الشحاتي يكتب : جدلية الحد من الفساد: تشوهات اقتصادية أم سوء إدارة

33

كتب محمد الشحاتي الخبير بمجال النفطي مقالا


لم استمع للتقديم الذي قام به مجموعة من السادة بغرض عرض برامجهم من أجل نيل الثقة في الحصول على منصب رئيس الوزراء، وأجد نفسي أتفق مع معظم الأصدقاء وكذلك الكثير من الليبيين الذين أجمعوا أن البرامج الانتخابية في هذه المناسبة لا معنى لها بسبب قصر الفترة الزمنية التي مخطط أن تبقى فيه السلطة المفترضة في الموقع وفقا لبرنامج بعثة الأمم المتحدة.

لذا افترضت أن الحملات الانتخابية التي جرت البارحة هي نوع من التدريب أو على الأقصى هي حملة علاقات عامة تقوم بها قوى سياسية بغرض تقديم ممثليها إلى الشعب الليبي عن طريق الاعلام المدعوم بالقوة المعنوية للأمم المتحدة.


ما لفت انتباهي موضوع مواجهة الفساد وهو حديث الساعة بعد إثارته بشكل لافت من قبل مبعوثي الأمم المتحدة معالي السيد غسان سلامة ومن ثم معالي السفيرة ستيفاني وليامز في صحف عالمية بتوجيه اتهامات مباشرة للنخبة التنفيذية المسئولة في ليبيا.

ولأني لم أسمع مباشرة فأني قرأت أن هناك عدد من المرشحين من رد بأن طريقتهم في مواجهة الفساد هو اصلاح التشوهات الاقتصادية في النظام الاقتصادي الليبي.
.
مبدئيا هنا لا أتفق مع هذا الطرح ليس في هذه المناسبة فقط بل كأسلوب متبع من بعض النخب في ليبيا في طرحهم لقضية مواجهة الفساد. وأشدد هنا أن في روح هذا الجدال كما فهم مبعوثي الامم المتحدة أخيرا وبعد محاولات عديدة للفهم تقع قضية الصراع الليبي.
.
الفساد أولا ليس قضية اقتصادية على الاطلاق بل هو أما قضية سياسية أم قضية مالية. حصر الفساد في الاقتصاد يعني هروب سياسي من المواجهة الحقيقية.

في الواقع لا يوجد نظريا اقتصاد نموذجي يمكن الرجوع إليه كمقياس لتحديد ما يطلق عليه “تشوه اقتصادي”.

إذا كان المقصود أن الاقتصاد النموذجي هو التطبيقات الرأسمالية فهذا من ناحية فلسفية وعملية خطأ كبير فتلك التطبيقات مجردة “مثل الخصخصة” وبدون تضبيطها وتعديلها هي أكبر محفز للفساد.

ثانيا فأن الفساد لا ينتج من طبيعة النظام الاقتصادي فالمنظومة الشيوعية السابقة في الاتحاد السوفييتي والحالية في الصين مع كل التحفظات المشروعة على أدائها لم ينتشر فيها بالشكل الحاد الذي نألفه في المنظومة الرأسمالية.

السبب يرجع بالتأكيد إلى فعالية الإدارة في الحد من ثغرات انتشار الفساد عن طريق أساليب وقائية مؤثرة وأساليب عقابية مشددة قد تكون أحيانا غير متفقة مع حقوق الانسان.


هذا يقودني للقول إن الأسلوب الفعال لمواجهة الفساد هو تحسين الأداء الإداري مع تفعيل القوانين أي “اصلاح هيكلي إداري” قبل أن يكون “اصلاح هيكلي اقتصادي”، بذلك نسد الطريق على الطبقة السياسية من التهرب من واجبها في هذا الشأن العام المحوري من خلال تبنيها سياسة إلقاء البطاطس الساخنة للغير، والحذر من عدم الانجرار مع دعوات مصلحية قبل أن تكون إيدلوجية تنحو إلى إزالة دعائم استقرار اقتصادي في المجتمع لصالح طبقة معينة، وهذه تجربة لمسناها شرقا وغربا في الإقليم العربي والإسلامي وكذلك على مستوى العالم.