اتفاق إعادة إنتاج النفط… خطوة مُهمة تنتظر النجاح الكامل

535

عندما أعلن عضو المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني أحمد معيتيق والقائد العام للقوات المسلحة في المنطقة الشرقية المشير خليفة حفتر عن توصلهما لاتفاق يقضي بإعادة إنتاج النفط ضمن مجموعة من البنود والمبادئ يجب تطبيقها في مدة لا تتجاوز الشهر الواحد، ظهرت في الوقت نفسه أصوات معارضة للاتفاق خاصة من الأطراف السياسية في المنطقة الغربية مما أضاف شكوكًا متزايدة حول ما مدى إمكانية نجاح الاتفاق وبنوده بالكامل.

وتزامن إعلان الاتفاق، مع خروج بيانات رسمية من مؤسسات مالية وسيادية مهمة من بينها المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي في طرابلس واللذان نفيا المشاركة في الاجتماعات التي قادت إلى التوصل لاتفاق، لكنهما لم يعلنان الرفض أيضا مما يشير إلى وجود توجه شامل من الأطراف الفاعلة وأبرزها الأمم المتحدة والولايات المتحدة نحو إعادة إنتاج النفط دون انقطاع على الأقل ومن ثم إيجاد حلول للقضايا الأخرى العالقة بين طرفي النزاع.

وعلى عكس ردود الأفعال من الأطراف المنخرطة في الصراع، لاقى الاتفاق ترحيبًا على نطاق واسع من المواطنين المتظاهرين في مختلف المدن والمناطق، خاصة بعدما وصلت الأوضاع الاقتصادية في البلاد إلى مستويات غير مسبوقة في ظل نقص الوقود والكهرباء وانعدام السيولة النقدية، حيث يرون أن هذه الوثيقة يمكن أن تكون قضيتهم الأولى بعيدًا عن الصراعات السياسية التي تحصل وعلى الرغم من إمكانية دخول البلاد في مرحلة انتقالية أخرى أكثر خطورة.

وتنص الوثيقة الموقعة بين أحمد معيتيق وخليفة حفتر، على مجموعة من البنود التي يعتقد الطرفان بأنها تمثل الطريق الآمن أو الأقل خطورة من أجل توحيد مؤسسات الدولة وتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين. ومن بين أبرز تلك البنود إيجاد آلية مناسبة لتوزيع عائدات النفط على الحكومتين في طرابلس وبنغازي بطريقة عادلة، إضافة إلى معالجة الدين العام لكل من الطرفين وتقديم آلية مناسبة لسداده تدريجياً مع ضرورة فتح المقاصة الإلكترونية بين جميع المصارف التجارية وفي مختلف المناطق وتوحيد سعر الصرف لجميع المعاملات الحكومية والأهلية.

ورغم صعوبة تطبيق كل البنود خاصة المتعلقة بمعالجة الدين العام، يعتقد الكثيرون بأن الوثيقة لن تفشل كما يتصور البعض لأنها ليست اتفاق بالمعنى الحقيقي بل تمثل توجها عامًا من قبل الأطراف الدولية المؤثرة في المشهد والتي يمكن أن تكون بداية لمفاوضات سياسية بعيدًا عن لغة الرصاص، لكنها ستكون بطيئة ومعقدة إلى حد كبير.

انفراجة اقتصادية ولكن!

قد يمثل الاتفاق بالفعل بين معيتيق وحفتر انفراجة حقيقية في حال طبقت جميع بنوده، حيث كان إعلان إعادة إنتاج وتصدير النفط له وقع إيجابي في السوق المحلي رغم أن كيفية الاستفادة من عائدات النفط لاتزال غامضة ولم يتوصل الطرفان إلى آلية مناسبة لذلك.

وقال مصدر مقرب من المصرف المركزي بطرابلس لصحيفة صدى الاقتصادية، إن هناك ارتياح كبير بعد الإعلان عن إعادة إنتاج وتصدير النفط الذي يمثل المصدر الرئيس للإيرادات بالعملة الأجنبية للدولة.

وأضاف المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، بأن المركزي تلقى أخبار إعادة إنتاج النفط بكثير من الأريحية، على الرغم من إصداره بيانًا أشار فيه بأنه ينأى بنفسه عن الاتفاق ويرفض إدارج اسم المؤسسة أو المحافظ في مل هكذا اتفاقات، ومشيرا في الوقت نفسه بأن البنود الأخرى المتعلقة بتعديل سعر الصرف ومعالجة الدين العام من اختصاص المجلس الرئاسي عبر عائدات الرسوم المفروضة على بيع النقد الأجنبي.

من جهته، قال وكيل وزارة المالية والتخطيط بالحكومة المؤقتة المكلف مراجع غيث في وقت سابق عقب الإعلان عن الاتفاق، إنه يمثل قاعدة جديدة يمكن البناء عليها وفرصة حقيقية للخروج من النفق المظلم الذي تسير فيه البلاد منذ سنوات.

وأوضح المسؤول في الحكومة المؤقتة وممثلها في اجتماعات روسيا، بأنه لاتوجد مشاكل قد تعيق نجاح الاتفاق رغم حديث الكثيرين عن عقبة الدين العام وآلية توزيع عائدات النفط بعيداً عن القانون الليبي.

وأضاف بأن جميع المسائل يمكن حلها لكنها في حقيقة الأمر تحتاج إلى وقت وجهد مضاعف، مشيرًا إلى أن الخلاف المتوقع سيكون على المرتبات، عكس ما يتوقع الجميع.

وقال حراك همة الممثل للمتظاهرين بمناطق عدة في بيان، إنه يرحب بإعادة إنتاج وتصدير النفط عبر الاتفاق الأخير بين معيتيق وحفتر، ومشيرًا أيضا إلى أن هذه المساعي هي الطريق الوحيد لتحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين حيث أن الإغلاقات أثرت سلبيا على الحياة الاقتصادية لليبيين.

وأوضح عدد من المتظاهرين الذين تحدثوا لصحيفة صدى الاقتصادية، بأن هناك رضى كبير عن الاتفاق الذي حدث بين القيادة العامة بالمنطقة الشرقية وعضو المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني حيث أنه بداية الطريق نحو انفراجة حقيقية للوضع الذي الاقتصادي للبلاد.

وقال أحد المشغلين بشركة مليتة للنفط والغاز، بأن الاتفاق الذي حصل بين معيتيق وحفتر وبالرغم من عدم معرفتهم بكل تفاصيله إلا أنه يعتبر خطوة مهمة رفعت الحصار عن المواني والمواقع النفطية، متوقعا تأثيره الإيجابي سريعا علي حياة المواطن.

وأضاف المصدر الذي فضل عدم ذكر اسمه لصحيفة صدى الاقتصادية، بأنه من ناحيه فنية وطوال مدة الإغلاق فقد سبب مشاكل تحتاج لأموال ضخمة للتغلب عليها، لكنهم يرحبون بأي اتفاق تنعكس نتائجه إيجابيا على الوطن والمواطن.

مرحلة جديدة

يعتقد المحللون الغربيون بأن إعلان اتفاق إعادة إنتاج النفط هو نتيجة للضغوطات الممارسة من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة والذي يمكن تعريفه أيضا بالاتجاه الشامل الذي يرمي لإيجاد حلول واقعية للأزمة في ليبيا.

وقال المحلل في معهد كلينجيندايل ومقره هولندا جلال حرشاوي، إن من ‏يعتقد بأن صفقة معيتيق وحفتر ستنهار فهو مخطئ، حيث أن الواقع يقول بأن صفقة معيتيق وحفتر لن تنهار لأنها ليست صفقة بالمعنى الحقيقي.

- الإعلانات -

وأضاف حرشاوي في تصريح خاص لصحيفة صدى الاقتصادية، بأن وثيقة 18 سبتمبر هي مجرد اتجاه شامل. وتابع بالقول: “تريد كل من الأمم المتحدة والولايات المتحدة استئناف إنتاج النفط، إضافة إلى أنهما تمارسان ضغوطًا على محافظ المصرف المركزي الصديق الكبير للتعامل مع الجهود الجديدة بطريقة أفضل.

وأشار حرشاوي المهتم بالشأن الليبي، بأن هذا يعني أن المفاوضات بشأن ديون المنطقة الشرقية البالغة 40 مليار دينار ستستمر خلال الأشهر القليلة المقبلة، لكنها ستكون مفاوضات صعبة وبطيئة، معتقدا بأن حفتر لا يستطيع اغلاق النفط من جديد.

وقال الباحث في معهد الشرق الأوسط للدراسات عماد بادي، إنه يعتقد بأن الاتفاق الأخير بين خليفة حفتر وأحمد معيتيق لاقى نجاح نسبيًا.

وأضاف بادي في تصريح لصحيفة صدى الاقتصادية، بأن هناك اعتقاد سائد بأن بنود الاتفاق كاملة لا يمكن أن تقبل من الأطراف في الغرب لا سيما المصرف المركزي والأطراف السياسية التي تعارض معيتيق، على الرغم من الإشارات الإيجابية التي أعلن عنها المركزي وكذلك مؤسسة النفط الوطنية في طرابلس.

مصالح متقاطعة

مع ظهور بوادر فترة انتقالية جديدة، كشف الاتفاق الأخير التنافس القوي بين الأطراف المتصارعة على إيجاد نفسها مرة أخرى في المشهد السياسي والاقتصادي والعسكري لبعضها داخل البلاد، حيث مثل الاتفاق تقارب جديد لطرفي الصراع، لكنه أحدث صدمة لأطراف أخرى في المشهد خاصة بالمنطقة الغربية من البلاد.

ومع الترحيب الكبير من قبل القيادة العامة للقوات المسلحة بالمنطقة الشرقية للاتفاق الذي وقعت عليه مع النائب في المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني أحمد معيتيق، تعرض الأخير إلى العديد من الانتقادات جراء الاتفاق الذي وصف بأنه يخدم مصالح سياسية لأشخاص محددين بعيدًا عن الآثار الاقتصادية التي يمكن أن يحدثها في حال طبق بالكامل.

ورفض مكتب المتحدث باسم القيادة العامة أحمد السماري التعليق حول الاتفاق الأخير الذي وقع مع ممثل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، وقال أحد مستشاري المسماري لصحيفة صدى الاقتصادية، بأنه لايمكن التحدث عن الاتفاق، سننتظر إلى نهاية المهلة المحددة في إشارة إلى الشهر المتوقع لتنفيذ بنود الاتفاق كاملة.

وعلى الرغم من ردود الفعل المختلفة التي تفاوتت ما بين ترحيب ورفض وترقب، لم يصدر رفض واضح من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني رغم التحرك الفردي الذي قام به النائب أحمد معيتيق، رغم ما كتب في وسائل الإعلام المحلية والدولية. وتعليقًا حول الأمر، أشار جلال حرشاوي في تصريحه للصحيفة على أن ‏رئيس الوزراء فايز السراج لم يقل أبدا أنه يعارض وثيقة 18 سبتمبر.

وتواصلت صدى الاقتصادية مع المتحدث باسم رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني غالب الزقلعي حول ما مدى تقبل الرئاسي مجتمعا للاتفاق، لكن دون الحصول على رد.

من جهة أخرى، لا يبدو مجلس النواب المنقسم بين طرابلس وبنغازي قادرًا على معارضة أو دعم الاتفاق، حيث أن الانقسام أثر بشكل كبير على المؤسسة التشريعية التي اختزلت مؤخرا في رئيس المجلس عقيلة صالح والمعترف به من قبل المجتمع الدولي والذي يسير باتجاه موازي ويقود مبادرة سياسية واقتصادية لايجاد حلول نهائية لأزمة البلاد.

وقال عضو المجلس الأعلى للدولة الذي يعتبر غرفة استشارية بلقاسم قزيط، إن إعادة إنتاج وتصدير النفط وإيقاف إطلاق النار هما من بين أبرز الأحداث المهمة التي حصلت خلال الفترة الأخيرة، حيث اعتبر النائب إغلاق النفط والحرب بالبلاء العظيم الذي حل على البلاد والمواطن.

وأضاف قزيط في تصريح خاص لصحيفة صدى الاقتصادية، بأن هناك أسئلة تطرح رغم إعلان التوصل لاتفاق إعادة إنتاج النفط وهي هل كان فتح النفط مطلوب مقابل أي ثمن، وهل اتفاق حفتر ومعيتيق خارج القنوات الرسمية مرحب به أم لا من قبل الجميع.

تعويم سياسي

وأشار قزيط إلى أن المقصود من الاتفاق هو التعويم السياسي من أجل إنقاذ من قام بالاتفاق وإيجاد روافع سياسية لشخصين لايهتمان بمعاناة المواطنين على الرغم من الجوانب الإيجابية التي يمكن أن يحدثها الاتفاق.

ويعتقد النائب بمجلس الدولة بأن الاتفاق رغم التسريبات لايزال غير واضح المعالم، إضافة إلى أن مسألة الديون سواء على حكومة الوفاق الوطني في طرابلس أو الحكومة المؤقتة في بنغازى يمكن إيجاد حلول لها مع الوقت، حيث أن الجميع ارتكب الأخطاء التي أدت إلى صرف تلك الأموال وتمويل الصراع وقتل الليبيين.

ويرى قزيط بأن الاتفاق يجب أن يكون من أجل إيجاد حلول اقتصادية ورفع المعاناة عن المواطنين وليس من أجل إنقاذ شخصيات سياسية وإعادة تدويرها، حيث أن الليبيين سيرفضون بقاء حفتر ومعيتيق اللذان كان سببا في معاناة الشعب.

وأضاف: يمكن إيجاد حلول لجميع المسائل العالقة وحتى المتعلقة بمصروفات الدولة وليس الأشخاص، لكن لايزال مبكرا الحديث عن نجاح الاتفاق بالكامل من عدمه.

ومع ذلك، قد يتفق الجميع على أن إعادة إنتاج وتصدير النفط بشروط مسبقة أو بدونها سينعكس إيجابيًا على نواحي عديدة من حياة الليبيين رغم استمرار ظروف الصراع والسلام المؤقت الذي يحدث بين الحين والآخر.

ولكن يجب على الجميع أن يدرك بأنه في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع بجميع أشكاله ويؤسس لمرحلة دائمة يستغل فيها النفط لتنويع مصادر دخل الدولة وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، سيظل قطاع النفط والغاز والذي يمثل أهم روافد الاقتصاد الوظني عرضة لخطر النزاع والتوظيف السياسي على مدى سنوات قادمة.