ما هي التحديات التي ستعقب تعديل سعر الصرف؟

952

ظل التفائل سائد الموقف من الجميع طيلة الأيام الماضة وحتى الآن، في ما يتعلق بالخطوات التي يقوم بها المصرف المركزي في طرابلس هذه الأيام من أجل توحيد سعر صرف الخاصة بعملة الدولار والذي من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها بشيء من الاستقرار بعد سنوات من التخبط الاقتصادي.

وعلى الرغم من هذا التفائل، يوجد بالفعل ما يدعو للقلق بالنسبة للمواطنين أو ما ينظر له بأنه تحدي قادم يجب الاستعداد للتعامل معه من قبل المؤسسات المالية مع قرب إعلان توحيد سعر الصرف الجديد للجميع سواء كانت الحكومة ومؤسساتها أو المواطنين والقطاع الخاص، في ظل الأزمات الحالية والمشاكل العالقة.

خلفت الفترة الماضية والتي تميزت بالانقسام والتخبط والصراع بين المؤسسات المالية والسياسية خاصة بين الحكومة وبين المصرف المركزي العديد من المشاكل ومنعت إيجاد حلول لها والتي من أبرزها أزمة السيولة إن صحت تسميتها حيث أنه إلى الآن لم يزل المصرف المركزي غير قادر على وضع الآلية المناسبة لإنهاء الأزمة والتي أصبحت قضية مهمة للمواطنين.

ومع توحيد سعر الصرف الذي يتوقع أن يكون على 4 إلى 5 دينار مقابل الدولار الواحد، يرى الكثيرون بأن هناك ضرورة للتعامل مع مسألة المرتبات المعقدة جدا وفق نظرهم، حيث أن عدد الأشخاص الذين يتقاضوا مرتباتهم من الخزينة العامة يعتبر كبير جدا مما يجعل عملية تحسين تلك المرتبات المتدنية أمر غير قابل للتطبيق والذي من شأنه أن يمكن الموظفين من مواجهة الوضع الاقتصادي الذي سيفرضه السعر الجديد للدولار.

ويعتقد الكثيرون أيضا بأنه لا توجد خيارات كثيرة في حال كان السعر الجديد للدولار موحدًا للجميع سوى منح علاوة الأسرة لتحسين قيمة المرتبات خاصة وأن وزارة المالية بحكومة الوفاق الوطني أعلنت استمرارها في التمسك بقرار خفض المرتبات بنسبة 20% خلال العام القادم، أو إيجاد ما يشبه منحة أرباب الأسر التي من غير المتوقع أن تكون مؤثرة كما في السابق حيث كان هناك ثلاث أسعار للدولار على الأقل.

وذهب البعض إلى أن سعر الصرف المتوقع للدولار والذي يتراوح ما بين 4 إلى 5 دينار سيكون مرتفع جدا فيما يقترح أن يكون السعر أقل من أربعة دينار للدولار الواحد، حيث أنه يمكن أن يدخل البلاد في حالة جمود اقتصادي خاصة وأن الأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد لاتزال قائمة ولايوجد أفق واضح لنهايتها، إضافة إلى تأثيرات أزمة فيروس كورونا التي هي أيضا لاتزال مؤثرة.

تبدو المخاوف من حصول جمود اقتصادي بسبب تحديد سعر مرتفع للدينار مقابل الدولار متوقعة في ظل حالة الفوضى وعدم الاستقرار التي تعيشها البلاد، الأمر الذي ينعكس سلبا على بقية نواحي الحياة. لكن يمكن للحكومة أن تلعب الدور الأبرز خلال المرحلة المقبلة والتي يتوجب من خلالها الاستفادة بصورة صحيحة من الأموال التي ستتحصل عليها عبر الرسوم المفروضة على بيع النقد الأجنبي بمنح علاوة الأسرة أو إيجاد طريقة تمكن المواطنين من الحصول على الأموال بطريقة مباشرة.

آثار عكسية

وتساءل أحد الخبراء الاقتصاديين عن كيف ستكون أوضاع المواطنين المعيشية خاصة لأصحاب الدخول المحدودة، وما هو الأثر على عقود الدولة المبرمة مع الشركات الأجنبية عند إقرار السعر الجديد مستقبلا؟

وقال محمد يوسف في تصريح لصحيفة صدى الاقتصادية إن هناك خوف بأن يكون إقرار سعر جديد للدينار مقابل الدولار دون دراسة راشدة تأخذ فى اعتبارها مجموعة عوامل واجبة سوف يقود إلى زيادة التزامات الدولة والموردين من الدنانير لتغطية الدولارات المطلوبة.

وأضاف يوسف بأن تحديد سعر مرتفع للدولار يمكن أن يؤدي أيضا إلى زيادة شريحة المحتاجين خاصة أصحاب الدخول المحدودة.

ويرى بأن المسألة على الرغم من أهميتها إلا أنها تحتاج إلى وقت كافي للدراسة من جوانب مختلفة حتى لا يؤدي الأمر في النهاية إلى انهيار الأوضاع الاقتصادية وتأثر المواطنين أصحاب الدخل المحدود من السعر الجديد الذي سيرفع من الأسعار في حال لم تجد الحكومة حلول لمنع ذلك عبر تحسين الأجور أو العلاوات.

دور حكومي

وقال خبير اقتصادي قريب من المركزي ومطلع على الموضوع، إنه في حال تمكن المصرف من تحديد سعر جديد للدينار مقابل الدولار فإن الدور يأتي على الحكومة للتعامل مع الوضع الاقتصادي الجديد الذي ستفرضه رسوم العملة.

وأوضح الخبير الذي فضل عدم ذكر اسمه لصحيفة صدى الاقتصادية، بأن المسألة تتعلق بالسعر الذي ستكون عليه الرسوم الجديدة حيث كل ما ارتفع الرقم كلما كانت العملية أصعب حيث أن غلاء المعيشة سيصبح أمر حتمي مما يجعل الحكومة مطالبة بتحسين المرتبات أو دخول المواطنين حتى يتمكنوا من التعامل مع الوضع الاقتصادي الجديد في البلاد.

ومن المتوقع أن ينعكس السعر الجديد على المواد الغذائية والأدوية على وجه التحديد وهي الأشياء الأكثر أهمية بالنسبة للمواطنين. وأشار إلى عملية تحسين المرتبات مستبعدة جدا حيث أنها ستؤدي إلى مزيد من عرض النقود المتفافم في البلاد وتتعارض أيضا مع سياسات وزارة المالية بحكومة الوفاق الوطني.

ويعتقد بأن الإجراء الذي سيقدم عليه المصرف المركزي بطرابلس من خلال تحديد سعر جديد للصرف مترافق مع دراسة لجميع الأوضاع التي يمكن أن تحدثت بعد هذا القرار ومن جميع الجوانب المتعلقة بالحكومة والمواطن والسوق المحلي وتأثيرها على الاقتصاد بشكل عام.

ويرى مراقبون بأن ما يمكن أن يؤثر على جوانب كثيرة من حياة المواطن ليس سعر الصرف وحده ولكن السياسة الاقتصادية بشكل عام بعد هذا الإجراء التي لابد أن تضعها وتنفذها الحكومة من خلال ضبط الأسعار ومعدلات التضخم أي القوة الشرائية للدينار، وسياسات الأجور التي تحقق قدراً من العدالة، خاصة في ظل انعدام سياسات الضرائب والإئتمان المصرفي والإقراض وأسعار الفائدة أو بدائلها.

وكانت وزارة المالية بحكومة الوفاق الوطني أشارت في وقت سابق إلى أنها تعمل على احداث تغيير في السياسة المالية في ظل ارتفاع الانفاق الحكومي التسييري مقابل الانفاق التنموي، حيث كانت البلاد في العام ما قبل 2011 تذهب نصف ميزانيتها للتنمية والتي بدورها تخلق في عدد كبير من الفرص والوظائف للمواطنين وانعكاسها يعتبر مباشر وقوي على الاقتصاد الوطني.

وتحاول الوزارة الإبقاء على نفس معدلات الإنفاق مع تغيير شكله من خلال ضغ الأموال عبر برامج التنمية وإيجاد فرص عمل بالقطاع الخاص والتقليل من التضخم في القطاع الحكومي الذي يرهق الخزينة العامة سنويًا.

ويتفق الغالبية أن على الحكومة الاستعداد لوضع خطة شاملة وتصور لما بعد الإعلان عن السعر الجديد للصرف، مع التأكيد أيضا على أن استمرار الصراع خاصة بين مؤسسات الدولة في طرابلس كما في السابق يمكن أن يعرقل كل الجهود التي يجب بدلها لاستكمال خطة الإصلاحات الاقتصادية رغم غياب الاتفاق السياسي حتى الآن بين جميع الأطراف المتنافسة.