الترهوني يكتب : جدلية منظومة تتبع البضائع الواردة إلى ليبيا

524

كتب د.عبد الله الترهوني:

منذ مطلع شهر فبراير الجاري توقفت سلطات الجمارك بالموانئ الليبية من مصراتة شرقاً وحتى زوارة غرباً عن الافراج عن البضائع بسبب تنفيذها لقرار وزارة المالية بضرورة إرفاق شهادة تتبع البضاعة للاقرار الجمركي، ومنذ ذلك اليوم وحتى هذه الساعة سال حبر كثير عن الموضوع وأدلى كثيرون بدلوهم مما أدى لتشويش ولغط كبيرين ودون أي فائدة تذكر.

إحقاقاً للحق فالموضوع ليس جديد بل هو منشور وتم تعميمه منذ شهور مضت، وفي جوهر الموضوع هو عقد موقع بين شركة تركية ضمن منظومة ECTN ووزير المالية الليبي، وبالمناسبة هي سابقة في حد ذاتها أن يقوم وزير بتوقيع عقد تجاري مع شركة وهو على رأس الوزارة، وأوضح ذلك الاستاذ محمد الرعيض في مذكرته الموجهه للنائب العام في 10 فبراير الجاري وأوضح فيه كذلك أن ماتجنيه الشركة التركية سيكون 70% من إجمالي الايرادات في مقابل ادائها لهذه الخدمة ولمدة 4 سنوات.

على الرغم من غرابة هذا الاجراء في شكله والمفتقر لابسط ابجديات العمل الصحيح في مضمونه، إلا أن مصلحة الجمارك قد عممت في آخر ايام شهر يناير 2021 على جميع الموانئ بعدم الافراج عن البضائع مالم تكن مرفقة بشهادة تحمل كود التتبع إعتباراً من اليوم التالي للتعميم، الامر الذي أدى الى تكدس البضائع في موانئ غرب ليبيا وأدى ببعض التجار إلى تحويل بضائعهم الى موانئ شرق ليبيا والتي لاتطبق هذا الاجراء باعتبارها تتبع الحكومة المؤقتة، أضف الى ذلك فإن تطبيق هذا الاجراء قد راكم على ليبيا مزيد من غرامات التأخير الواجبة السداد بالعملة الصعبة.

غرفة الملاحة البحرية وغرفة التجارة والصناعة والزراعة وغرفة التجارة بمصراتة لم تقف مكتوفة الايدي فعقد رئيس الاولى اجتماعاً مع إدارة الجمارك طالبهم فيه صراحة بتعليق العمل بهذا الاجراء، فيما وجه رئيس الثانية وفي نفس اليوم مذكرةً للنائب العام أوضح فيها الكم الهائل من العيوب والمغالطات التي شابت هذا الإجراء، في حين قامت ادارة الجمارك وعلى استحياء بالتعميم نهاية دوام الخميس 11 فبراير بالتعميم على اداراتها بالموانئ المذكورة بالافراج عن البضائع الواردة الى الموانئ الليبية قبل حلول شهر فبراير ودون الحاجة لشهادة التتبع وبشرط أن يوقع المورد على تعهد مكتوب، وهو إجراء والعدم سواء لان العمل بالمنظومة أساساً يبدأ مع بداية شهر فبراير.

من جانبها تناولت الاعلامية زينب تربح الموضوع من خلال تواصلها مع اكثر من مورد والذين اوضحوا ان الشركة التركية هي شركة لتجميع البيانات وليس شركة تفتيش وأن كان لها عدة فروع في عدة دول، وانها عملها يتلخص في جمع مايحال لها من مستندات عبر الوسائل الالكترونية من الموردين ودون ان يكون لها مفتشين او عدادين أولجان حصر على الارض، وهذا يعني انه بالامكان شحن حاويات فارغة أو حتى تقديم مستندات مزيفة والحصول على الكود المطلوب، بل واوضح احد الموردين ان الشركة التركية قد طلبت معلومات لايمكن البوح بها مثل ثمن البضائع الحقيقي واجمالي الكمية التي يرغب المورد في توريدها الان وفي المستقبل ومصدر العملة…..الخ، في حين اوضح الرعيض في مذكرته المشار اليها الا أن الموضوع اصبح يمس الامن القومي وأن كل مايورد الى ليبيا صار مكشوفاً ويمر حصراً عبر نافذة واحدة أجنبية وليست ليبية، والأنكى من كل هذا أن هذه الشركة أصبحت هي المتحكمة في كل مايورد الى ليبيا والذي لابد أن يمر من خلالها حصراً، أضف الى ذلك أن كلفة هذا الاجراء سيتحملها المواطن الغلبان وهي غير ثابتة بالمناسبة، وقد وصلت الى 620 دولار امريكي لمعاملة واحدة بحسب ما أشار له الرعيض.


إن موضوع تتبع البضائع ليس بجديد وقد تم تطبيقه في اكثر من دولة وبالاخص في قارة افريقيا، وأن نظام ECTN في حد ذاته هو نظام قديم قد عفا عليه الزمن، وان المبالغ الطائلة التي ستجنيها الشركة التركية هي أولى أن تستفيد بها ليبيا هذا من حيث التفاصيل، اما من حيث المبدأ فهناك عديد الاسئلة التي تطرح نفسها: فماهو المغزى من هذا الاجراء في ظل توحيد سعر بيع الدولار في ليبيا، وماذا يعني توقيع عقد بين وزير وشركة تجارية بعينها ودون الاعلان عن تلقي أي عروض أو مناقصات، ثم لماذا لم توضح وزارة المالية حيثيات هذا الموضوع عبر وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي، ولماذا لاتقوم به شركة محلية هذا اذا كانت هناك ضرورة لهذه الاجراء من الاساس، ولماذا لم تُفعل فكرة الشباك الموحد بالموانئ، والسؤال الاهم هل أنعدمت الثقة بين وزير المالية وسلطات الموانئ المتمثلة في الجمارك ومركز الرقابة على الاغذية والادوية؟

في خضم هذا الحديث أبلغني شخص مختص في هذا النوع من الامور بأن أحد تطبيقات الثورة الصناعية الرابعة هي سلاسل الكتل Blockchain والتي من خلالها يستطيع اي مُصدر أو مُورد في الدنيا أن يقوم بتعبئة نموذج معين من خلال تطبيق في هذه السلاسل ثم يقوم بتحميل مستنداته بكل سهولة ليصدر له رقم أو كود في الحال ثم يقوم بتقديمه لسلطات بلاده وذلك قبل وصول البضائع للميناء، والتي بدورها تلج لنفس السلاسل عبر الانترنت لتتأكد هي بنفسها من صحة الاجراء ومصداقية المستندات، وبالمناسبة فإن هذا الاجراء يتم من اي مكان في العالم وفي مقابل رسم يعود لصاحب التطبيق سواء كان فرد او شركة والذي لن يتجاوز 10 دولار امريكي في أسوأ الاحوال.

الضرورة الان تقتضي أن يخرج وزير المالية ويوضح كل شئ عن هذا الموضوع، وأذكره بأن إصدار القرارات والمراسيم يحتاج الى تأني ومشورة بل والى ورش عمل مع الجهات ذات العلاقة، بالرغم من أننا نرى عكس ذلك تماماً في بلادنا التي تمزقها الفوضى ويسودها التشظي، وأن الفساد قائم ومستشري ولن يوقفه مثل هذا الاجراء، وبدوري أنصح من يملك الشجاعة وفي مركز المسؤولية الى الغاء هذا الاجراء في هذه المرحلة على الاقل، وان تتولى وزارتي المالية والاقتصاد في حكومة الوحدة الوطنية (المرتقبة) القيام بهذا الاجراء إن كانت له ضرورة من الاساس وأن يتم ذلك بالتنسيق التام مع الموردين ومع غرفتي التجارة والملاحة البحرية.