حبارات يكتب: اقتصادياً ماذا يعني لنا دين عام بما نسبته ‎%‎277 من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد ؟

744

كتب: نورالدين حبارات المهتم بشأن الاقتصادي مقالاً

يبلغ حجم الدين العام أو الحكومي وفقاً لبيانات المركزي قرابة ‎%‎277 من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد أي بمعنى ديونها تعادل قرابة ثلاث أضعاف إجمالي دخلها .

فمثلاً إذا ما أفترضنا إن الناتج المحلي الإجمالي ب 55 مليار دينار فإن الدين العام يقدر ب 155 مليار دينار ، مع ملاحظة إن هذا الدين يتعلق فقط بالسلف المالية التي منحها المركزي للحكومات فقط وذلك في إطار تغطيته لعجز الميزانية عن السنوات السابقة ولايشمل الإلتزامات المالية التي أنشئتها تلك الحكومات بالمخالفة للقانون وهي تعتبر ضخمة ولا يوجد بها حصر .

ومؤشر كهذا خطير جداً رغم إن إجمالي هذا الدين محلي وليس خارجي فإستمرار تفاقمه يفتح الأبواب على الإقتراض الخارجي .

لكن مع كل ذلك لا تعير الحكومات السابقة والمتعاقبة أي إهمية لهذا الموضوع كما إن معظم عامة المواطنين يبدو لا يدركون مدى خطورة وتداعيات دين عام بهذا الرقم على الاقتصاد وأن هم من سيتحمل أعبائه لوحدهم ، وأن الحديث عن هذا الموضوع عبر وسائل الإعلام للتوعية به شبه معدوم .

هذا وتضطر عادةً كافة حكومات العالم تقريباً لنشأة الديون بهدف تمويل ميزانياتها في حال تراجع الحصيلة الضريبية أو بسبب تراجع الإيرادات النفطية جراء إنخفاض الأسعار في الأسواق العالمية كما هو الحال مع دول الخليج أو أحياناً بهدف تمويل المشروعات التنمية أو في الحالات الطارئة كحالة الحروب وإنتشار الأوبئة أي كالأوضاع التي يعشها العالم اليوم .

وفي مقابل ذلك تتخذ تلك الحكومات إجراءات وتدابير مالية عدة قاسية أحياناً لإحتواء الديون و للحد من تفاقمها عبر فرض سياسات تقشفية كتخفيض فاتورة المرتبات وتسريح العاملين أو رفع جزئي أو كامل لفاتورة الدعم أو خصخصة وبيع لبعض مشروعات القطاع العام وقد تضطر لفرض ضرائب ورسوم جديدة أو زيادة في نسبة الضرائب القائمة .

كما تدفع هذه الحكومات مبالغ كبيرة في شكل فوائد أو خدمة لأعباء الديون كما هو الحال اليوم في مصر حتى تشكل قيمة أقساط القروض وأعباء الديون قرابة ‎%‎50 من إيراداتها العامة سنوياً .

واليوم أرتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي لدول لبنان والسودان وغيرهما سبب مباشر في تدهور إقتصادهما وعملاتهما المحلية ولجؤهما إلى صندوق النقد كما إن تونس قد تسير في الإتجاه نفسه .

لكن في ليبيا فالأمر مختلف تماماً فحكوماتها  لا تعير أي إهمية لمسألة تفاقم الدين العام وتراجع ناتجها الإجمالي المحلي الذي يعتبر النفط عموده الفقري وذلك إستناداً على سياسة ( اللي في الدار يدفع الكراء ) وتعتبر نفسها  غير معنية بالقانون رقم (15) لسنة 1986 م بشأن الدين العام الذي يلزمها بضرورة سداد هذا الدين و الحد من تفاقمه عبر تخصيص ما نسبته ‎%‎05 من إجمالي الايرادات النفطية سنوياً لسداد أقساطه بل هذا القانون لا يسمح لها حتى بنشأة أو ترتيب الديون إلا بموجب قانون .

ووسيلتها الوحيدة في إطفاء الدين ليس عبر إتخاذ تدابير وسياسات تأخد في الإعتبار معايير العدالة الإجتماعية بل عبر تحميل كافة كاهل المواطنين بما فيهم الفقراء أو محدودي الدخل تبعاته ، وذلك من خلال تخفيض قيمة الدينار بإعتبار البلد يوفر كافة احتياجاته بالنقد الأجنبي، حيث تهدف لإطفاء الدين العام من خلال الأرباح الناتجة عن إعادة تقييم أصول مصرف ليبيا المركزي ، فهده الحكومات ليس لديها أي وسيلة أخرى لإطفاء هذا الدين ، فالإيرادات النفطية محدودة جداً لا تكفي حتى لتوفير الضروريات في ظل تفاقم الانفاق العام ، والايرادات السيادية من ضرائب وجمارك و فوائض شركات ليست من إهتماماتها ناهيك عن تهالك البنى التحية وتدهور الخدمات وانعدام التنمية وتكلفة إعادة إعمار ما دمرته الحروب .

وما زاد الطين بلة القانون رقم (1) لسنة 2013 م  بشأن منع الفوائد المصرفية الذي يبدو شجع الحكومات على مفاقمتها للديون وعدم إكثراتها بذلك ، فالسلف المالية الممنوحة لها في شكل قرض حسن دون فوائد ، بل هذه الحكومات حرمت حتى المواطنين من القروض المصرفية التي كان من الممكن إن يتم التحصل عليها عبر ضخ المركزي لجزء من إحتياطياته في النظام المصرفي لتحفيزهم على الإقتراض وتحريك عجلة الإقتصاد الهش لا أن تصرف لها السلف أو القروض لدفع المرتبات وتمويل الهدر في الإنفاق العام فجل الدين العام لم يصرف على المشاريع التنموية و تحسين الخدمات .

وفي الختام فإن إستمرار سياسة الحكومات في مفاقمة الديون عبر الهدر أو توسعها في الإنفاق الإستهلاكي وعدم بحتها عن مصادر بديلة عن النفط بالتأكيد سيعجل من لجؤوها إلى صندوق النقد الدولي ليس بهدف المساعدة فحسب لأن الأزمة لم تعد طارئة بل بإشتراط إصلاح هيكل ميزانيتها وتخفيض عجز ميزان مدفوعاتها وتحرير عملتها وتحسين قدرتها على الإقتراض والسداد مستقبلاً ، وهذا بالتأكيد يدفع ثمنه المواطنين لوحدهم فالحكومات تأتي وتدهب وهم باقون.