خبير نفطي يتحدث عن سعر الصرف والتضخم والواردات

342

كتب الخبير النفطي “محمد أحمد” مقالاً حول “سعر الصرف والتضخم والواردات” .

بداية يجب أن أقول إنني أميل مع الاتجاه الذي يقول بضرورة تعديل سعر صرف الدينار بما يتوافق مع حقائق الاقتصاد والسوق، وقد أتخذ المصرف المركزي القرار بكامل مجلس الإدارة عند سعر معين بناء على لجنة فنية مشكلة لهذا الغرض.

مستوى السعر الجديد سيكون بالطبع مسئولية متخذ القرار سواء على المستوى الاستشاري أو المستوى التنفيذي وحيث أننا كمراقبين من الخارج تغيب علينا الكثير من الحقائق والمعطيات والمؤشرات التي تم بناء عليها الوصول إلى مستوى السعر الجديد سيكون من الصعب علينا التخمين بصحة أو خطأ المستوى الجديد لسعر الصرف.

ولأننا نعيش تحت نظام تثبيت السعر فلا يوجد آلية واضحة لاكتشاف السعر بعكس الأنظمة التي تعتمد على تعويم سعر الصرف لا أظن أن القرار الآن قابل للإلغاء أو التراجع بالرغم من غرابة تاريخ وضعه للتنفيذ أي بعد أكثر من أسبوعين من اتخاذه.

الآثار التي يمكن أن يحدثها القرار على الاقتصاد الليبي لا تزال في علم الغيب ومجال خصب للتنبؤ والتنبؤ المضاد أخذا في الاعتبار ما سبق أجد نفسي حائرا أمام الكثير من التبريرات التي تورد من الكثير من الاقتصاديين عن فوائد التعديل عند هذا المستوى بالذات لدرجة أني قرأت أن هذا القرار هو أهم قرار اقتصادي تم اتخاذه منذ سنة 2011.

خبير اقتصادي كبير هو د. عطية الفيتوري أعلن أنه يعترض على آليات تحديد السعر لأنها جاءت من داخل النظام المصرفي وليس من خارجه أو حتى بالاشتراك مع خبراء من خارج النظام، وهي إلى حد كبير ملاحظة في محلها.

وفقا لنقاشات ومقالات منشورة لسادة محترمون لهم صلة بقرار المركزي فأنهم أشاروا بأن هناك احتمال أن يتم تخفيض السعر المقرر بعد فترة من الزمن إذا ما استقرت الأوضاع الاقتصادية.

هذا يعني ضمنيا أن اللجنة اختارت سيناريو تحديد أعلى سعر صرف يمكن من بعده التخفيض فيما يشبه آلية السعر الزاحف، السيناريو المعتدل أو السيناريو المنخفض تم استبعادهم حيث أرجح شخصيا لعدم مرونة المصرف المركزي في الاستجابة للتغييرات الفجائية التي قد تحدثها عمليات المضاربة والالتفاف.

حقيقة لا أتفق كثيرا مع هذا المدخل لأن السعر الزاحف يتم تنفيذه بأسلوب مخطط له ومفاجئ يصعب على المضاربين عملية التحوط ضده، صحيح أنه يعطي مسافة متقدمة للمصرف عند بدء السباق ولكن مرونة المضارب ولياقته ستقصر هذه المسافة بسرعة عند انطلاق الصفارة.

فالسيناريو الأعلى أو الكنس من فوق سيخلق ضغوطا تضخمية لا شك في الاقتصاد لحين إتمام عملية التراجع الزاحف لسعر الصرف هذا سيجرنا للنقاش حول الأثر التضخمي المتوقع من تغيير سعر الصرف.

الفريق الذي يؤيد سعر الصرف الجديد يقول بأن التضخم سينخفض نتيجة المقارنة بسعر سوق السوداء وتكلفة الواردات الحقيقة أن التضخم لا يتراجع وأن تراجع سيكون بنسبة بسيطة جدا وهي حقيقة اقتصادية يجب أن لا يتم التغافل عنها حين تقديم المستوى الجديد كحل لمشكلة التضخم.

في الرسم المرفق يمكن ملاحظة التضخم في عدة دول في الشرق الأوسط من ضمنها ليبيا. فهرس التضخم index أو التضخم التراكمي يرتفع سنويا وقد يحدث تراجع بسيط لا يزيد عن 2% سنويا.

ما يتم طرحه بأن تجربة الرسوم على سعر الصرف خفضت التضخم هو غير دقيق بالمطلق، قد تكون خفضت التغيير السنوي للتضخم في الرسم الثاني الملاصق ولكنها لم تخفض الأسعار السائدة في السوق.

ومهما كان سبب التضخم سواء كان أخطاء في قرارات النقدية والمالية أو عوامل دولية ألا أن المجتمع سيكتب عليه أن يعيش مع مستوى الأسعار الجديد بعد حدوث التضخم، وسيكون على السلطات تعديل مستويات المعيشة أما برفع الأجور أو الدعم لحكومي للأسعار.

وقد يرجع تباطؤ التضخم في ليبيا في سنة 2019 في نسبة منه إلى إضافة رسوم على سعر الصرف إلا أن التأثير الأكبر أتى من بيئة عالمية وإقليمية محيطة كان التضخم فيها يحقق تباطؤ في معدلات تسارعه وهو موضح في الرسومات المرفقة لدول إيطاليا، الجزائر، مصر ……

من ناحية أخرى فإني أجد الكثير من الخزعبلات في النقاش حول موضوع الواردات. في اعتقادي يجب أن نصحح الكثير من المفاهيم الخاطئة لدينا حول هذا الموضوع وعلاقته بالتأثير في سعر الصرف.

أتفهم تماما مصلحة فئة التجار أو بالأحرى الموردين في ضرورة ثبات سعر الصرف وتوفر العملة الصعبة بمستوى واحد للجميع.

ما أجد صعوبة في تقبله هو أن يتم تصميم سياسة سعر الصرف حول محور وحيد هو قيمة الواردات في الرسم المرفق تجدون قيمة الواردات لعدة دول في الشرق الأوسط وشمال افريقيا.

القيمة الاجمالية للواردات الليبية هي أصغر بكثير من دول مثل تونس أو الكويت وهي دول تقارب ليبيا في عدد السكان و هناك أزمة حقيقية في موضوع إدارة الواردات في المجتمع فالرغم من الاختلال في الميزان الجاري لا يبدو أن قطاعات التوريد تستطيع أن توفر متطلبات السوق المحلي بصورة متزامنة وكافية.

اللاكفاءة في هذا القطاع لا يجب أن يتم تحميله للمواطن الليبي في صورة سعر صرف أعلى لتشجيع التصدير إلى السوق الليبية.