أبوسنينة يكتب: الميزانية العامة للدولة لعام 2021 بين الحكومة والنوّاب

140

كتب: محمد أبوسنينة الخبير الاقتصادي مقالاً

لازالت ميزانية حكومة الوحدة الوطنية تراوح في مكانها ولم تحضى بالموافقة المطلوبة من مجلس النواب، بالرغم من عرضها عليه للمرة التانية .

وقد تعرضت هذه الميزانية لانتقادات وتحفظات تراوحت بين ماهو لاسباب اقتصادية أو فنية، طرحتها اللجنة المالية بمجلس النواب، وبين ماهو  نتيجة لعدم التوافق في الروءية والغموض الذي يكتنف بعض بنود الميزانية والذي لم تكن الحكومة، ممثلة في بعض وزراءها ، قادرة على توضيحه، أو انها لم تكن مقنعة لبعض اعضاء مجلس النواب .

وفي تقديري أن التحفظات التي ابدتها اللجنة المالية المنبثقة عن المجلس، والتي تستند لاعتبارات اقتصادية محضة، هي تحفظات في محلها .

فحجم الميزانية الذي قدمته الحكومة والذي يتجاوز 94 مليار دينار، يتجاوز بكل المقاييس الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الليبي، وقد بيّنت في مقالة سابقة المثالب والمخاطر المرتبطة بتقديم ميزانية مضخمة خلال هذه السنة . 

وستكون نتيجة اعتماد وتنفيذ ميزانية بهذا الحجم ارتفاع كبير في المستوى العام للاسعار ، والدخول في تضخم من النوع الذي يسمى تضخم ثنائي الحد (double digit ) ، وتولد ضغوط كبيرة على سعر صرف الدينار الليبي، لاسيما وأن الحكومة لازالت مصرة على اعتماد هذا الرقم بالرغم من انقضاء اكثر من نصف السنة المالية، مما يعني نية الحكومة في انفاق المبلغ واستنفاده بالكامل أما في شكل نفقات مباشرة وفورية ، وهذا بعيد الاحتمال ، واما في شكل ترتيب التزامات تعاقدية على مشروعات أو برامج يستمر تنفيذها إلى مابعد نهاية السنة المالية في 24 ديسمبر 2021 .

كما أن الميزانية التي قدمت لم تتضمن اهداف اقتصادية محددة ، تسعى الحكومة لتحقيقها ، في إطار السياسة المالية التي تنوي تطبيقها، مثل معدل النمو الاقتصادي المستهدف ، وحجم فرص العمل التي ستترتب عن برامج الانفاق المستهدفة قطاعيا وعلى مستوى الاقتصاد الوطني ، والمختنقات المستهدف تدليلها ، بالرغم من أن غياب مثل هذه الموشرات كان ملحوظا في كل الميزانيات السابقة بما في ذلك ميزانيات ماقبل 2011  .

بالإضافة إلى ذلك فان رقم الميزانية وحجمها قد  بني على سعر صرف الدينار الليبي الذي اعتمده مصرف ليبيا المركزي  بموجب القرار رقم 1 لسنة 2020  ، عند 4.48 دينار لكل دولار امريكي ، وهذا السعر مستهدف تخفيضه دعما للقوة الشرائية للدينار ، ولكونه ليس سعراً توازنياً ولا عادلاً ، فقد صار تحقيق هذا الهدف  مستبعدا في ظل هذه الميزانية المتضخمة ، مما يشير الى غياب التنسيق المطلوب بين السياسة المالية والسياسة النقدية .

وعليه يمكن القول إنه باستثناء بنديْ المرتبات والدعم ، الذي كان ينبغي على الحكومة توضيح موقفها منهما  ، ووضع ضوابط لعدم تناميهما في المستقبل ، فان بقية بنود الميزانية الاخرى في حاجة إلى تفصيل وتبرير حتى يمكن اعتمادها . ويبدو أن الحكومة قد حدت حدو الحكومات التي سبقتها بوضع مخصصات للانفاق على هذه البنود بنفس المسميات السابقة التي تظهر بها في الميزانيات العامة السابقة ، وبدون تقييم حقيقي لاوضاع الوحدات الادارية ( مدارس ، مستشفيات ، جامعات ومعاهد عليا ، سفارات وقنصليات ، ومشروعات ) وكان الاجدى بالحكومة ان تقدم تقديرات للصرف ، قالبة للتنفيذ ، اقل مما كان معتمدا  في السنوات السابقة ، وأن لا تعتمد على أسلوب استخدام البيانات التاريخية في تقدير اعتمادات مختلف بنود الميزانية ، وأن تؤسس تقديرات إيرادات الميزانية على نحو أكثر تحفظا في معدلات استخراج وتصدير النفط ، وأن تفترض أسعار نفط أقل من خمسين دولار للبرميل ، وعلى النحو الذي يفضي إلى تحقيق ايرادات نفطية في حدود 60 مليار دينار ، يكون سقفا للانفاق العام خلال السنة المالية 2021 . 

وتلتزم الحكومة بتقديم ميزانية متوازنة ، وأن يكون الصرف وفقاً لمبادرات تعتمدها الحكومة كبرنامج عمل لها خلال فترة عملها المحددة نهايتها في 24 ديسمبر 2021 .

ومن المبادرات المهمة والبرامج التي ينبغي أن تحضى باهتمام الحكومة ، خلال هذه الفترة الزمنية المحدودة من عمرها ، مواجهة جائحة كورونا ، مشكلة الكهرباء ، التجهيز والاعداد للانتخابات ، إعادة تاهيل المستشفيات العامة الجامعية والتخصصية ، حل مشاكل النازحين ، والمهجرين ، وتوحيد الموسسات المتوازية والمنقسمة . وذلك بهدف ترشيد  الانفاق من جهة وللرفع من كفاءة المصروفات من جهة اخرى ، وتحقيق انجازات على الارض يلمسها المواطن ، ولكون هذه الحكومة هي حكومة مؤقتة ، ليس امامها فرصة للخوض في تنفيذ مشروعات تنموية تنجز على المدى المتوسط والبعيد .

ومن القطاعات التي كان ينبغي على الحكومة أن تحدث فيه اصلاحات حقيقية تؤدي إلى تخفيض نفقات الميزانية ، قطاع الخارجية ، من خلال تقليص عدد العاملين بالسفارات ، والزام من انتهت مددهم المحددة قانونا بالرجوع الى أرض الوطن ، وأن تكون الحكومة شفافة في هذا الصدد ، وأن تحيط مجلس النواب علما بهذه الاصلاحات، وتقليص الجهاز الاداري للدولة واعادة هيكلته ، بالغاء بعض الوحدات الادارية التي استحدثت على مستوى الادارة المركزية من قبل الحكومة السابقة . 

وقد كان متوقعا ان تتقلص هذه الوحدات الادارية نتيجة لتوحيد الكثير من المؤسسات المزدوجة والموازية التي ترتبت على انقسام السلطة التنفيذية خلال السنوات الستة الماضية ، وليس زيادة عددها ، وستكون نتيجة توحيد المؤسسات تقليص عددها وتخفيض المصروفات العمومية التي كانت تحمل على الباب التاني من الميزانية .

  أما من جانب مجلس النواب ، فما كان له أن يتاثر موقفه من الميزانية العامة المعروضة عليه بالاعتبارات السياسية والقضايا الخلافية التي تعكف الحكومة والمجلس الرئاسي واللجان المختصة على تسويتها .

وكان الاحرى بمجلس النواب ، قبل منحه الثقة للحكومة ، التعرف على موقفها من مختلف القضايا التي يهتم بها مجلس النواب والتي يعتبرها المجلس اساساً لمنح الثقة وتقع في دائرة اهتمامه كسلطة تشريعية ، وعلى النحو الذي يؤهلها لتكون حكومة وحدة وطنية ( أي حكومة لكل الليبيين ) وجديرة بثقة المجلس .

وحيث أن الميزانية العامة للدولة تعتمد وتصدر بموجب قانون يصدر عن مجلس النواب ، فبامكان مجلس النواب أن يضمّن هذا القانون ما يراه مناسبا من احكام خاصة ، تنظم الصرف من موارد الميزانية ، وتحديد أوجه التصرف في فائض الايرادات وكيفية تغطية العجز في الايرادات ، أن تحقق ، وبما يكفل توفير الموارد اللازمة والكافية للصرف على مختلف ابواب الميزانية المعتمدة . كما يمكنه تضمين القانون برنامج زمني لتسييل اعتمادات مختلف ابواب الميزانية خلال السنة ، اي تسييل الميزانية على دفعات ، وبما يضمن حسن ادارة المال العام ومراقبة الصرف ، طالما كانت هذه الميزانية لفترة انتقالية محدودة .

والجدير بالذكر ، أنه في حال مماطلة مجلس النواب ، أو التلكوء في اعتماد الميزانية ، لاي سبب من الاسباب ، وتحمل مسؤلية التاخير في اقرار الميزانية ، وفي حال فشل الحكومة اقناع مجلس النواب بالميزانية المعروضة ، فان اللجوء الى تمويل الميزانية بالاقتراض ، مثلا ، سيشكل  خرقاً للنظام المالي للدولة ، ومخالفة جسيمة لقانون المصارف رقم 1 لسنة 2005 وتعديلاته ، والقانون رقم 15 بشان الدين العام ، وكل مايمكن الحكومة اللجوء اليه ، في هذه الحالة ، هو الصرف وفقا لقاعدة 1/12 من المبلغ المنفذ من مختلف ابواب الميزانية العامة ( الترتيبات المالية ) للعام السابق  2020 ، وهذا يعني أن اجمالي ما يمكن الحكومة الحصول عليه من التمويل  لن يتجاوز 36.4 مليار دينار خلال كامل السنة المالية 2021 . ويرتب هذا التوجه في حد ذاته زيادة الدين العام المستفحل اصلا ، في حال عدم سداد مبلغ التمويل قبل نهاية السنة المالية .

ولن يؤدي  اللجوء للتمويل وفقا لقاعدة 1/12 لحل المشكلة التي ستواجهها الحكومة ، لانه عمليا يعنى ان حكومة الوحدة الوطنية ستواجه عجز في تغطية بندي المرتبات والدعم ، في أن واحد ، وفقا للتقديرات الواردة بمشروع الميزانية ، ولن تكون قادرة على مواجهة التزاماتها التسييرية ، وستكون الحكومة في حالة توقف او اقفال ، ( government shutdown ) وهو أسوا الاحتمالات .

ولتفادي هذه المآلات ، وحرصا على استمرار عمل الحكومة، وحتى يمكن العمل بميزانية عامة معتمدة بقانون يصدر عن مجلس النواب ،  ننصح بالاتي :

1- تخفيض اجمالى الميزانية الى 60 مليار دينار كحد اقصي ، وأن تكون الميزانية  المعروضة ميزانية متوازنة .   2- تبني تقديرات الايرادات النفطية على  اسس متحفظة للكميات والاسعار ( 800 الف برميل يوميا ، وسعر البرميل بما لايتجاوز 45 دولار للبرميل ) .  

 3- باستثناء بندي المرتبات والدعم ، تقدم بقية اعتمادات الميزانية المطلوبة في شكل مبادرات تتولى الحكومة تنفيذها خلال ماتبقى من السنة المالية ؛ مثل مجابهة جائحة كرونا ، الاستعداد للانتخابات ودعم المفوضية ، حلحلة مشكلة الكهرباء ، وتوفير المياه لبعض المناطق التي تفتقر لمياه الشرب ، اعادة تاهيل ودعم قطاعي الصحة والتعليم بالتركيز على المستشفيات المركزية التعليمية والمستشفيات التخصصية ، والمرافق التعلمية التي تضررت من اثار الحروب ووضع مخصص للبدء في اعادة توطين المهجرين والنازحين .     
          
4- تقليص عدد العاملين في السفارات والقنصليات الليبية في الخارج ، وقفل بعض منها ، مرحليا ، في بعض الدول ، بهدف تخفيض المصروفات وتخفيض حجم الميزانية .

5- الغاء بعض الوحدات الادارية الزايدة ، وتخفيض مخصصات الوحدات الادارية والمؤسسات العامة المنقسمة والتي يتم دمجها ، وعدم الاستمرار في الصرف على المؤسسات الموازية .

6- القبول بمبدا تسييل مخصصات الميزانية العامة على اسس ربع سنوية ، واخضاعها للتدقيق والمراجعة على أسس ربع سنوية.

7- إلغاء أحكام بند الطوارئ في مشروع الميزانية العامة، التزاما بأحكام النظام المالي للدولة.