المعضلة الليبية وإمكانية الاستفادة من التجربة الرواندية … “الجزء الثاني”

127

كتب: د. عبدالله ونيس الترهوني – أخصائي اقتصاديات النقل

حتى وقت قريب كانت السمة السائدة في رواندا هي الحروب والمجاعات والفقر والتخلف، حيث أدت الحرب الأهلية التي وقعت فيها بين عامي 1990 و 1994 إلى إبادة جماعية نجم عنها مقتل أكثر من مليون إنسان من طرفي الصراع (قبيلتي التوتسي والهوتو)، وفي مقابل ذلك نجد أن الاقتصاد الرواندي اليوم هو من بين الاقتصادات التي لا تعتمد على الموارد الطبيعية (رغم ندرتها أصلاً)، وهذا بدوره عزز من النمو الحقيقي للاقتصاد، وقد تبنت رواندا بالفعل برامج الإصلاح الاقتصادي المعتمدة على الحكم الرشيد (الحوكمة) ثم طبقتها بحذافيرها وذلك من أجل تعزيز القدرات التنافسية لجميع الجوانب الاقتصادية بالبلاد، وبالمناسبة فدولة رواندا هي الدولة الأولى في أفريقيا والسادس عالميا بنهاية العام 2017 في مجال تبني الحوكمة، ومع نهاية العام 2018 صار الاقتصاد الرواندي من بين أسرع الاقتصادات نموًا في أفريقيا، حيث بلغت نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي وعلى أساس سنوي 8% وذلك عن الفترة بين عامي 2001 و2017 وفقًا لإحصاءات صندوق النقد الدولي، وبالطبع فإن هذه المعدلات هي عالية جدًّا مقارنةً بمتوسط نمو الاقتصاد العالمي عن نفس الفترة، والذي لم يصل إلى 4% في المتوسط، ووفقًا لنفس الإحصاءات أيضاً فإن نمو الاقتصاد الرواندي خلال الفترة بين 2001 و2017 قد اعتمد بشكل رئيسي على قطاعات البناء والزراعة والصناعات التحويلية، وإجمالاً تهدف الحكومة الرواندية وعلى المدى الطويل إلى تحويل اقتصاد البلاد القائم على الزراعة (ذات المردود المنخفض) إلى اقتصاد متنوع وموجه نحو الخدمات وبالأخص القائمة منها على المعرفة وعلى خدمات العبور بإعتبارها دولة مغلقة.

أما من زاوية الفقر والبطالة، وبحسب إحصاءات البنك الدولي فقد إنخفضت نسبة السكان الذين يعيشون تحت مستوى خط الفقر في رواندا من نسبة 57% من إجمالي السكان في عام 2005 إلى نسبة 45% في عام 2010 (مستوى خط الفقر المدقع الذي حددته الأمم المتحدة يكون فيه دخل الفرد 1.30 دولار/ لليوم)، ويُعد هذا الإنخفاض من بين المعدلات الأسرع في الدول النامية، فيما بلغ معدل التضخم بنهاية العام 2015 نسبة 2.5%، كما بلغ معدل الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنهاية نفس العام نسبة 33.7%، وحجم الدين الخارجي لرواندا حوالي 1.7 مليار دولار.

وبعيداً عن المؤشرات الاقتصادية فإن المؤشرات الاجتماعية في رواندا قد تحسنت كثيرًا هي الأخرى، حيث أرتفع متوسط أعمار السكان بالبلاد لجميع الفئات، وتشير منظمة اليونيسيف (ولكن دون ذكرها لأي أرقام أو إحصائيات) إلى أن رواندا تحوز أعلى معدلات إلتحاق بالمدارس الابتدائية في دول أفريقيا جنوب الصحراء، يأتي كل هذا بالتزامن مع التحسن الملحوظ في الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، فيما تسعى الحكومة الرواندية في قادم السنوات إلى تحسين نوعية التعليم وذلك من خلال التركيز على التعليم التقني والفني، وبناء القدرات من خلال الاعتماد على جودة المدخلات نفسها، فضلاً عن البرامج الناجحة المبذولة لمحو الأمية، والتي تعد من أكبر الهواجس الحالية بالبلاد، وبمناسبة الحديث عن التعليم التقني فقد كنت قد نوهت وعبر أكثر من مقال إلى ضرورة أن تُركز الدولة الليبية على التعليم التقني والفني وبشكل أوسع شرط أن يكون ضمن خطة تعليمية وطنية شاملة تتفق مخرجاتها مع خارطة اقتصادية وطنية مُعدة مسبقاً وطبقاً للموارد المتاحة والممكنة، وبشرط أن يتم وضع حد للتعليم الأفقي (العشوائي) والتركيز بدلاً منه على التعليم الرأسي، مع ضرورة تحديد سقف لبرامج الدراسات العليا سواء بالداخل والخارج كماً ونوعاً، على أن تكون المخرجات متناغمة تماماً مع حاجة سوق العمل الليبي وبجودة عالية ومقاييس عالمية، وعدم الاكتفاء بتخريج أعداد غفيرة بعقول جوفاء لاتحمل إلا شهائد كرتونية، دون أن نغفل عن الدور السلبي (لبعض) مؤسسات التعليم العالي الخاصة والتي ساهمت هي الأخرى في تخريج أعداد غفيرة غير مؤهلة لسوق العمل، وإنضمامهم بالتالي تلقائياً لأعداد العاطلين عن العمل في البلاد.

وإذا كان التعليم هو مفتاح أي نهضة فإن مكافحة الفساد هي أحد غايات التعليم (استعرضت في الجزء الأول من المقال السياسات والآليات التي اتبعتها رواندا في مجال التعليم)، وفي هذا الجانب وبحسب مؤشر الفساد «CPI» للعام 2018 والصادرعن عن منظمة الشفافية الدولية فإن رواندا تُعد أقل البلدان فسادًا في أفريقيا، وهي بالمناسبة تحتل المركز 50 عالميًّا، وقد أشار التقرير أيضاً إلى التحسن الكبير في محاربة رواندا للفساد، وإلى عزم حكومتها على إتخاذ المزيد من الخطوات لتُصبح خالية تماماً من الفساد، وهذا التحدي يمثل قوة الإرادة وإرتفاع الحس الوطني لهرم السلطة فيها وللحكومات الرواندية المتعاقبة في بلد كان بالأمس بائس وجائع، ونهض للتو من حرب أهلية مدمرة، وعلى النقيض من ذلك تماماً فإن دولة ليبيا هي من بين أكثر الدول فساداً في العالم وتحتل الترتيب 170 من أصل 176 دولة شملها المؤشر عن نفس السنة.

أختم بالقول… إنني أرى الفرصة مواتية في ليبيا للإنطلاق نحو تحقيق تنمية شاملة ومستدامة وذلك من خلال التعامل مع الوطن وموارده وفق المعايير الصحيحة والمهنية فقط، بعيداً عن المغانم واقتسام المناصب والمكاسب سواء بالمغالبة أو بالجهوية أو المعتقد، وبالتالي فإنه يجب على الساسة الليبيين (في المراحل القادمة) أن يعملوا بمهنية ومسؤولية وبواعز وطني للنهوض بالبلاد كما نهضت كثيراً من الدول من كبواتها، مع الأخذ في الإعتبار أن قطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة على وجه الخصوص هي في حاجة إلى متخصصين وأكفاء (لاعلاقة لهم بالسياسة ولا المناكفات السياسية ولا المحاصصة) وأن يكون خدمة الوطن هو همهم الأول، وخدمة المواطن هي رسالتهم، ومنهجم في ذلك هو البراغماتية (وهو مصطلح يعتبر نجاح العمل هو المعيار الوحيد للحقيقة، ويربط بين التطبيق والنظرية)، وأذُكر الجميع بأنه بعد أن بلغ ضنك العيش في ليبيا مراحل غير مسبوقة فإن من بين ما تعلمناه من هذه التجربة المريرة هو أن مشكلة الحكم ومن يحكم في حد ذاتها هي آخر مايهم الشعب، فالعبرة بنتائج الحكم وليس بطريقة الحكم، كما أن السياسة والحكم في حد ذاتهما لا يخضعان لأي معايير علمية، أو حتى للمنطق في بعض الأحيان.

حفظ الله ليبيا ورعاها، وجمع أبنائها على كلمة سواء.

رابط الجزء الأول

المعضلة الليبية وإمكانية الاستفادة من التجربة الرواندية… “الجزء الأول”