الشحاتي يكتب : قراءة نقدية لتقرير جلوبال ويتنس عن موضوع الاعتمادات لمصرف ليبيا المركزي

224
كتب : محمد الشحاتي الخبير بمجال النفطي مقالا

نشر معهد جلوبال ويتنس تقريرا بعنوان “كيف يمكن لمخطط التمويل التجاري الليبي المقدر بمليارات الدولارات أن يحتال على البلاد من خلال مصارف لندن”.

وقد تم مشاركة هذا التقرير على نطاق واسع سواء على مستوى الصحافة العالمية أو على وسائل التواصل الاجتماعي.


بداية معهد جلوبال ويتنس هو مؤسسة غير ربحية تأسست في سنة 1993 وتعمل من عدة دول مقرها الرئيسي لندن/المملكة المتحدة. هدف هذه المؤسسة كما يتضح من صفحتها على الانترنت هو الوصول إلى عالم متساوي وعادل ومستدام.

وتهدف المؤسسة إلى أن تزدهر الغابات ذات الأهمية المناخية والتنوع البيولوجي وأن يظل الوقود الأحفوري في الأرض وتطلب من الشركات أن تحترم الكوكب وحقوق الإنسان، وأن تحمي الحكومات مواطنيها وتستمع إليهم، وأن يكون عالم الإنترنت خاليًا من المعلومات المضللة والكراهية.


لا شك أن هذه جملة من الشعارات البراقة التي تجذب مجموعة كبيرة من البشر حولها، ولكن يبقى الأمر كيف يمكن تحقيق هذه الشعارات التي تصل إلى حدود الأوهام أحيانا. حاول العاملون في هذه المؤسسة التركيز على إيجاد رابط بين الموارد الطبيعية، الصراعات، والفساد.

وتبرز المؤسسة إنجازاتها في الكشف عن تجريف الغابات من قبل جماعة الخمير الحمر في كمبوديا، تجارة الماس الدموية، والكشف عن تريليونات من عوائد النفط، والغاز والتعدين تحت المجهر.


لا أدري حقا فعلا هذه إنجازات كبيرة ضد الانحراف والفساد السياسي والمالي وهي مواجهة فعلية ضد عصابات ذات بأس شديد على المستوى العالمي، مما يثير الحيرة في كيفية عمل هذه المؤسسة ومدى الحماية التي يتمتع بها أعضائها في هذه الحرب الدموية المريرة والشرسة.


أول فكرة قفزت إلى عقلي “من الممول؟”
إذا دعونا نراجع من يقوم بتمويل هذه المؤسسة، في تقريرها السنوي لسنة 2019 تصرح المؤسسة أن تمويلها يأتي من عدة مصادر هي: حكومات 20%، صناديق ومؤسسات 68%، أفراد 9%، منظمات غير حكومية 1%، تبرعات 2%.

ويبلغ مجمل مصاريفها 9.093 مليون جنيه إسترليني.

لا توجد إشارة واضحة عن الهيئة الفعلية لهؤلاء الممولين.


هنا يتكشف الامر نوعا ما، جلوبال ويتنس هي منظمة رافد للحكومات، منظمة رافد لأجهزة المخابرات ونظم جمع المعلومات في الغرب وهي متعددة ومتنوعة الغرض، ولكنها في النهاية تصب في اتجاه واحد وهو السيطرة الخفية.

لا يعني هذا بالطبع أن ما تتناوله غير حقيقي بقدر ما يعني أنه يصب في اتجاه سياسي.


في المنظومة السياسية الغربية وبعيدا عن نظرية المؤامرة فأن أذرع تجميع المعلومات وقنوات الاستشعار كثيرا ما تتخذ هيئات غير رسمية لتسهيل عملها بتجنب الوصول إلى عمقها. مثلا منظمة العفو الدولية أو “أمنستي” بالرغم من كل ما يحيط بها ألا أن اتجاهها السياسي التراكمي لا يمكن أن تخطئه عين فاحصة مراقبة، وهكذا.

وبالمثل منظمات مثل بلاتفورم Platform والتي كشفت بعد الغزو الأمريكي للعراق الانحرافات التجارية لشركات النفط الغربية في العراق، وجلوبال ويتنس Global Witness واوكسفام وغيرها والتي تغطي جوانب غير متصلة مباشرة بحقوق الانسان فهي ظاهريا تخدم هدف انساني نبيل مثل الذي بدأت به التعليق أعلاه وتتناول قضايا حقيقية قد تستفيد منها شعوب كثيرة، ولكنها في العمق مرتبطة بأنظمة الاستشعار السياسي للمنظومة الغربية وتشير بوضوح إلى اتجاهاتها المستقبلية.


التقرير المنشور هنا تقرير غريب في موضوعه وتوقيته. فمن ناحية الموضوع هو تقرير لا يهاجم مباشرة المؤسسات المالية والتجارية الليبية بقدر ما هو يركز على حركة الأموال النفطية عبر لندن وهو ما أشار إليه بوضوح بأنه لا يتهم الشركات الموجودة بالتقرير بأي جرائم أما من ناحية التوقيت فأن التقرير يأتي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي.


التقرير واضح في حد ذاته وهو مكتوب بالعربية والانجليزية على السواء ويمكن للقارئ أن يطلع عليه ولكني أود أن أشير إلى بعض الملاحظات الهامة في رأيي الشخصي عن أبعاد وآثار هذا التقرير وهي كما يلي:
أولا: أن الأرقام التي أوردها التقرير أولا فاضحة بشكل كبير وتشير إلى وجود انحراف في موضوع الاعتمادات المستندية ويجب على المؤسسات المالية الليبية وعلى رأسها مصرف ليبيا المركزي، وزارة المالية “المتحكمة في سلطات الجمارك” والمصارف المحلية والشركات التجارية المذكورة في قاعدة البيانات أن تثبت العكس، خصوصا أن المعلومات التي استعملتها جلوبال ويتنس مصدرها “مصرف ليبيا المركزي” نفسه.


ثانيا: أن موضوع تعارض المصالح بين مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة العربية المصرفية موضوع جدي وخطير. وبينما تغمض سلطاتنا العين عن هذا الموضوع الخطير فأننا لا يمكن أن نوقف الآخرين من فضحه والإشارة إليه.

بالنسبة لموضوع ازدواجية المنصب بين محافظ مصرف ليبيا المركزي ورئاسة المؤسسة العربية المصرفية فهو موضوع متصل ليس باحترام القانون فقط، بل باحترام كرامة وعقلية الشعب الليبي.

لا يمكن على الاطلاق بسبب أن مرتب محافظ المركزي ضعيف أو منخفض أن تقبل السلطات التنفيذية والتشريعية بأن يكون “المحافظ” على رأس مؤسسة مالية لها صلة بالعمليات المصرفية اليومية التي ينبغي على المحافظ أن يراقبها.

الامر بسيط هنا إذ لم يكن بالإمكان تغيير “المحافظ” لأي سبب من الأسباب كان ينبغي أن يتم منحه تعويضا ماليا مساوي لمرتبه في المؤسسة العربية المصرفية من قبل الحكومة الليبية على أن يستقيل من كل الوظائف الأخرى تجنبا لإحراج الشعب الليبي بهذه المهانة الكبيرة التي ستسجل في التاريخ خصوصا بعد إشارة التقرير إليها بوضوح.


ثالثا: أجد من ناحية قانونية ويمكن أن يساهم الأصدقاء القانونيون في الصفحة في هذا الأمر أن التقرير يشير إلى انحراف وثغرة في النظام المصرفي البريطاني الذي سمح بتمرير مثل تلك الصفقات المشبوهة والذي وصفه بأنه “جريمة غسيل أموال” مسألة في غاية الأهمية مما قد يشجعنا نحن في ليبيا للمطالبة بالتعويض من النظام المصرفي البريطاني.

وفي نفس الوقت يجب أن نكون حذرين جدا في عملية مرور الأموال عن طريق المصارف المراسلة التي يقوم عليها العمل في النظام المصرفي الليبي حيث إن تقرير مثل هذه قد تؤشر لإجراءات قادمة يمكن فيها أن تقع الأموال الليبية العامة تحت طائلة التجميد بسبب الفساد، تعارض المصالح، أوغسيل الأموال.

https://www.globalwitness.org/ar/discredited-ar/?fbclid=IwAR2gXM7AcJewUOLfYNN_G_jKnAHLASK7MQXsAkwmZockJdujhykPKlNBfVA