت لها خلال السنة المالية السابقة.

وقد جاء هذا الحظر على وزارة المالية تاكيدا وتعزيزا لما نص عليه رقم (15) لسنة 1986 بشان الدين العام على الخزانة العامة الذي نص صراحة في المادة (5 ) منه على ” لايجوز للخزانة العامة اعتبارا من العمل بهذا القانون الاقتراض من الداخل او الخارج او اصدار الضمانات التي ترتب التزامات مالية الا بقانون “. كل ذلك يشير إلى خطورة الانجرار وراء الاستدانة بهدف تمويل مصروفات الميزانية العامة ،، وقد نجح القانون رقم (15) لسنة 1986 بشأن الدين العام في السابق في كبح جماح الخزانة العامة والشركات العامة في الاقتراض او إصدار الضمانات، ولهذا السبب أيضا أكد قانون المصارف على استقلالية المصرف المركزي عن الحكومة وخروجه من تحت عباءتها، ضمانا لاستقرار المستوى العام للأسعار، واختصه بإقرار السياسة النقدية وتنفيذها في إطار السياسة العامة للدولة.

أما وأن يصل الدين العام الذي رتبته حكومة الوفاق الى 84 مليار وما نسبته اكثر من 260٪؜ من الناتج المحلي الإجمالى وقيمته المضافة تساوي صفر، والدين العام الذى رتبته الحكومة المؤقته خلال السنوات الخمس الماضية يصل إلى 50 مليار دينار وجه معظمه لتمويل مرتبات ونفقات استهلاكية، بحيت وصل إجمالي الدين العام إلى 135 مليار دينار أي مانسبته 350% من الناتج المحلي الإجمالي، أمام عجز كامل للحكومة عن السداد نتيجة لتدهور موارد الدخل، فهذا يشكل خطرا حقيقيا على الاقتصاد الوطني وهو أمر غير قابل للاستدامة ولا يمكن غض النظر عنه، وعلاوة على كونه تم بالمخالفة لقانون الدين العام وبالمخالفة لاحكام قانون المصارف، باستثناء المبالغ المقابلة لتمويل الميزانية بالعجز المحددة بموجب قانون الميزانية العامة الصادر عن السلطة التشريعية ، نجد انه لم يخصص منه شىء يذكر لأغراض التنمية.

بيعيا وشبهوه بقيام شركة بالاقتراض من مصرفها لتغطية العجز في إيراداتها، متناسين وغافلين عن أن الاقتراض من المصرف المركزي يقابله طباعة عملة ومن تم التوسع في عرض النقود وما يصاحبه من زيادة معدل التضخم في اقتصاد ريعي غير إنتاجي مشوه بالفساد، وفي الحقيقة أن الحكومات الليبية تعودت على إنفاق أكثر مما لديها من موارد، وهذا خطأ في البرمجة المالية، وتتوسع في الإنفاق على أغراض غير منتجة وعلى حساب التنمية ، في سياق أقل ما يوصف به بأنه هدر للموارد وعبث بمقدرات الشعب الليبي، وعلى هذا الأساس من الصعب قبول هذا الدين العام وتبرئة ساحة الحكومة دون تدقيق ومحاسبة، وعلاوة على أن الدين العام قد تم ترتيبه بالمخالفة للقانون، وأن نسبته تجاوزت الحدود المقبولة، وأنه أنفق على أغراض استهلاكية ، وأن الذى منح الدين هو المصرف المركزي، وأنه سبب في نمو عرض النقود حتى وصلت نسبة عرض النقود إلى الناتج المحلي الإجمالى إلى حوالي 300 % ، بمعنى آخر أدى إلى تحييد السياسة النقدية، لاتوجد الية واضحة لسداد هذا الدين، وقد تم بالمخالفة لقانون المصارف الذي وضع الية لسداد السلف المؤقتة التي تمنح للخزانة العامة والتى حدد ضرورة تسوية السلفة الممنوحة خلال السنة المالية بنهاية تلك السنة المالية ، وأنه على المصرف الامتناع عن منح اية سلفة أخرى الا بعد سداد وتسوية السلفة التي منحت قبلها، وفوق كل ذلك لم يلتزم المصرف المركزي بخصم 5% من كامل إيرادات الخزانة العامة من النفط مباشرة لسداد الدين العام، وفقا لأحكام المادة (3) من القانون رقم (15) لسنة 1968 بشأن الدين العام، الا اذا سلمنا بأن القوانين كلها كانت معطلة ولا يجوز الاعتراض بناءً على أحكامها !!

ولو افترضنا اعتماد رقم الدين العام الموحد للحكومتين من قبل السلطة التشريعية، ووضع الرقم أمام حكومة وحدة وطنية، وفقا لما يجري الحوار بشأنه هذه الأيام، فكيف لهذه الحكومة التعامل مع هذا الدين ؟ للاجابة على هذا السؤال، من المهم الأخذ في الاعتبار النقاط التالية: – ان هذا الدين يظهر في جانب الأصول في المركز المالي للمصرف المركزي، وهو بذلك يشكل تشوها في ميزانية المصرف لعدم امتلاك سندات دين لدى المصرف في مقابله، وليس بامكان المصرف تكوين مخصص له، ولا يمكن شطبه.

– أن الظروف والأوضاع الاقتصادية لا تسمح بتمويل هذا الدين عن طريق فرض ضرائب جديدة، او تمويله من الموارد السيادية غير النفطية بالميزانية العامة لعدم كفايتها ، وأن إيرادات النفط هي الأخرى غير كافية حتى لتغطية الباب الأول من الميزانية العامة ، فضلا عن ان هناك التزامات أخرى على وزارة المالية واجبة السداد مثل علاوة الأطفال وربات الأسر التي تتجاوز قيمتها 30 مليار دينار، والزيادة في مرتبات بعض الفئات التي لم تصرف بعد، والديون المستحقة لصندوق الضمان الاجتماعي.

– أن هذا الدين، قبل التمكن من وضع آلية لسداده والبدء في تطبيقها، سيكون قيدا على أية ميزانيات عامة مستقبلا، مما يحد من قدرة الحكومة على توفير الخدمات العامة من جهة، والانخراط في تنفيد اية مشاريع تنموية ، من جهة أخرى.

– يشير البعض إلى الرسم المفروض على مبيعات النقد الأجنبي وإمكانية استخدام حصيلته في سداد الدين العام او جزء منه، ونقول في هذا الصدد أن الرسم المفروض على مبيعات النقد الأجنبي هو رسم مؤقت وأن استخدامه لأية أغراض تمويلية يعتبر مخالف لطبيعة الرسم والغرض الذى فرض من آجله، وأن استخدام جزء من عوائد هذا الرسم في الماضي لتمويل نفقات الميزانية العامةً قد أدى إلى فتح شهية الحكومة لاقتراح وضع ميزانيات عامة ضخمة (ترتيبات مالية مضخمة ) فاقمت من الطلب على النقد الأجنبي ومن تم ارتفاع سعره في السوق السوداء، بالرغم من أن الهدف الأساسي لفرض الرسم هو تضييق الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق السوداء، ولذلك نلاحظ انتكاسات متتالية وتدبدب في سعر الصرف بالسوق السوداء.

كما أن المواطن لا يمكنه تمويل دين استهلاكي لم يعود عليه بأية منفعة ولاتقابله خدمات ملموسة لدى المواطن، وهذا يعنى عدم إمكانية استخدام عائد فرض الرسم لتمويل الدين العام، مستقبلا ،، لكن من ناحية أخرى ، لو أن حصيلة عائد فرض الرسم على مبيعات النقد الأجنبي قد استخدمت بالكامل خلال السنتين الماضيتين لتمويل العجز المتنامي في الدين العام لأدى ذلك إلى تخفيض رصيد الدين بحوالي الثلث، وإلى امتصاص جزء من العملة في التداول والتحكم في عرض النقود، ونرى أنه لا مجال لفرض رسم إضافي جديد على مبيعات النقد الأجنبي مستقبلاً ، لكونه إجراء تورطت فيه الحكومة، وينبغي التوقف عن الاستمرار فيه واستبداله بسياسة سعر صرف يقرر ها المصرف المركزي ويتابع تنفيذها.

اذا كيف يمكن سداد الدين العام ؟

قياسا بالإجراءات التي اتبعت في إطفاء الدين العام المحلي عام 2002، والذى بلغت قيمته حوالى 6.5 مليار دينار، والذى اعتبر في ذلك الوقت معضلة أرقت المسؤولين لعدم وجود موارد كافية وكان الدين لصالح المصارف التجارية في شكل سندات خزانة بعائد، فقد تم إطفاء هذا الدين باستخدام صافي إعادة تقييم أصول وخصوم مصرف ليبيا المركزي نتيجة لتغيير القيمة التعادلية للدينار الليبي في ذلك الوقت، وفقا لاحكام المادة ( 27 ) من القانون رقم ( 1 ) لسنة 2005 بشأن المصارف والتى كان منصوص عليها أيضا في القانون رقم ( 1 ) لسنة 1993 بشأن المصارف والنقد والائتمان الذى كان معمولا به، والجدير بالذكر هنا أن مجرد تطبيق سعر الصرف المحمل برسم مبيعات النقد الأجنبي على معاملات القطاع الخاص والقطاع العام، على حد سواء، لايمكن أن يوفر التمويل الكاف لسداد الدين العام، كما يعتقد البعض، رغم أنه يزيل تشوها من التشوهات التي يعاني منها سوق النقد الأجنبي.

ولكي يمكن استخدام صافي إعادة تقييم أصول وخصوم مصرف ليبيا المركزي لابد من إجراء تعديل في سعر الصرف الرسمي للدينار الليبي بتخفيض هذا السعر ( devaluation) إلى مستوى السعر التوازني اولاً، واعتبار الرسم المفروض حاليا على مبيعات النقد الأجنبي جزء من سعر الصرف الرسمي الجديد على غرار ماتم بخصوص ضريبة النهر الصناعي التي كانت مفروضة على المعاملات بالنقد الأجنبي عام 2002 ، وفتح كافة المعاملات بالنقد الأجنبي لدى المصارف والغاء لقيود المفروضة عليها.

وسيودي ذلك إلى نتيجتين : الأولي زيادة إيرادات الميزانية العامة المقومة بالدينار الليبي من تصدير النفط بمعدلات تتوافق مع نسبة الارتفاع في سعر صرف النقد الأجنبي بالدينار الليبي ومن تم زيادة قدرة وزارة المالية على تمويل مختلف المصروفات وتوفير الخدمات العامة وتحسين نوعيتها،

والثانية ، ضرورة إعادة تقييم أصول وخصوم مصرف ليبيا المركزى المقومة بالدينار الليبي، والتي من المتوقع أن تسفر عن رصيد دائن في حساب احتياطي إعادة التقييم يمكن للمصرف المركزي استخدام ما زاد عن 25% منه في إطفاء الدين العام ( الفقرة ج من المادة ( 27 ) من القانون رقم (1) لسنة 2005 بشان المصارف ). وفي كل الأحوال فان التعامل مع الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد الليبي والتشوهات التي ترتبت على السياسات الاقتصادية التي طبقت خلال العشر سنوات الماضية والآثار السلبية على أساسات الاقتصاد الكلي نتيجة للصدمات المتعاقبة التي تعرض لها الاقتصاد الوطني، ينبغي أن يكون في إطار رؤية محددة توضع لإعادة هيكلة الاقتصاد والتخلص من هيمنة الإيرادات النفطية والعقلية الريعية التي كبلت الاقتصاد ولازالت مند اكتشاف النفط والبدء في تصديره، وفقا لأهداف محددة واستراتيجية لها بعد زمنى محدد يضعها المختصون وتلتزم بها الحكومة والمصرف المركزي.