دريجة يكتب مقالاً بعنوان: دعم المحروقات

115

كتب: محسن دريجة الخبير الاقتصادي

أخذ موضوع استبدال الدعم نصيب كبير من النقاش على مر السنين وها هو يعود مرة أخرى كموضوع يثير الرأي العام ويعكس اختلاف كبير في وجهات النظر.

فكرة توجيه المساعدة للجميع فكرة غير سليمة لأنها تصل من يستحقها ومن هو في غنى عنها بالتساوي، بينما توجيه الدعم لمن يستحق بشكل أكبر هو خيار أفضل. المعاش الاساسي في ليبيا 400 دينار يتحصل عليه من قضوا حياتهم في خدمة المجتمع سواء من خلال قطاع التعليم أو الصحة أو الشرطة وغيرها في زمن كان فيه العمل اكثر جدية من الآن.

مثل هؤلاء يجب توجيه الدعم نحوهم وليس نحو ميسوري الحال أو من يتقاضون مرتبات عالية.

دعم المحروقات في شكله الحالي يستفيد منه من يملك المتاجر والاسواق والمصانع ويستخدم عشرات السيارات لنقل انتاجه وبضائعه ويملك عشرات المباني التي تستفيد من الكهرباء المدعومة والوقود المدعوم، بينما المواطن الذي يملك سيارة واحدة لا يطاله 1٪ بالمفارنة.

أيضاً نعلم أن فارق السعر بين سعر الوقود في ليبيا وفي دول الجوار أو حتى دول جنوب أوروبا جعل تهريب ما يصل الى ثلث الوقود المورد أمر تصعب السيطرة عليه بسبب هامش الربح الكبير الذي يصل 2000٪، أي أن كل دينار يأتي بعشرين دينار.

ليبيا حالياً تستهلك حوالي 4 مليار لتر من الديزل ومثلها من البنزين وحوالي اثنين مليار لتر من الكيروسين العادي وكيروسين الطيران.

ارقام غير معقولة تمثل 1750 لتر بنزين للفرد ومثلها ديزل، بالاضافة الى 875 لتر كيروسين ووقود طيران كل عام.

لنضع في الحسبان ان من يقودون سيارات لا يتجاوز عددهم المليون ونصف فلا الاطفال يقودون السيارات ولا اغلب النساء.

من حيث المبدأ الدعم بشكله الحالي فيه اهدار كبير ويستفيد منه ميسور الحال اكثر من المحتاج ووجب اصلاحه، ولكن كيف؟

أولاً، ليبيا في حاجة لمنظومة حماية اجتماعية توضح من هم في حاجة أكبر للدعم ليوجه لهم. هذا ينطبق على دعم المحروقات وعلى علاوة العائلة.

ليس من المعقول أن يدعم من دخله مليون دينار في السنة بنفس القدر الذي يدعم به من دخلة خمسة آلاف.

ثانياً معالجة الدعم لا بد أن تتم في أطار إصلاح اقتصادي أكبر يخفض ميزانية الحكومة التسيرية  ويضع جدول للمرتبات مرتبط بالأداء بحيث يتحصل المجتهد والقادر على دخل يتناسب ومجهوده ويرفع من الحد الادنى للدخل ويخفض الفروق الكبيرة التي ليست مبررة بمجهود أو انتاج أو أداء، ويخصص أكبر قدر ممكن من الميزانية للتنمية وتطوير القطاع الخاص.

ثالثاً، المواطن لا يثق في أن الحكومة ستلتزم بدفع بدل الدعم وهذا نابع من خبرة سابقة. لهذا لا بد من ان يثبت للمواطن أن بدل الدعم لن يكون مثل علاوة الاسرة وغيرها من الوعود أو حتى القوانين التي لم تنفذ.

رابعاً، السيارة الخاصة هي وسيلة النقل الاساسية سواء للاستعمال الشخصي أو النقل التجاري. لتغيير طرق التنقل المعتادة لامفر من تطوير وسائل النقل المتاحة حتى تكون هناك وسائل بديلة تساعد على تغيير ما اعتدنا عليه.

هذه الامور تأخذ وقت طويل ولكن البدء في تنفيذها في اسرع وقت أمر مهم.

فكرة أن يرفع الدعم مرة واحدة ويستبدل ببطاقات فكرة ستضعنا في نفس الحال الذي شهدناه في بطاقات المصارف وتزوير الارقام الوطنية.

وفكرة استبداله بمقابل نقدي لابد وأن تحدث تدريجياً بالتزامن مع الاصلاحات الأخرى المطلوبة حتي تجد قبول ببناء الثقة مع المواطن ويتحول بدل الدعم الى نظام حماية اجتماعية يسخر لمساعدة المحتاجين.