الشاوش يكتب: اقتصاد الدولة بين النظريات الاقتصادية وفوضى الأقوياء

84

كتب الخبير المالي رافع الشاوش لصحيفة صدى الاقتصادية مقالاً بعنوان “اقتصاد الدولة بين النظريات الاقتصادية وفوضى الأقوياء”.

مثلما توجد حقائق علمية تم إثباتها بالتجربة والأبحاث المعملية، هنالك حقائق اقتصادية وسياسية تمّ التحقق منها بدراسة فروضها من خلال مجموعة بحوث ودراسات وأصبحت من المُسلّمات، ومن هذه الحقائق:

لن يصمد اقتصاد وعملة وطن، يعتمد على مصدر وحيد للدخل، ولن يحقق هذا النوع من الاقتصاد الرفاهية والنمو لأفراد المجتمع.

ولن تكون هنالك اشتراكية بدون ملكية عامة ودعم، بحيث تتحكم الدولة بتوزيع الفرص والثروة وسقف الأسعار من خلال تحكمها بحجم العرض والطلب، وإن الاشتراكية مُرهِقة للدولة وتعمل ضد فطرة الإنسان.

ولن يكون هنالك اقتصاد حر و رأسمالية نتوقع منه تحقيق أعلى معدلات التنمية دون ضرائب، ودون قطاع خاص يعمل بمناخ منافسة كامل بعيداً عن الاحتكار والاكتناز، وأن يكون هذا القطاع معزول تماما عن الدولة و قرارات الدولة، فلا يوجد وزير أو مسؤول أو عضو نواب يمتلك شركة أو وحدة اقتصادية وله مصلحة بشركة تتعاقد مع الدولة، ولا رئيس وزراء أو وزير عضو لجمعية عمومية لشركة عامة أو خاصة، ولا رجل أعمال له القدرة للوصول إلى متخذّي القرار بكل سهولة ويمارس عليهم ضغط لتوجيه قراراتهم إلى قرارات اقتصادية مُعيّنة، إنه نظام محكوم بآليات محاسبة ومساءلة وإجراءات فعالة تحدّ وتُنهي كل أنواع تعارض المصالح، ومعايير إفصاح عالية الجودة.

والمُسلّمة الأخيرة التي تقوم على الحقائق السابق من أصعب النظم الاقتصادية إدارة وتنظيم الأنظمة الهجينة التي تقوم على المِلكية العامة والخاصة، أو تلك الأنظمة التي تمر بمرحلة انتقالية من نظام إلى اخر، فهذه الأنظمة تتطلب مجموعات عمل حِرفية وعلى أعلى مستوى من امتلاك المهارات، وتتوفر لديها كافة البيانات المطلوب تحليلها للوصول إلى معلومات تمثل الواقع والمخاطر، و متخذّي قرار قادرين ومحفّزين على اتخاذ قرارات سريعة نحو كافة مخرجات مجموعات العمل، وبين هذه النماذج نماذج هُلامية لا معنى لها وهي الفوضى بعينها، والتي منها النموذج الحالي للدولة الليبية.

ومن الحقائق والمُسلّمات أيضاً أنّه لن يجتاز وطناً محنته يُدار بنفس العقلية والمنظومة الثقافية و المؤسساتية و التعليمية، والمقصود هنا بالمنظومة ليست النظام، فالنظام قد يسقط ولكن يبقى الأثر السلبي المتراكم للنظام على المجتمع، و هذه الآثار السلبية تنطبق على الجميع حتى من يدّعي بأنّه معارض للنظام و المنظومة، فهذا المعارض لايستطيع أن يقدم نموذج كامل فقط هو يحسن اقتناص الفرص؛ ليس بالتحليل المعمق للمشكلة و تحليل مخاطر حلولها للوصول إلى الحل الأمثل بل بالطرح الشكلي والسطحي، مع استعمال أفضل ما لديه من مهارات اقتنص الفرص من خلال الإعلام فمن يمتلك الإعلام يستطيع أن يمتلك الحقيقة المُزيّفة المفبركة.

إنّ كل هذه الآثار السلبية جعلت منّا مجتمع انتهازي اتكالي، يحسن من ثقافة البرباكاندا والهروب من المسؤولية بالقدرة على استعمال الضمير الجمعي الغائب هم: هُم من يجتاز الإشارة الحمراء، هم الفاسدون و الذين لايحرصون على أداء أعمالهم، هُم غير الوطنيين، هم الخونة، هم من يهرّبون بالعملة و لايورّدون السلع، هم من يتهربون من الضرائب، هم المتسلقون، هم من يتقاضون مرتبات و إضافي وبدل سفر بلا أداء، هم من يركبون سياراتٍ عامة باهظة الثمن و يملكونها في حين لا ندري من هؤلاء الموصفون بهم.

هذه المقدّمة ضرورية للولوج إلى موضوع الساعة رفع الدعم عن الوقود واستبداله نقداً، والذي سنفرد له بعون الله مقالاً جديداً.