“محمد أبوسنينة” يكتب عن حماية المستهلك المالي والحاجة لإصدار قانون خاص بحماية المستهلك في ليبيا

104

كتب: الخبير الاقتصادي “محمد أبوسنينة”

لم تعد حماية المستهلك المالى ترفًا أو شعارات ترفع بل صار حقا تكفله التشريعات وتؤكد عليه المعايير الدولية المنظمة لتقديم الخدمات المصرفية، فقد تعود الناس على الحديث عن حماية المستهلك في الأسواق وجودة السلع وضمان خدمات ما بعد البيع، ومحاربة الغش والاحتكار وتعزيز المنافسة، وقد تأسست لهذا الغرض جمعيات متخصصة ضمن مؤسسات المجتمع المدنى والمؤسسات غير الربحية، حيث كانت البدايات الأولى لهذا التوجه في الولايات المتحدة الأمريكية فى الستينات والسبعينات من القرن الماضى، وقد اشتهر فى هذا المجال السيد رالف نادر فى الولايات المتحدة الأمريكية.

اليوم العالم مهتم بحماية المستهلك بصفة عامة والمستهلك المالي بصفة خاصة من عمليات الغش والتحايل وانقاص الوزن ومخالفة المواصفات والمعايير والممارسات غير المسؤولة المصاحبة لتقديم الخدمات المصرفية والمنتجات المالية والمغالاة في فرض العمولات والرسوم وأسعار الخدمات المصرفية، فقد استحدثت المصارف المركزية أقسامًا لحماية المستهلك المالي ضمن الرقابة على القطاع المصرفى وبما يتفق والمعايير الدولية التى أقرتها لجنة بازل للرقابة المصرفية، حيت أدركت المصارف المركزية وجود علاقة بين حماية المستهلكين الماليين واستقرار الأسواق وكفاءتها، وبقدر ما يعتبر البناء المؤسسي والتشريعات والقوانين والوعي المصرفي أركان لأى نظام مالي ومصرفي فإن حماية المستهلك المالى تعتبر رُكنًا أساسيا لهذا النظام.

ومن أهم مكونات وأسس حماية المستهلك المالى ما يلى:

– الشفافية وضوابط الائتمان لمحفظة التجزئة.
– وضع سقوف على بعض العمولات والرسوم المستوفاة من عملاء التجزئة على الخدمات المصرفية.
– حماية حسابات العملاء المجمدة.
– معالجة شكاوى العملاء ومتابعتها والرد عليها.

ويتطلب ذلك وضع ضوابط دُنيا للإفصاح لدى تسويق المنتجات والخدمات من قبل المؤسسات المالية والمصرفية الخاضعة لرقابة البنوك المركزية، ويعتبر مدى الالتزام بمبادئ حماية المستهلك المالى مؤشرا لمستوى تقدم القطاع المصرفى ونوعية الخدمات المصرفية التى يقدمها، ولا فضل للمصارف فيما تقدمه من خدمات لعملائها، فهم أصحاب الأموال المودعة بها، والمصارف تجنى أرباحا ومكاسب من خلال استثمارها لهذه الأموال، والحال هكذا؛ أليس من حق زبون المصرف أو ما يعرف بالمستهلك المالي الحصول على خدمة جيدة وأن يُعامل باحترام وأن يتم استقباله بلطف، وأن يكون شعار العاملين بالمصارف “هل يمكننى مساعدتك” أو “كيف يمكننى مساعدتك”، هذا واجب كل موظف مصرفي وليس مِنّة، ومن حق العميل أن يعرف بالتفصيل الرسوم التى تتقاضاها المصارف مقابل ما تقدمه من خدمات وأن يكون ذلك معلنًا بشفافية فى كتيبات تصدر عن المصارف أو عبر مواقعها على شبكة المعلومات الدولية، وبهذه الطريقة يمكن للمستهلك المالي المفاضلة بين المصارف واختيار التعامل مع المصرف الذى تتسم خدماته بالشفافية ويقدمها بأفضل الأسعار.

إن استغلال المصارف والمؤسسات المالية للظروف غير المواتية والأزمات بفرض رسوم استثنائية أو رفع معدلات رسوم تقديم الخدمات يعتبر عملا غير أخلاقي ويتنافى مع مباديء ومعايير حماية المستهلك المالي، كما أن فرض رسوم أو عمولات وتحصيلها مباشرة من حسابات العملاء دون علمهم وموافقتهم يعتبر نمطًا من أنماط الاستغلال السيء، بل يشكل خرقا للأعراف المصرفية وإخلالا بالعقود والمواثيق التى تنظم العلاقة بين العميل والمصرف.

فتح الحساب المصرفي، واستخراج بطاقة سحب ذاتي أو بطاقة دفع مسبق الكترونية، أو الحصول على سلفة اجتماعية، أو إجراء حوالة مصرفية، أو سحب مبلغ باستخدام بطاقة مصرفية، كلها خدمات تنظمها إجراءات معروفة وتحكمها لوائح وعقود ملزمة للمصرف والعميل، وهذه الإجراءات واللوائح والعقود يجب أن تكون شفافة ومعروفة ومعلنة لذى كل مصرف، وأن يتأكد قسم حماية المستهلك لدى المصرف المركزى من الالتزام بها ومراقبتها ومتابعة ما يرد بشأنها من شكاوى والتحقق منها، ولعل أخطر أنماط الإخلال بحقوق المستهلك المالي، مخالفة مبدأ سرية الحسابات المصرفية، والتصريح بأرصدة هذه الحسابات لجهات أو أفراد غير مخولين قانونا، مما يعد مخالفة لأحكام قانون المصارف ويشكل جريمة يعاقب عليها القانون.

إن تفشى بعض الظواهر السلبية المصاحبة لتقديم الخدمات المصرفية هو مبعث للقلق، إذ لا يخل بحقوق المستهلك المالى فحسب؛ بل يؤدي إلى اهتزاز الثقة في القطاع المصرفي، مما يدفع عملاء المصارف إلى سحب ودائعهم والعزوف عن الاستمرار فى التعامل من خلال المصارف واللجوء إلى الاحتفاظ بأموالهم خارج القطاع المصرفي وانحسار دور الوساطة المالية التي تقوم بها المصارف، الأمر الذي يهدد الاستقرار الاقتصادي والمالي، فمن حق المستهلك المالي في ليبيا أن يحظى بالحماية اللازمة وعليه أن يعي حقوقه كاملة وعلى السلطة النقدية المعنية بالرقابة والإشراف على المصارف والمؤسسات المالية ممارسة دورها فى هذا المجال.

وبالنظر إلى أن القانون رقم (1) لسنة 2005 المعدل بالقانون رقم (46) لسنة 2012 قد تضمن بعض المواد التي نظمت جانبا من العلاقة بين العميل والمصرف، أي بين المستهلك ومزود الخدمة، والتي توفر قدرا من الحماية لعملاء المصارف ومنها:

– المادة ( 93 ) التي تنص على أنه “لا قيد على حرية المودعين في التصرف في أرصدة حساباتهم لدى المصارف الخاضعة لأحكام هذا القانون وفقا للشروط المتفق عليها عند فتح تلك الحسابات.
– لا يجوز المساس بالأرصدة المذكورة أو التنفيذ عليها إلا بمقتضى حجز قضائي أو إداري.
– تعفى الفوائد المدفوعة على أرصدة حسابات التوفير من الضرائب والرسوم كافة.

المادة (94) نصت أنه على المصارف الاحتفاظ بسرية حسابات زبائنها وأرصدتها وكافة عملياتهم المصرفية، ولا يجوز أن تسمح بالاطلاع عليها أو كشف أو إعطاء بيانات عنها للغير إلا بإذن كتابي من صاحب الحساب أو من جهة قضائية مختصة.

- الإعلانات -

المادة (95) نصت على أنه يحظر على رؤساء وأعضاء مجالس الإدارة ومديري المصارف والعاملين بها إعطاء أو كشف أي معلومات أو بيانات عن زبائن المصرف أو حساباتهم أو أرصدتهم أو تمكين الغير من الاطلاع عليها في غير الحالات المرخص بها بمقتضى أحكام هذا القانون.
– ويسري هذا الحظر على كل من يطلع بحكم مهنته أو وظيفته أو عمله بطريق مباشر أو غير مباشر على البيانات والمعلومات المشار إليها.

المادة (96) نصت على أن أحكام المادتين 94 و95 لا تخل بما يلي:

– التزام المصرف بإصدار شهادة باتباع رفض صرف الصك، بناءً على طلب صاحب الحق.
– حق المصرف في الكشف عن كل أو بعض البيانات الخاصة بمعاملات الزبون اللازمة لإثبات حقه في نزاع قضائي ينشأ بينه وبين زبونه بشأن هذه المعاملات.
– الإجراءات التي تتخذ بشأن الصكوك الراجعة ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

غير أن هناك جوانب أخرى مهمة تتعلق بحماية المتعاملين مع المؤسسات المالية والمصرفية لم يغطها قانون المصارف ومنها على سبيل المثال:

– حماية حسابات العملاء المجمدة (غير المتحركة).
– معالجة شكاوى العملاء ومتابعتها والرد عليها.
– وضع سقوف على بعض العمولات والرسوم المستوفاة من عملاء التجزئة على الخدمات المصرفية.
– الشفافية وضوابط الائتمان لمحفظة التجزئة.

“وهناك حاجة لوضع الأطر التنظيمية التي تكفل حماية ( المستهلك / العميل ) عند تعامله مع مقدمي الخدمة المالية أو المصرفية بما يحد من المخاطر التي قد يتعرض لها العملاء في ظل ازدياد وتعقد المنتجات المالية التي تتم عبر وسائل الاتصال والتكنولوجيا الحديثة والمقدمة من البنوك والمؤسسات المالية، وما يتطلبه الأمر من ضرورة وجود هيئة إشرافية قادرة على تطبيق آلية الرقابة على تلك الجهات تكون على قدر من المهنية التي تؤهلها لاتخاد القرار المناسب وفرض العقوبات – إن تطلب الأمر ذلك – في حال وجود أي تجاوزات أو أخطاء قد ترتكب من مزودي الخدمة المالية أو المصرفية”.

وقد أثمرت الجهود الدولية المتمثلة في ما صدر عن مجموعة العشرين ( G-20 ) بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها مجلس الاستقرار المالي، في اعتماد مباديء عامة حول حماية المستهلك في مجال الخدمات المالية، عرفت بالمباديء العشرة حول حماية المستهلك المالي، وذلك على النحو التالي:

المبدأ الأول: الهيكل التنظيمي والقانوني والرقابي لحماية المستهلك المالي.
المبدأ الثاني: دور الهيئات الرقابية والإشرافية.
المبدأ الثالث: المعاملة المنصفة والعادلة للمستهلكين.
المبدأ الرابع: الإفصاح والشفافية.
المبدأ الخامس: الثقافة والوعي المالي.
المبدأ السادس: مسؤولية السلوك المهني لمقدمي الخدمات المالية والوكلاء المعتمدين.
المبدأ السابع: حماية أصول المستهلك من الاحتيال أو سوء الاستخدام.
المبدأ الثامن: حماية بيانات وخصوصية المستهلك.
المبدأ التاسع: إدارة ومعالجة الشكاوى.
المبدأ العاشر: المنافسة.

بالإضافة إلى أهمية تحديد دور ومسؤوليات المصرف المركزي في قضايا حماية المستهلك للخدمات المالية والمصرفية، “حيث يرى البعض أنها مسؤولية هيئات وجهات حماية المستهلك وليست مسؤوليات المصارف المركزية، ويرى البعض الآخر أنه على ضوء ما تحمله هذه القضايا من مخاطر على النظام المالي والمصرفي فإنه على المصارف المركزية إدخال قضايا حماية المستهلك كجزء مهم من الإجراءات الرقابية والإشرافية لها، وإن أقل ما يمكن أن يصدر عن المصرف المركزي دليل أو ميثاق لحماية المستهلك المالي يتضمن المباديء العشرة سالفة الذكر.

وبغض النظر عن هذا التباين في وجهات النظر حول الجهة المسؤولة عن حماية المستهلك المالي، فإن المصارف المركزية معنية بصفتها الجهة الرقابية والإشرافية على المؤسسات المصرفية وعليها أن تعمل على قيادة الجهود الوطنية لتطوير القواعد اللازمة لتوفير الحماية الكافية للعملاء في الخدمات المالية والمصرفية، إما بصفة مباشرة أو بالتعاون مع الجهات والهيئات الأخرى.

“وبالنظر لأهمية هذه الجوانب فإن الأمر يقتضي إصدار قانون خاص بحماية المستهلك في ليبيا يتضمن أحكاماً مفصلة لحماية المستهلك المالي، أو تطوير قانون المصارف رقم ( 1 ) لسنة 2005 المعدل بالقانون رقم 46 لسنة 2012 بحيت يتضمن كافة الجوانب المتعلقة بحماية المستهلك المالي وفقا لأفضل الممارسات.

وبالرغم من أن قانون النشاط التجاري رقم (23) لسنة 2010 قد خصص باباً لحماية المستهلك، إلا أن ما ورد به كان في شكل أحكام عامة تعنى بحماية المستهلك بشكل عام ولا تتطرق للخدمات المالية والمصرفية التي تتصف بالخصوصية نظرا لتعدد أنواعها وأساليب تقديمها، وصارت عابرة للحدود، وتلعب فيها تقنية المعلومات دورًا كبيرًا بما في ذلك التعامل بما يعرف بالنقود الالكترونية والتي تشكل بيئة خصبة لاستغلال المستخدم أوالمستهلك الذي يتعامل فيها، والنيل من حقوقه في ظل عدم توفر المعلومات الكافية وضعف الوعي بآلياتها وبمخاطرها، وعدم الالتزام بالشفافية المطلوبة التي ينبغي أن تعمل في ظلها المؤسسات المالية والمصرفية، فضلا عن صعوبة تكييف الأحكام العامة التي وردت بقانون النشاط التجاري عند النظر في القضايا وتسوية المنازعات التي تنشأ بين المستهلك (عميل المصرف) ومزود الخدمة (المصرف أو شركة الخدمات المالية).

لهذه الأسباب مجتمعة فإن الحاجة إلى إصدار قانون لحماية المستهلك يتناول حماية المستهلك المالي تعتبر من متطلبات تطوير قطاع الخدمات المالية والمصرفية في ليبيا.