الشحاتي يكتب: صندوق النقد الدولي: آفاق الاقتصاد العالمي وما يتعلق بليبيا في تقرير الربيع ابريل 2021

95

كتب: محمد الشحاتي الخبير بمجال النفطي مقالا

في أبريل بدايات الربيع، واكتوبر بدايات الخريف من كل سنة لنا موعد مع التقرير المحوري الاقتصادي العالمي لصندوق النقد الدولي الذي ينشر في توقعاته عن الاقتصاد العالمي في المدى القصير والمتوسط مفصلا فيه التطورات الجمعية والتطورات على مستوى كل دولة.

الأرقام التي ينشرها التقرير تعتبر مؤشرات قياسية للتخطيط على المستوى العالمي وعلى مستوى كل دولة على حدة ويتحدد على أساسها الكثير من العوامل الاقتصادية مثل أسعار السلع، مستويات البطالة، توزيع الثروات، اتجاه النقود، التوازنات الاقتصادية ومستويات التضخم وغيرها.

الجدل لا يزال يدور حول ما إذا كان تقرير الصندوق هو محاولة تأثير وتوجيه للاقتصادات العالمية أم أنه تحليل محايد لقوى السوق والاقتصاد قائم على التنافسية الحرة بين القوى الاقتصادية العالمية.


منهجية التقرير هي منهجية اقتصادية قياسية تعتمد على البيانات التي يجمعها التقرير من بلاغات ومنشورات الجهات المختصة في الدول الأعضاء وأهمها البنوك المركزية وأجهزة الإحصاء والتعداد الرسمية، وحين يوجد أي فراغات في السلاسل الزمنية يعتمد المحللون في صندوق النقد الدولي على ملأ هذه الفراغات بالأساليب الإحصائية المعروفة.

وينشأ الصندوق مصاحبا لكل تقرير قاعدة بيانات مخصصة له يمكن تنزيلها على برنامج أكسل بكل يسر من موقع الصندوق وتتيح للمحللين تقييم النظرية التي يعتمد عليها التقرير في التوقعات المستقبلية التي رسمها في النص المكتوب.


تحتاج الدول إلى هذا التقرير لتقييم وإعادة تخطيط السياسات الاقتصادية والنقدية والمالية العامة خلال المدى القصير، خصوصا تلك الدول التي تفتقر إلى القدرات التحليلية.

الجدل يعود من جديد حول سلامة التسليم بالصورة التي يرسمها الصندوق للاقتصاد المحلي في تركيبة وآليات الاقتصاد العالمي. وكما سنلاحظ في هذا المقال عندما سنركز على تناول التقرير للاقتصاد الليبي فأن هناك انحرافات إحصائية واضحة في البيانات الاقتصادية الليبية مما قد يضر بصحة التوقعات، ولكن الصندوق يوضح أمام كل سلسلة ارقام زمنية يستخدمها المصدر والذي عادة ما يكون مصرف ليبيا المركزي والذي يتأخر في معظم بياناته بفترة سنتين ما يجبر محللي الصندوق على تقدير البيانات بدلا من استسقائها من مصادرها الرسمية.

ويبقى السؤال عنما ما إذا الصندوق يحاول توجيه السياسة الاقتصادية في ليبيا أم أن هناك فجوة زمنية بين زمن صدور التقرير والبيانات الرسمية المتوفرة.
هنا أود أن ألاحظ ملاحظة مهمة كنت قد نشرتها في إدراج سابق وهي المسئولية الوطنية لهيئة الإحصاء والتعداد في ليبيا عن بيانات إحصائية اقتصادية حيوية نحتاج إلى تجديدها بصفة دائمة مثل بيانات الناتج المحلي الإجمالي، قائمة أسعار المستهلك “التضخم”، مستويات الادخار والاستثمار، عدد السكان وتقسيمهم من ناحية الجنس والعمر، الصادرات والواردات وغيرها، والتي بدونها تصبح عملية التخطيط ضربا عشوائيا في الظلام.

هناك أرقام ربما تحتاج إلى كثير من العمل والتحليل وقد تتأثر بنقص الإمكانيات، ولكن هناك أرقام مباشرة ولا تحتاج إلى الكثير من الجهد مثل قياس التضخم أو قائمة أسعار المستهلك والتي يجب أن يتم إصدارها شهريا لتعمل عليها أجهزة الدولة ومراكز البحث والتحليل لما لها من أهمية كبيرة تتصل بمستوى حياة الفرد في ليبيا. لا أظن على الاطلاق أن هذه القائمة غير موجودة، ولكن يتملكني إحساس مؤكد بأنها ممنوعة من النشر ويتم تداولها في نطاق ضيق وهو خطأ جسيم يتحمل مسؤوليته القانونية والدستورية هيئة الإحصاء والتعداد.

التخطيط هنا يتجاوز الأجهزة الحكومية ليصل إلى رب الاسرة وصاحب المصنع الصغير الذين لهم الحق في معرفة مستوى التضخم في الدولة لتخطيط مصاريفهم وترتيب احتياجاتهم. أحيانا أستغرب أن أسرار الدولة العسكرية والأمنية تنشر على صفحات الفيس بينما يتم حجب معلومات أساسية وحيوية مثل هذه ولسنوات متعددة.


سأحاول في هذا المقال أن أقدم الأفكار الأساسية المطروحة في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي مستعينا قدر الإمكان بالرسوم البيانية للتبسيط وفتح مجال المناقشة أولا على المستوى العالمي ومن ثم التأثيرات على مستوى الدولة الليبية.
أولا: افتراضات التقرير على المستوى العالمي.


ينظر الصندوق للاقتصاد العالمي بشيء من الإيجابية هذه السنة حيث يتوقع أنه سيشهد نموا قدره 6%، هذا يأتي بعد انكماش وصل إلى -3.3% السنة الماضية نتيجة تداعيات انتشار جائحة كوفيد-19، ويتوقع الصندوق أن يستمر التعافي بنسب صحية خلال الفترة 2021-2026 بما لا يقل عن 3% وهو الرقم الذي يؤشر على انتعاش اقتصادي عالمي (إي رقم أعلى من 3% يعتبر انتعاش). في سنة 2021 ستشهد جميع المناطق تعافيا اقتصاديا بما فيها تلك التي تعاني عادة من مشاكل هيكلية في النمو مثل غرب أوربا واليابان وسيشهد العالم النامي المتمثل في دول مثل الهند والصين أرقاما استثنائية تفوق 8%.

لا بد أن نشدد هنا أن قوة هذه الأرقام تأتي بسبب الضعف الكبير لسنتي 2019 و2020، وفي كل الأحوال فأنها وبالرغم من قوتها لن تعود بنا إلى المستويات التي تم تسجيلها في 2019.

هذا سيشير إلى أن الإنسانية أمامها طريق طويل للتخلص من الآثار الاقتصادية السلبية التي تركتها انتشار الجائحة وربما تسترجع عافيتها تماما مع نهاية العام القادم بفرض عد حدوث أي انتكاسات غير متوقعة.


الافتراض الأساسي وفقا لرأيي الشخصي الذي يبني عليه صندوق النقد الدولي تحليلاته هذه ومن خلال تتبع الأرقام التي عرضها هو استطاعة الدول التحكم في مستوى التضخم. وفقا للنظرية الاقتصادية فأن مستويات التضخم تأتي من مصدران هما أسعار السلع وأسعار المواد المصنعة وهو ما يشار إليه بالتضخم الاسمي والتضخم الجوهري.

يشير الصندوق أن أسعار السلع التي لا تحتوي مكون الطاقة وتشمل أسعار المواد الغذائية وأسعار مدخلات الصناعة سترتفع بشدة في 2021 لتصل إلى الذروة، ولكنها ستتراجع بدءا من 2022 ومن ثم ستستقر في المدى المتوسط، بينما ستتبع أسعار السلع والتي تحتوي مكون الطاقة نفس المنحنى تقريبا ألا أن تراجعها من سنة 2022 سيكون أسرع من المؤشر السابق (وهو موضح بالرسم).


هذه النقطة فيها جدل كبير، فالصندوق يتبع خطا تشاؤميا في توقع سعر النفط حيث يشير ان سعر النفط سيرتفع في سنة 2020 إلى الذروة بمعدل 60 دولار للبرميل تقريبا ومن ثم سيبدأ بالانخفاض ليصل إلى 52 دولار للبرميل في 2026، هذا يأتي متناقضا مع توقعات وكالة معلومات الطاقة الامريكية التي تشير أن سعر النفط سيواصل ارتفاعه ليصل إلى 64 دولار للبرميل في سنة 2026.

طبعا هنا يمكن أن يشتم انحراف مقصود فالنموذج القياسي الذي يستعمله صندوق النقد الدولي يحتاج إلى رفع معدل النمو بدون تأثير على التضخم أو البطالة ومن هنا يجب التحكم في أسعار مكون الطاقة وهو أساسا النفط ليسمح بتدفق الأرقام بانسيابه للناتج المحلي الإجمالي بدون خصم تكاليف الطاقة. هنا الجدل يأتي لماذا الربط العكسي بين تكاليف الطاقة ومعدل النمو حيث رأينا تاريخيا ارتباط إيجابي في فترات كثيرة بينهما.


هذه الافتراضية ستؤثر في اقتصادات الدول المنتجة للنفط كما سأبين أدناه عند النقاش في التوقعات الاقتصادية عن ليبيا.
ثانيا: افتراضات التقرير على المستوى الليبي
لم يتناول نص التقرير ليبيا كفصل منفصل ألا أن الافتراضات هي متضمنة في قاعدة البيانات كما أوضحت أعلاه. هناك نوعا من التضارب التقرير نتيجة عاملين: الأول هو تغيير سعر الصرف للدينار الليبي والثاني هو تأخر وجود بيانات رسمية عن الاقتصاد الليبي واستعمال التقديرات.


من ناحية النمو فأن صندوق النقد الدولي يتوقع أن يتعافى الاقتصاد الليبي بقوة في 2020 بمعدل 130% بسبب انخفاضه في 2020 بمعدل 60% عن مستوى 2019 مع عودة النفط إلى التصدير، إلى هذه النقطة تبدو توقعات الصندوق متسقة مع المنطق، بعدها يوجد الكثير من التضارب كما سأحاول أن أشرحه.


يتوقع صندوق النقد أن ينخفض معدل النمو الاقتصادي في سنة 2022 إلى معدل 5.4% عن معدل 2021 وبينما يتوقع في نفس الوقت انخفاض سعر النفط بقيمة 3 دولار للبرميل من 59.7 إلى 56.2 دولار للبرميل أي بتخفيض في الدخل النفطي بقيمة 5%.

أخذا في الاعتبار معدل خصم 3% على الناتج المحلي الإجمالي للوصول إلى القيمة الحقيقية فأن هذا يعني أن 2% النمو يجب أن يأتي من القطاع غير النفطي وهذا قد يكون غير ممكنا في الظروف الحالية، وكذلك فأن سنة 2023 يتوقع الصندوق أن النمو في ليبيا سيصل إلى 4.8% عن معدل 2022 بينما سعر النفط يواصل الانحدار بمعدل 3.8%، وفي سنة 2024 يتوقع الصندوق أن معدل النمو سينخفض إلى 0.7% بدون أي سبب حيث أن سعر النفط وفقا لتوقعات الصندوق ستتراوح حول 52 دولار للبرميل للفترة 2024-2026.


يمكن أن نستخلص هنا أن نتائج صندوق النقد الدولي تبدو متضاربة بشكل كبير مع النظرية التي تربط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الليبي مع سعر النفط “الذي يفترضه الصندوق نفسه” سواء بالقيمة الاسمية أم القيمة الحقيقية. وهذا سيؤثر بشكل جسيم على الاستنتاجات الأخرى المتعلقة بالفائض والعجز في الميزان الجاري والموازنة الحكومية والاستثمار.

هذا بجانب أن توقعات صندوق النقد الدولي لأسعار النفط نفسها تبدو غير متوازنة بمقارنتها مع توقعات لوكالات رسمية مثل وكالة معلومات الطاقة الامريكية ووكالة الطاقة الدولية.


يتعرض الصندوق إلى الوضع المالي للحكومة الليبية ويعطي أرقاما تتوقع الانفاق الحكومي مقابل الايراد الحكومي، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن الانفاق الحكومي في ليبيا سيبدأ سنة 2021 بمعدل 71.4 مليار دينار ليبي وهو غير متفق مع الرقم المطلوب من الحكومة والمقدر بـ 96 مليار دينار.

الغريب أن صندوق النقد الدولي يتوقع ارتفاع في الايراد الحكومي في الفترة 2021-2026 من 71 مليار دينار إلى 80.5 مليار دينار وفي نفس الوقت يتوقع انخفاض سعر النفط كما أسلفت أعلاه، والذي يشير إلى تقلص الايراد الحكومي وليس زيادته باستثناء إمكانية رفع القدرة الإنتاجية من المستويات الحالية وهو أمر مستبعد إلى حد كبير.

وبالرغم من توقع الصندوق بزيادة الايراد الحكومي ألا أنه يشير أما إلى فائض بسيط جدا أو إلى عجز في التمويل الحكومي، والامر يزداد سوءا إذا ما تم احتساب العجز التراكمي من سنة 2015 والذي يصل إلى 130 مليار دينار.


أخيرا فأن الصندوق يتوقع استمرار مستويات تضخم عالية في الاقتصاد الليبي بالرغم من تناقصها تدريجيا، فيبدأ بمعدل 22% في سنة 2020 وينخفض إلى 18.2% في سنة 2021 وينخفض تدريجيا ليصل إلى 4% في 2026.

هذا سيضيف 83% نقطة إلى مؤشر أسعار المستهلك بنهاية سنة 2026 وهو زيادة جسيمة خصوصا في ظل التوقع بعدم ارتفاع الأجور بنفس النسبة مما سيؤدي إلى انخفاض في مستوى معيشة الفرد، وهو ما يحتم على الإدارة الليبية أن تخطط لمواجهة هذه المشكلة.


في النهاية وبالرغم من التضارب في توقعات صندوق النقد الدولي سواء من الناحية العالمية أو فيما يتعلق بالاقتصاد الليبي فأن العمل نفسه عمل ذو قيمة كبيرة ويمكن أن يستخدم في التخطيط الاقتصادي للدول بشرط معرفة الدوافع وراء فرضيات التقرير ومحاولته توجيه الأنشطة الاقتصادية العالمية.