حبارات يكتب: ( توضيح مهم حول مفهوم الإنفاق العام اقتصادياً )

55

كتب: نورالدين حبارات المهتم بشأن الاقتصادي مقالاً

في جميع دول العالم عندما تنفق حكومة ما ميزانية بقيمة 100 مليار دولار مثلاً ، فإنها محاسبياً فقط أنفقت هذا المبلغ فقط أي 100 مليار دولار بإعتبار المحاسبة تهتم و تعترف بما هو مثبت ومقيد بالدفاتر والسجلات المحاسبية؛ فالمحاسبة وكما هي معروف هي عملية تسجيل وقيد العمليات المالية من واقع المستندات المؤيدة لذلك وهي بيان للمركز المالي لشركة أو دولة ما في تاريخ معين وهي أيضاً تحليل وتفسير وتوصيل المعلومات المالية إلى متخذي القرارات .

أما اقتصادياً فإن الوضع يختلف كثيراً فهذه الحكومة لم تنفق 100 مليار دولار فحسب بل أنفقت أضعافه بفعل ما يعرف بالمضاعف أو Multiplier و لكن يبقى السؤال كيف ؟؟؟.

فعندما تنفق الحكومة مرتبات العاملين لديها هذه المرتبات تتحول دخول لهم و عندما ينفقونها بعد إستقطاع نسبة معينة منها كمدخرات هذا الإنفاق يتحول دخول إلى محلات التجزئة كالمواد الغدائية واللحوم والألبان والسجائر والمقاهي والملابس وغيرها، ومنها ينفق على الخدمات الصحية لدي المصحات والصيدليات وعلى ايجار السكن وغيرها .

وعندما تنفق الفئات المذكورة أي محال التجزئة دخولها تتحول إلى دخول إلى محال الجملة، ثم تقوم محال الجملة لتنفق دخولها وتتحول دخول لمحال جملة الجملة أو الموردين رأساً وهكذا .

والأمر نفسه فيما يتعلق بنفقات الباب التاني أي نفقات التسيير أو المشتريات الحكومية فعندما تنفق الحكومة مبالغ من هذا الباب تتحول مباشرةً دخول إلى أصحاب الأنشطة الإقتصادية كمعارض الاثاث والسيارات والديكور وقطع الغيار ومكتبات القرطاسية والمطاعم وغيرها وبالتأكيد هذه المحال عندما تنفق دخولها تتحول دخول إلى فئات أخرى وهكذا .

والأمر أيضاً فيما يتعلق بميزانية التحول أو التنمية، فعندما تقوم الحكومة بإنفاقها تتحول مباشرةً دخول إلى الشركات المنفذة أو المقاولين والعمالة ومحال مواد البناء والمواد الصحية وهذا الفئات عندما تنفق دخولها تتحول دخول إلى فئات أخرى و هكذا .

وبالتأكيد تلعب فعالية الإنظمة والتشريعات الضريبية المتبعة في تلك الدول وكفاءة إدارة الجباية و تطور أنظمتها المصرفية دور مهم في تجسيد مفهوم المضاعف فحتى كمية النقود المتداولة في السوق تقريباً نفسها والذي يتغير هو قيمة الأرباح والخسائر دفترياً فقط.

فمثلاً عندما يقال أن تونس أقرت ميزانية ب 52 مليار دينار ما نسبته ‎%‎75 تمول من الضرائب والرسوم فهذا يعني إن الدينارات التي تنفق من قبل الحكومة في شكل مرتبات ومشتريات وتنمية تعود إلى خزينتها بطريقة غير مباشرة في شكل ضرائب من خلال نظامها المصرفي وهذا ما هو متبع في كافة دول العالم .

أما في ليبيا فتلك النظريات والمفاهيم لا يؤمن بها أو لا وجود لها كما ولو إنها خارج هذا العالم .

فمعظم إقتصادها خارج الإطار الرسمي و نظامها الضريبي ضعيف جداً ونظامها المصرفي يعاني فالمبالغ التي تخرج من خزينتها لا تعود لها إطلاقا في شكل صرائب والدليل نسبة مساهمة الضرائب في الميزانية التي لا تتجاوز عادة ما نسبته ‎%‎03 من الإنفاق العام وإذا توقف النفط أو إنهارت أسعاره فلا حل لديها إلا الإلتجاء إلى الديون .

فمثلاً إذا أنفقت حكومتنا هذا العام 111 مليار دينار فإن السنة القادمة ضرورة إستخراج كميات نفطية بقيمة 23 مليار دولار لتدبير ميزانية بهذا المبلغ أو أقل ولا خيار أخر لها عدا الديون فالمبلغ الذي يخرج من خزينتها لا يعود لها.

وفي نهاية المطاف ونتيجة لتلك الساسات المتخلفة على مدى السنوات الماضية أستنفذت الإحتياطيات السائلة أو الأموال المجنبة لدى المركزي وتفاقم الدين العام وتزايد حجم الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي بشكل مريب وهبط الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وأنخفضت قيمة الدينار ، بالطبع دون إغفالنا لحجم الفساد وأثره بعد أن بلغ معدلات قياسية .