ما يجب على “الحكومة” فعله بعد تعديل سعر الصرف؟

660

مع بداية العام القادم، يُنتظر من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس اتخاذ الكثير من الإجراءات التي من شأنها أن تساهم في الاستفادة قدر الإمكان من تعديل سعر الصرف الصادر عن المصرف المركزي مؤخرا، حيث يتوقع أن يُحرر القرار الحكومة من قيود كثيرة أبرزها التخلص من العجز في الموازنة.

ويرى كثيرون بأن الطريق أصبح ممهدًا للحكومة من أجل المضي قدما في الإصلاحات الاقتصادية التي عرقلت في السابق، حيث كان تعديل سعر الصرف أحد أهم ركائزها غائبًا، بينما استُبدل بما كان يعرف بالرسوم المفروضة على بيع النقد الأجنبي والتي أدت في نهاية المطاف لنشوب خلاف بين المركزي والحكومة على كيفية التصرف فيها بسبب التوسع في الإنفاق وقضية الدين العام التي يبدو أنها أجلت لأشهر أخرى.

وينظر إلى الإجراء الذي اتخذه المركزي بتعديل سعر الصرف على أنه خطوة يجب أن يقابلها الكثير من العمل من قبل حكومة الوفاق الوطني حتى تتمكن وبشكل متناغم مع المركزي من تحسين الأوضاع الاقتصادية للمواطنين وخاصة أصحاب الدخل المحدود حيث أن ما بعد قرار توحيد وتحديد سعر الصرف ليس كما قبله.

ومن المتوقع أن تحاول الحكومة توحيد الميزانية العامة للدولة للعام المالي القادم 2021، والذي يعتبر انجاز مهم لو تحقق في ظل الوضع السياسي الأكثر هشاشة منذ فترة، حيث أن حدوث جمود أو إنهيار للجهود السياسة يمكن أن يعيد البلاد للمربع الأول وينعكس قرار سعر الصرف سلبيا على الاقتصاد والمواطن، بحسب مراقبين.

خطوات محددة

وقال الخبير الاقتصادي عبدالحميد الفضيل، إن هناك مجموعة من الخطوات الضرورية والتي يجب على الحكومة تطبيقها مع بداية العام القادم من بينها التقليل في الإنفاق وإعادة النظر في التفاوت غير العادل للمرتبات، إضافة إلى تفعيل قانون علاوة الأسرة للرفع من القدرة الشرائية للمواطن ومواجهة تكاليف سعر الصرف.

وأضاف الفضيل في تصريح لصحيفة صدى الاقتصادية، بأن التقليل من الإنفاق الاستهلاكي مقابل التنمية سيساهم في صناعة العديد من الفرص مع إمكانية إعادة تدوير الأموال لصالح المواطنين عبر المشاريع وتوفير الوظائف، بعيدًا عن الإعانات المباشرة التي يطالب بها الكثير.

ويرفض الفضيل خيار الإعانات دون برامج محددة حيث يؤكد بأن صرف علاوة الزوجة والأبناء في وقت مبكر من يناير المقبل يعتبر إجراء سليم للغاية يجب أن يتبعه انخفاض كبير في الإنفاق عبر ميزانية محدودة رغم من محاولات توحيدها على مستوى البلاد للمرة الأولى منذ سنوات. وطالب الفضيل الإسراع في تفعيل منحة الزوجة والأبناء خاصة وأن الحكومة ليس لها عذر كما كان في السابق بسبب نقص التمويل.

ويعتقد بأن الذهاب في خيار الميزانية الموسعة والإنفاق الاستهلاكي سيجعل كمية الأوراق النقدية التي في التداول أو التي هي ودائع في البنوك كبيرة جدا مما يزيد الطلب النقد الأجنبي والذي يتعارض مع سياسات المركزي حيال ذلك.

وأشار إلى أن مسألة تفاوت المرتبات مهمة جدا في عملية الإصلاحات الاقتصادية التي يجب اتخاذها، حيث هناك فوارق كبيرة بين المرتبات يصل بعضها إلى 35 ضعف مما يجعل عملية إيجاد الحد الأدنى للأجور أو دعم دخول الموظفين غير قابلة للتطبيق، حيث طالب بإعادة جدولة المرتبات وفقا لمبدئ العدالة الاجتماعية.

موارد أخرى

وأكد الخبير الاقتصادي على ضرورة إعادة النظر أيضا في مسألة الإنفاق على التنمية أو ما يعرف بالإنفاق التنموي، حيث يعتقد الفضيل بأنه رغم الأرقام التي تتحدث عن وجود أموال مخصصة للتنمية لكن الواقع يتحدث عكس ذلك، فيما يرى بأنها الفرصة المناسبة لفعل ذلك نتيجة للأموال المتوقع الحصول عليها من بيع النقد الأجنبي لكل الأغراض.

ومن الضروري حسب الفضيل تعزيز الإيرادات غير النفطية مثل الجمارك والضرائب والتي لا تشكل سوى 5% من إيرادات الدولة كاملة.

ما بعد القرار!

يبقى اجتماع مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي في حد ذاته خطوة مهمة في طريق طويل نحو الوحدة المفقودة، حيث يعتبر قرار تعديل سعر الصرف نقلة نوعية في الاتجاة الصحيح ولكن -كأي قرار اقتصادي- سيكون له تحديات كبيرة وخيارات متعددة حيث التعامل مع هذه التحديات سيحدد نجاح أو فشل القرار.

وبحسب الباحث في البنك الدولي محمد الصافي فإن قرار المصرف المركزي يتكون من شقين، حيث أن الشق الأول هو توحيد سعر الصرف على الجميع لجميع الأغراض بينما يتعلق الشق الثاني بتحديد السعر الجديد.

ويعتقد بأن هناك توافق عام حول أن الشق الأول يعتبر خطوة صحيحة جدًا ومطلوبة لسد لإغلاق أحد أبواب الفساد ولكن الخلاف الآن يتعلق بالشق الثاني، حيث أن الكثير يعتقد بأن السعر الجديد ليس الرقم الصحيح الذي كان يجب أن يحدده مجلس إدارة المصرف المركزي.

وأوضح الصافي لصحيفة صدى الاقتصادية بأنه من المتوقع أن تواجه الحكومة مجموعة من التحديات أبرزها أن السعر العالي قد يسبب في ركود اقتصادي في حالة عدم إنزاله تدريجيا، إضافة إلى عدم قدرة المركزي والمصارف التجارية على توفير العملة للجميع بدون تمييز، وهذا إن حصل يتسبب في ارتفاع كبير (أكبر من السعر السابق) في السوق الموازي.

وأضاف المتخصص في الشأن الليبي بأنه يجب عدم العمل بشكل موازي من الجسم التنفيذي “الحكومة” لتحسين الوضع الاقتصادي لأصحاب الدخل المحدود كدفع علاوة أرباب الأسر وغيرها من السياسات المالية لتحسين وضع المواطن، إضافة إلى تحدي أخير وهو الوضع السياسي العام الهش والذي أي انحراف فيه قد يعود بنا إلى المربع الأول أو أسوء من ذلك.

إنشاء صندوق

ونصح الصافي الحكومة والمسؤولين بإنشاء صندوق من الفائض الكلي الناتج من تعديل سعر الصرف وتوضيحه بالأرقام مع أوجه الصرف لهذه المبالغ الجديدة وتحديد أولويات هذا الصندوق التي يجب ان تتركز على أمور محددة ومهمة.

ومن بين الأشياء التي يجب أن تحاول الحكومة معالجتها أو تخصيص جزء من الأموال لاستخدامها هي في دعم أصحاب الدخل المحدود ودعم المشاريع الصغرى والمتوسطة، إضافة إلى تحسين الخدمات الصحية والتعلمية في البلاد.

وأشار إلى أنه في حال كانت الحكومة ترغب في استعمال جزء من الفائض لدفع الديون فإنه لا بد لها من اتباع الشفاشية وأن تعلن عن النسبة التي سوف تستقطعها لسداد الديون الحكومية.

لا يمكن النظر في قرار تعديل سعر الصرف كاطوق النجاة أو العصا السحرية التي ستحل جميع المشاكل الاقتصادية. لا بد من استقرار الوضع السياسي والأمني لكي نتمكن من السير بخطوات ثابتة نحو الإصلاح وأن أي حرب أخرى ستكون تكلفتها باهظة على الاقتصاد الوطني. لكن أيضا يبقى قرار التعديل معتمد في نجاحه أو فشله على المسار السياسي التي تقوده الأمم المتحدة.