هل محاربة الفساد أولوية حاليا: أين الحد الفاصل بين الواقعية ومطالب “جني مصباح علاء الدين”

67

كتب الخبير بالمجال النفطي محمد الشحاتي : الكثير من المقالات والبرامج الإعلامية والوصايا الدولية تقوم هذه الأيام عن طريق مباشر أو غير مباشر باقتراح أولويات مختلفة للوضع السياسي الجديد في ليبيا، وبينما القليل من هذه الاقتراحات استطاع أن يكسر حلقة المطالب الملحة المثيرة للإستياء المحبط للمواطن الليبي بتركيزها على عمق الأزمات ومحاولة علاجها بفعالية، سقطت كثير من الاقتراحات لترديد مطالب خيالية من “جني مصباح علاء الدين” وتوقع استجابة فورية من نوعية “شبيك لبيك”.

أن تنتهي أزمة انقطاع الكهرباء، وتختفي طوابير البنزين واسطوانات الغاز، وتمتلأ خزائن المصارف بالدينار الغالي والدولار الرخيص، ويتم التطعيم كاملا ضد كورونا، صحيح هي مطالب ملحة جدا ما كان ينبغي للمواطن الليبي أن يعاني من أحدها أو من كلها لولا سلسلة من الأخطاء والانحرافات الجسيمة التي ارتكبت من الأجهزة الحكومية وعلى رأسها الفساد المالي، ولكن هل من الواقعية أن نتوقع أنها ستختفي بين ليلة وضحاها.

جزء كبير سيقول بالتأكيد ستختفي بمجرد القضاء على آفة الفساد، لذا فأن أي إدارة حكومية جديدة يجب أن تجعل أولويتها محاربة الفساد وذلك باجتثاث الجذور السابقة وتقصيص أي نمو لبراعم جديدة. وهذا يعني أن تؤجل الإدارة الجديدة أي برامج أعمال لحين استئصال هذه الآفة وتلقائيا ستعود الكهرباء، وتختفي الطوابير، وتتوفر السيولة، ويتم التلقيح ضد كورونا والوصول لمناعة القطيع.

للأسف، أنا لا أتفق مع هذا الخط في التفكير محاربة الفساد هي واجب قومي مهم وينبغي أن تتواصل الجهود المستمرة الخلاقة في الحد منه، ولكيلا نكذب على أنفسنا ونكون ساذجين في مطالباتنا فمحاربة الفساد ليس أولوية في المرحلة الحالية.

الانشغال بالتركيز المفرط على محاربة الفساد سيضيع كثيرا من الوقت لتنظيم حكومي يفتقد أبسط الإمكانيات لمثل هذه المواجهة، وربما أقول عاجزا عنها.

بمثل الإمكانيات التي أعرفها عن التنظيم الحكومي الحالي في ليبيا وخبرتي بالمنهجية الليبية، ستقتصر جهود محاربة الفساد على تغيير الرؤوس في الأجهزة الإدارية وهي محاولة متكررة جربت في دول عديدة أخرى إلى جانب ليبيا ولم تسفر إلا على ارتفاع في معدلات ارتكاب الفساد لاحقا نتيجة لفقدان ثقة التابعين في الاستقرار الحكومي.

لاحظوا معي كيف تتخبط السلطات في التحقق من استنتاجات تقارير ديوان المحاسبة، وعدم وجود أي أثر قانوني لسلسة من التقارير بالرغم من خطورة محتوياتها.

محاربة الفساد معركة طويلة المدى تحتاج فيها الإدارة الحكومية إلى بناء خطوط دفاعها وذلك بتسليحها بخبرات إدارية ومحاسبية وقانونية مع وضع الخطط الذكية والمفاجئة لمنع التسرب وحرمان العدو من المبادرة وتفعيل التعاون الدولي لحصر البؤر الفاسدة المختفية جيدا في التنظيم الحكومي في هذه المعركة مع الفساد لا ينبغي أن تترك الفرصة للجانب المضاد بأن يرد الهجوم بمزيد من خلق الاضطرابات والتأثير السلبي على الحياة العامة.

مطالباتنا في المدى القصير والتي يجب أن تبذل فيها الجهود أراها ترتكز على الأولويات التالية: اصلاح نقدي، اصلاح مالي، دعم قطاع النفط، ضبط مصرفي، وهي مفهومة وفي متناول السلطات بدون استحضار “جني مصباح علاء الدين”.