حبارات يكتب: تقرير ديلويت عن حسابات المركزي مجرد زوبعة وضجة إعلامية فهو لم يأتي بأي جديد وتكلفته هدراً للمال العام

160

كتب المهتم بالشأن الاقتصادي نور الدين حبارات

نشرت بعض وسائل الإعلام مؤخراً ما سمته بأهم النتائج التي تضمنها تقرير شركة ديلويت الإنجليزية المكلفة بمراجعة حسابات فرعي المركزي عن الفترة المالية منذ منتصف 2014م حتى نهاية 2020م (فترة انقسام المركزي) وذلك نقلاً عن بعثة الأمم المتحدة.

حيث تمثلت أهم تلك النتائج في الآتي:

1-أسهم الانقسام مقروناً بعدم وجود ميزانية موحدة في تراكم الديون على كل المصرفين لتمويل الحكومات السابقة والمتعاقبة

2- لا توجد ديون أجنبية على الحكومة الليبية

3-إحتياطيات النقد الأجنبي لم تنخفض منذ ديسمبر 2014م سوى بنسبة ‎%‎08 فقط ، وعزت هذا الانخفاض أساساً إلى سحب 15 مليار من الأموال المجنبة في العام 2016م، وأن الحد في الإنفاق والحصول على العملات الاجنبية قد أسهما في حماية الاحتياطيات

3- زيادة العملة المتداول بشكل كبير كان بسبب لجوء فرعي المركزي إلى طباعة الدينار الليبي الذي انخفضت قيمته رسمياً بنسبة ‎%‎300 منذ 3 يناير الماضي بسبب تعرضه لضغط جراء إغلاق الحقول النفطية بشكل متكرر وتسهيلات السحب على المكشوف

4- لازالت ليبيا تعتمد كلياً تقريباً على مبيعات النفط كمصدر أساسي لإيراداتها

5- عائدات ليبيا من العملات الأجنبية التي تأتي بشكل حصري من مبيعات النفط تستخدم بشكل رئيس لتسهيل التمويلات التجارية للقطاعين العام والخاص كما استخدمت في تمويل برامج منح أرباب الأسر .

وبمجرد النظر فقط إلى النتائج المذكورة أعلاها نجد إن التقرير لم يأتي بأي جديد بل ما تضمنه يعرفه حتى المواطن العادي البسيط ، ومن المؤسف جداً أن شركة عالمية كبرى بحجم ديلويت والتي تصنف كواحدة من أكبر أربع شركات العالم في مجال المراجعة والتدقيق أن تخرج علينا بمثل هذه النتائج بعد قرابة ستة أشهر من أعمال الفحص والمراجعة لحسابات المركزي وذلك بعد الزوبعة والمخاض العسير الذي سبق تكليفها ووصل إلى درجة المساس بالسيادة والتدخل في شؤون ليبيا الداخلية .

وبما أن عملية المراجعة ماهي إلا فحص انتقادي وموضوعي وتدقيق للحسابات يقوم بها شخص أو جهة مهنية مستقلة لديها كفاءة بهدف الإدلاء برأي فني محايد ونزيه عن مدى عدالة وشفافية القوائم المالية وتمثيلها للواقع .

فإن النتائج التي تضمنها التقرير المذكور لا تشير إلى ذلك، فالتقرير تعاطف أو تحيز وإلى حد كبير مع المركزي بل وخلق له المبررات عن الإخفاقات في العديد من سياساته كما يتضح لنا في الاتي:

1- المركزي لم يحمي أو يحافظ على رصيد الاحتياطي  الأجنبي كما زعم التقرير بل ساهم في تراجعه واستنزافه خاصةً خلال السنوات 12، 13، 14 رغم تعطل معظم إنتاج النفط خلالها ولم تشير النتائج المسربة إلى ذلك، حيث شهدت هذه السنوات مدفوعات كبيرة من النقد الأجنبي وفق لبيانات صادرة عن المركزي نفسه بلغت قرابة 127.000 مليار دولار (مرفق صورة) دون أن يفرض المركزي أي قيود على استخدامات النقد الأجنبي للحد من استنزافه رغم كان بإمكانه فعل ذلك عبر تخفيض قيمة الدينار عند 2.50 دينار الدولار مثلاً بدلاً من 1.30 تزامناً مع مضاعفة مرتبات العاملين أنداك بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة سابقاً رقم (27) لسنة 2011م إلى جانب تفعيل أدوات السياسة النقدية لتقليص المعروض النقدي، حيث بلغت العجوزات في ميزان المدفوعات عن سنوات 13،14،15 م 6.233 ، 23.328 ، 13.323 مليار دولار على التوالي أي بعجز تراكمي قدره 43.000 مليار دولار تقريباً، و تزايد المعروض النقدي خارج النظام المصرفي من 7.600 مليار دينار في بداية 2012 م إلى قرابة 23.000 مليار دينار مع نهاية 2015 م .

2- مع انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية في نهاية 2014م  فضلاً عن استمرار التعطل لمعظم إنتاجه، فرض المركزي مع منتصف 2015 قيود على استخدامات النقد الأجنبي انخفضت بموجبها المدفوعات من هذا النقد خلال هذا العام إلى 20 مليار دولار أي بنسبة انخفاض تقدر بأكثر من ‎%‎50 عن مستوياتها في سنوات 12،13،14م بل وشدد المركزي القيود أكثر خلال العام 2016 م حيث لم تتجاوز قيمة إجمالي المدفوعات حاجز 12.500 مليار دولار فقط وبعجز في ميزان المدفوعات قدره 7.567 مليار دولار .

ونتيجة للسياسات التوسعية للمركزي في استخدامات النقد الأجنبي خلال الاعوام 12،13،14 واجه المواطنين معاناة وظروف اقتصادية قاسية خلال العامي 2016م و2017م جراء غلاء الأسعار وأزمة السيولة، حيث ناهز سعر الدولار نقداً في السوق الموازي حاجز 10 دينار و 14 دينار بصكً .

وعليه فإن المواطنين بمعاناتهم هم من حدوا من استنزاف النقد الأجنبي وليس المركزي ولم يأتي التقرير على ذكر ذلك حسب النتائج المسربة، كما إن استخدام الأموال المجنبة عوضاً عن الاحتياطي لا تقل ضرراً فاستخدامها ألحق ضرراً بحقوق الاجيال القادمة .

3- لم تشير نتائج التقرير المسربة إن المركزي لم يتخذ أي تدابير جراء التزايد الكبير للكتلة النقدية لامتصاصها عبر أدوات السياسة النقدية المعطلة بعد سريان القانون رقم (1) لسنة 2013 م بشأن منع الفوائد الربوية ولم يفعل نظام الصيرفة الإسلامية أو أي تدابير أخرى كنظام بديل لها .

4- لم يشير التقرير إلى أن المركزي هو من قام بمراكمة السلف المالية على الحكومة بالمخالفة للمادة 11 من القانون رقم (1) لسنة 2005 م بشأن المصارف إلى أن تجاوز إجمالي حجم السلف أو الدين العام المصرفي حاجز 150مليار دينار، رغم أن المادة المذكورة تحظر على المركزي مراكمة السلف، وأن تسوى كل سلفة قبيل نهاية السنة المالية التي منحت فيها على ألا تتجاوز  ‎%‎20 من إجمالي قيمة الايرادات المعتمدة .

5- لم تشير نتائج التقرير المسربة على إن خطط المركزي لمعالجة أزمة السيولة تستند فقط على استنزاف الاحتياطي الأجنبي ما سيؤدي إلى المزيد من تراجعه وارتفاع  العجز في ميزان المدفوعات ما سيفضى مستقبلاً إلى انخفاض أكثر في قيمة الدينار رسمياً في حال ما أستمرت إيرادات النفط الحالية على حالها .

6 – لم تشير النتائج المسربة إلى أن المركزي هو من أقر تخفيض قيمة الدينار عند 4.48 بسبب تراجع الاحتياطي الأجنبي وبهدف إطفاء قيمة السلف أو الدين العام المصرفي على الحكومة عبر إعادة تقييم أصوله ، كما لم تشير تلك النتائج إلى التداعيات السيئة لهذا التخفيض فيما يتعلق بتضخم الميزانية العامة للعام الحالي وانعكاساتها السلبية على معدلات التضخم .

7 – لم تشير تلك النتائج إلى مباركة المركزي لما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي في نهاية 2018 والذي يقوم اساساً على تصدير النقد الأجنبي مجاناً إلى الدول الأجنبية في شكل أغراض شخصية واعتمادات مستنديه استهلاكية بدلاً من استقطاب المزيد منه وبما يدعم الاحتياطي .

 وصراحةً هناك العديد من التحفظات على النتائج المسربة لا يسعنا الوقت للخوض فيها .

لكن في الختام يبقى السؤال ، ما هو الجديد الذي أتى به تقرير شركة ديلويت وهل كان يستحق كل الزوبعة والضجة الإعلامية التي سبقته ومبلغ 5 مليون دينار أي قرابة 1.116 مليون دولار كأتعاب لها ؟؟؟؟