محددات الأجور والمرتبات: ما الذي يمكن أن يحدد نظام للأجور في ليبيا؟

186

كتب: محمد الشحاتي – خبير بمجال النفط

لا يمكننا اليوم القول بأن الدولة الليبية ستستمر وفقا للضوابط الاقتصادية السابقة والتي تسقط تباعا يوما بعد يوم. وبينما يجد الكثيرون في الاتجاه إلى نظام حرية السوق بشكل كامل حلا للمعضلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد الليبي، يشعر الكثيرون أيضا بعدم وجود ضمانات كافية بعدم سقوط النظام الاقتصادي في ليبيا برمته في فخ الاحتكارات نتيجة انسحاب الدولة من دورها كضامن للتوازن في النشاطات الاقتصادية.

مشكلة الأجور وتحديدها بين القطاعات المختلفة هي أحد أخطر العقبات في فترات التغيير هذه. ففي حين أن الرأي السائد في المجتمع الليبي ينظر إلى هذه المشكلة من زاوية عدالة توزيع الدخل بصفة أن الثروة النفطية هي فائض مالي ينبغي أن يكون لليبيين جميعا حصص متساوية فيه بقدر الإمكان ألا أن التسونامي القادم والذي بدأ في الوصول فعلا لا يعترف بهذا الخط التبريري في توزيع الثروة وينظر إلى الموضوع من زاوية قوى السوق الحر.

من زاوية التحليل النظري فأن مسألة الأجور هي قضية اقتصاد جزئي وبنفس الوقت اقتصاد كلي. من ناحية الاقتصاد الجزئي فأن التحليل يتعلق بنظرية القيمة والزيادة الحدية في الدخل والمنافسة بينما يتناول الاقتصاد الكلي قضية الأجور من ناحية الطلب الكلي المؤثر في قضايا الاقتصاد الكلي وهي الاستهلاك والنمو والتضخم.

لا شك أن هناك تعارضا على نحو ما بين تناول كل فرع للقضية حيث يمكن أن ينظر إليها من زاوية كيف يمكن المؤامة بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة، ومحور التنظير هنا من ناحية رياضية هو أن مجموع المصالح الفردية لا يساوي أبدا المصلحة العامة.

دعوني أناقش بعض المبادئ من ناحية الاقتصاد الجزئي بداية حول قضية الأجور. مبدئيا الأجر الاقتصادي للفرد يتحدد بالقيمة التي يضيفها للمنشأة التي توظفه وبمنهج اقتصادي (القيمة الحدية للدخل marginal revenue product)، وتحدد هذه القيمة بعاملين أساسيين هما إنتاجية الفرد، وسعر بيع السلعة.
لنفرض على سبيل المثال فردين يعملان في مجال جني محصول البرتقال. فالفرد الذي يعمل أسرع ويجمع أكبر قدر من البرتقال في سلته يجب أن يتم مكافئته بأجر أعلى عن ذلك الذي يعمل بصورة أبطء. وإذا ما افترضنا أن ساعة العمل في مجال جني البرتقال تساوي 50 دينار بشرط جني 100 كج مثلا فأن ذلك يعطي مؤشرا حول إنتاجية العامل حيث جني 50 كيلو مثلا في ساعة سيجعل الأجر 25 دينار. هناك بالطبع التواء لهذا النموذج إذا ما غيرنا نوع المحصول مثلا من برتقال إلى زيتون. وهذا يتعلق بالفرق في سعر السلعة حيث قد يرتفع أجر العامل إلى 80 دينار عن كل 100 كج في جني الزيتون.

قد ينظر البعض من ناحية المساواة أن الأجر بالعمل في مجال جنى الأشجار يجب أن يتوحد وذلك بأخذ المتوسط أي 65 دينار للساعة عن كل 100 كج، وهو أمر تم تجريبه في الواقع ولكنه لم يصادف النجاح لأنه ببساطة ينافي مبادئ العدالة. التبريرات عادة تكون كثيرة هنا أحدها هي نظرية المساواة الاجتماعية ومنع الاستغلال وغيرها وهي تحمل في طياتها بدون شك نوعا من المبادئ النبيلة نسبة إلى التطبيقات الشرسة التي يفرضها نظام السوق الحر.

وبالرغم من أني لا أود الدخول في الجدل الايدلوجي ولكن أود أن أعطي مثلا بسيطا جدا هو ما موقف شخص قصير القامة لا يستطيع الوصول إلى الأشجار إلا بسلم وعليه حمله من شجرة لأخرى مقارنة بشخص طويل القامة يمكنه أن يتنقل حرا بدون هذا الثقل، وفي حالات أخرى قد يكون الوضع معكوسا.

هل يمكن القول إن مبدأ الدخل الحدي صالح هنا، طبعا هذا الواقع من ناحية جزئية ولكن دعوني أضيف هنا الناحية الكلية، فمن ناحية صاحب المزرعة هو يريد جني ألف كج برتقال في اليوم وإلا فأن نصف المحصول سيفسد (أما طبيعيا أو بانخفاض سعر البيع) العامل طويل القامة لا يستطيع سوى جنى 700 كج يوميا، وجاء القصير وشرط أن يزيد مكافئته إلى الضعف لتعويضه عن انخفاض الإنتاجية فمن أين سيأتي صاحب المزرعة بالإضافة بدون أن يخسر من أرباحه. هذا يمكن تطبيقه على المجتمع بالكامل في صورة كلية.

وقد أرفقت لكم رسما بسيطا عن العوامل التي تؤثر في تحديد الأجور في نظام السوق وهي واضحة بذاتها ولا أظن أنني سأشرحها تجنبا لتحذير العديد من الأصدقاء من الإطالة. ما أود التركيز عليه هنا أن هذه العوامل تفترض خطأ وجود الآتي:

وجود قياس للإنتاجية: ربما في بعض الأعمال يمكن وجود قياس للإنتاجية بفعل أنها تتعامل مع سلع مادية، ولكن هل يمكن قياس إنتاجية المعلم، القاضي، الممرضة، هل هم بعدد من تعامل معهم أو بصعوبة من تعامل معهم ومن هنا تكون قياس الإنتاجية ظنية أكثر منها مادية.

منافسة كاملة: لا بد من الاعتراف أنه لا يوجد نظام يعمل بالمنافسة الكاملة أما داخل الصناعة نفسها أو من ناحية ارتباطها بالصناعات الأخرى، ففي هيكل احتكاري مثل أنشطة التوريد لسلع معينة يمكن للصناعة أن تدفع أقل من القيمة الحدية للدخل للموزعين المحليين بينما في صناعات حرجة أو متماسكة نقابيا يمكن للعمال فيها أن يطالبوا بأعلى من القيمة الحدية.

وجود ثقافة واحدة: مثلا لاعب كرة السلة في الولايات المتحدة أعلى أجرا من لاعب كرة القدم بينما مثلا في العالم الآخر ومن ضمنها ليبيا فأن الوضع معكوس نتيجة لتفضيل لعبة على أخرى.

اليوم ومع تخفيض سعر صرف الدينار الليبي وتوقع فائض فأنه لا يمكن لأحد أن يقنعني بأنه لن يكون هناك ضغطا من جميع شرائح المجتمع والصناعات المختلفة بزيادة الأجور. الحجة التي تقول إن التضخم سينخفض لذا لن يحتاج الليبيون إلى زيادة في الأجور وبالتالي في الإنفاق الحكومي هي حجة ضعيفة جدا في رأيي الشخصي. التضخم لن يتراجع لأن هذه أسعار السوق التي تم اكتشافها فحتى لو تم التراجع فأن سيكون محدود جدا بنسبة لن تزيد عن 2-3% سنويا مقابل زيادات وصلت إلى 30% في سنوات سابقة. الأجور الحالية هي ليست كافية وسيتم الضغط على أرباب العمل سواء كانت الحكومة أم القطاع الخاص لزيادة الأجور لمقابلة المستوى الجديد من الأسعار.

هناك قضايا ديناميكية مصاحبة لهذا الاتجاه تتعلق من ناحية اجتماعية بالفرق بين الطبقات ومن ناحية سياسية بالاستقرار. إذا ما افترضنا اليوم أن سباق زيادة الأجور سينطلق فلمن سنعطي السبق. هناك شرائح زادت فعلا من أجورها في مقدمتها السياسيين، فهل سيتم توقفهم أم أنهم سيطالبون بالدخول في السباق من نفس نقطة البداية.

إذا ما افترضنا أن الدولة قادرة على زيادة الأجور بنسبة 20% مثلا وهو وارد جدا في ظل سعر الصرف الجديد فكيف يمكن تطبيق هذه الزيادات. أنا هنا لا أتكلم عن الزيادة الأخيرة ولكني أتحدث عن الزيادات كسلسلة زمنية وهي في الغالب ما سيحدث في المستقبل.

في أوضاع يتم المطالبة فيها بتشجيع القطاع الخاص فإن عمليات زيادة المرتبات الحكومية ستكرر نفس السلسلة الماضية من حيث توجه العمالة الجديدة إلى القطاع العام الذي تكون فيه معايير مقياس الإنتاجية منخفض بالمقارنة بالقطاع الخاص مما يتيح فائضا للقيمة للعامل، وهو ما سيشجع القطاع الخاص لاستيراد العمالة الرخيصة من الخارج لتعبئة الفراغ.

مواضيع من شأن الحد الأدنى للأجور ونسب الزيادة السنوية والتكيف الضريبي هي عوامل حرجة جدا قبل البدء في السباق لرفع الأجور، وما يوجد حاليا من تشريعات وقوانين هي غير قابلة أبدا لموائمة الاحتياجات الجديدة بعد تكسير كل الضوابط السابقة. من خلال مراقبتي لم أجد حتى اليوم حتى النية في مراجعة وتحديث هذه التشريعات بالتصاحب مع الدعوات للانجراف نحو اقتصاد مفتوح بالكامل.