“أبو سنينة” يكتب: دعوة لمراجعة سياسات تخصيص الموارد في الاقتصاد الليبي: نحو نموذج بديل لتحقيق التنمية الاقتصادية

60

كتب: محمد أبو سنينة الخبير الاقتصادي مقالاً

هل يدرك ساسة ليبيا ومتخذي القرار الاقتصادي والمالي بها  ، أنّ هناك أخطاء جسيمة في إدارة الاقتصاد والسياسات العامة للدولة ، وفشل هذه السياسات في كسر حالة الجمود والترهل التي يعاني منها الاقتصاد الوطني  ، على مدى العقود الستة الماضية ، والتي أدّت إلى تكريس الطبيعة الريعية  للاقتصاد ، وتراجع أوضاعه الاقتصادية وتوقف التنمية ، وابتعاد الاقتصاد عن وضع الاستقرار ، واستمرار حالة اللاتوازن ، بالمقارنة باقتصادات الدول الأخرى ذات الأوضاع المماثلة ؟  وإن مستقبل الاقتصاد الليبي في خطر  في ظل التخبط والعشوائية في إتخاذ القرارات وانعدام الرؤية !.

ليبيا دولة مساحتها تتجاوز 1.7 مليون كيلومتر مربع ، وعدد الليبيين لا يتجاوز السبعة ملايين نسمة  ، وتستحوذ  ليبيا على عاشر أكبر احتياطي نفطي في العالم ، الذي يصنف من أنضف النفوط في العالم واغلاها سعرًا ، ويوجد بها معظم الخامات الطبيعية بما في ذلك الذهب ، ولها شاطيء بحر يبلغ طوله ألفي كيلو متر ، وتتمتع بأعلى معدل سطوع للشمس في جنوب المتوسط ، وموقع جغرافي استراتيجي يتوسط العالم ، وصندوق سيادي تتجاوز أصوله الستين مليار دولار ، واحتياطيات لدى المصرف المركزي تتجاوز الأربعين مليار دولار ، ومجتمعها فتي تقدر نسبة الشباب فيه بحولي ثلثي عدد السكان ، لايمكن إلا أن تكون دولة في مصاف الدول التي تتصف بمعدلات نمو اقتصادي ومستويات تنمية ومعيشة مرتفعة ، وأفضل حالا من كل الدول المجاورة لها والمماثلة لها في حجم ونوع الموارد الطبيعية المتوفرة بها .

  ومع ذلك ، صارت ليبيا اليوم تصنف من ضمن الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض ، ويقدّر معدل البطالة بين من هم في سن العمل بأكثر من عشرين في المائة ، وتبلغ نسبة الدين العام حوالي  250٪؜ من الناتج المحلي الإجمالي ، ونسبة كبيرة نسبياً من السكان تحت خط الفقر ، وتعتمد اعتماداً كليًا على إيرادات النفط الذي يمثل المورد الوحيد لتمويل الميزانية العامة للدولة والمصدر الوحيد لتوفير الإحتياجات الاستيرادية ، منذ ستينيات القرن الماضي .

ولا زالت المالية العامة تتاثر سلباً بانخفاض صادرات النفط أو تراجع اسعاره العالمية وتعتبر  الصادرات النفطية والدخل المتولد عنها المحدد الرئيسي لمعدل النمو الاقتصادي ، وتبلغ نسبة العاملين في القطاع العام بها حوالي ثلث عدد السكان ، ويعتبر القطاع العام الممول الوحيد والمحرك للنشاط الاقتصادي دون قيمة مضافة تذكر للإنفاق العام .

وتعاني البلاد ، خلال التماني سنوات الماضية ، أزمة سكن ، وأزمة سيولة ،  وأزمة كهرباء ، ونقص في مياه الشرب ، وأزمة دقيق من وقت لآخر ، وانكشاف كامل على العالم الخارجي ، ولا تتصف المالية العامة بالاستدامة ، وتعاني الميزانية العامة عجز من وقت لآخر ، وتشوه كبير إذ يشكل بند المرتبات التي تدفعها الخزانة العامة أكتر من 50% من إجمالي الإنفاق العام .

ولا زالت السوق السوداء للنقد الأجنبي تؤدي دوراً مهما في تمويل التجارة الخارجية وتغطية الأغراض الشخصية ، ويستخدم سعر الصرف أداة لتمويل الميزانية العامة عوضاً عن إستخدامه كأداة لتصحيح التشوهات ودعم مركز ميزان المدفوعات وتوجيه التجارة الخارجية ، فضلاً عن توقف مشروعات التنمية ، وتدني مستوى الخدمات العامة .

ليبيا بالمقارنة بالدول ذات الموارد الاقتصادية المشابهة ، بل حتى الدول المجاورة  غير النفطية والأقل حظاً في الموارد الاقتصادية ، تعتبر الأسوأ حالاً إذ نلاحظ أن الأوضاع الاقتصادية لتلك الدول أفضل بكثير من الاوضاع الاقتصادية في ليبيا ، من منظور مستويات التنمية الاقتصادية ومعدلات النمو الاقتصادي ، وإستقرار الأوضاع الاقتصادية ، حيث انكمش الاقتصاد الليبي بنسبة 55% خلال عام 2020 ، وهو أعلى معدل انكماش شهدته الدول العربية المصدرة للنفط والدول المستوردة للنفط خلال تلك السنة ، حيت لم تتجاوز متوسط نسبة الانكماش بها 6% على إثر جائحة كورونا .

وتشهد الاوضاع الاقتصادية بتلك الدول استقرارا نسبياً ، وتتصف اقتصاداتها بالتنوع النسبي  ، ولم تتوقف بها مجهودات التنمية رغم تواضعها هذه المفارقة الشاسعة والتناقض الاقتصادي والتنموي الكبير ، دليل صارخ على عدم سلامة أسلوب إدارة الاقتصاد ، وعدم القدرة على الاستفادة من الموارد الاقتصادية المتاحة ، وعدم كفاءة أسلوب تخصيص الموارد واستغلالها في ليبيا ، والعشوائية التي تتصف بها السياسات الاقتصادية وقصورها في التعامل مع مختلف المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الكلي .

السياسات المتبعة أدت إلى تعميق الطبيعة الريعية للاقتصاد الليبي ، وزيادة  معدلات الفقر ، والقضاء على الطبقة الوسطى في المجتمع ، وتكريس الاعتماد على القطاع العام في البحت عن فرص العمل ومصدر للدخل  والدعم .

كما توقفت التنمية الاقتصادية  نتيجة لسيطرة الاتجاهات الاستهلاكية والتوسع في الانفاق الاستهلاكي والتسييري والدعم على اسلوب ونمط تخصيص الموارد والانفاق العام وزادت حدة انكشاف الاقتصاد على العالم الخارجي ، وتراجع مستوى الخدمات العامة .

السياسات العامة المطبقة ، بما في ذلك السياسة الاقتصادية ،  في أي مرحلة من المراحل التي مر بها الاقتصاد الليبي ، منذ اكتشاف النفط والبدء في تصديره في أوائل الستينيات من القرن الماضي ، لم تتجاوز توزيع  الدخل المتاح من تصدير النفط على أبواب الميزانية العامة التقليدية ، وقيام القطاع العام بتمويل  تكوين راس المال .

وتبني  نظام سعر الصرف الثابت ، الذي يعتبر هو الاخر نتيجة للاعتماد  على مورد واحد للدخل والطبيعة الريعية للاقتصاد  ولم يخرج اسلوب تخصيص الإيرادات ، ضمن الميزانية العامة للدولة عن الأسلوب التقليدي ، أو مايعرف بأسلوب التنمية الموجهة بالموارد( resource oriented) وهي السياسة التي لم تكن في يوم من الايام سياسة تستهدف تنويع الاقتصاد ، ورفع معدل الانتاجية في القطاعات الاقتصادية غير النفطية ، وتقليل الإعتماد على النفط ، وزيادة معد كفاءة راس المال ، بل تم تجاهل أسلوب التنمية المدفوعة بالابتكارات والتكنولوجيا ( innovation and technology oriented )، وتبني الأساليب التكنولوجية الجديدة المحفزة للنمو الاقتصادي .

ولم يعوّل على القطاع الخاص الوطني في القيام بدور محوري في النشاط الاقتصادي، كما لم يتم تغيير أسلوب تمويل الميزانية العامة ، والبحت عن طرق تمويل أخرى معروفة تتبعها معظم الدول الاخرى ، بما في ذلك الدول النفطية ، في جمود غير معهود للسياسة المالية وتجاهل اعمال كافة أدواتها التي توجه في العادة لإنعاش الاقتصاد ودعم القطاعات الانتاجية ، وتوفير فرص عمل .

ولم يعرف مبرمجو  الانفاق العام غير توزيع ايرادات النفط  على ابواب الميزانية المختلفة وأن وجدت المعرفة باساليب التمويل الاخرى  لدى بعض ممن تولوا برمجة المالية العامة ، إلا أنه لم تكن هناك الإرادة السياسية اللازمة للخروج من حالة الجمود الفكري  واساليب التخطيط العقيمة التي تعاني منها مؤسسات الدولة المعنية .

واستمرت الدولة  في شراء السلم الاجتماعي ، من خلال توزيع ريع النفط في شكل مرتبات ومعونات ودعم ، بدلا من استهداف تحقيق دولة الرفاه ذات الفعالية  والنجاعة الاقتصادية .

وقد صار أكبر خطر يهدد الاستدامة المالية للدولة ، ويعرض الاقتصاد للانهيار التام ، والعجز الكامل عن تلبية الاحتياجات الضرورية لحياة المواطنين ، هو الاعتماد على إيرادات النفط كممول وحيد للانفاق ، الذي يتصف بعدم الانضباط وتدني كفاءته . إذ قد ياتي اليوم الذي لن تكون فيه إيرادات النفط كافية لتغطية فاتورة المرتبات ناهيك عن تمويل التنمية ، وقد حدت هذا بالفعل ابّان أزمة الهلال النفطي

لن تتغير الاوضاع الاقتصادية للبلاد ، ولن  يتحسن مستوى معيشة السكان ، ولكن تنكسر الحلقة المفرغة التي يعمل فيها الاقتصاد الليبي ، ولن  تتحقق استدامة المالية العامة ، مالم يتم تغيير أسلوب ادارة الموارد الاقتصادية ، وتسخير المقومات الذاتية للاقتصاد الليبي لتحقيق التنمية وتعزيز تنافسية الاقتصاد ، ومراجعة السياسات العامة العقيمة والتخلي عنها ، والاعتراف بالاخطاء التي تعتري السياسات الاقتصادية والتنموية المطبقة ، و الاقرار بعدم جدواها في بناء اقتصاد انتاجي  تنافسي ، والاعتراف بفشل هذه السياسات في تحقيق طموحات الناس ورفع مستوى المعيشة ، وبناء اقتصاد قوي .  ولن تنكسر الحلقة المفرغة للتخلف والفساد والجمود الفكري ، مالم يتم إستهداف تنويع الاقتصاد ، كاولوية قصوى ، وفقا لاستراتيجية واضحة الاهداف ، قابلة للقياس ، واطار زمني محدد ، للتخلص  من الطبيعة الريعية للاقتصاد وتنويع مصادر الدخل ، والقضاء على الفساد ، وفتح المجال امام القطاع الخاص الوطني ليقوم بدور أساسي ومهم في النشاط الاقتصادي وتمويل مشروعات التنمية وتنفيذها ، واصلاح أوضاع المؤسسات الاقتصادية ، واعادة توجيه أدوارها .

ويتطلب ذلك تبني رؤية ( vision ) واضحة لهيكلة الاقتصاد الليبي وهويته المستقبلية ، تنتج عن حوار وطني حقيقي  يأخد بعين الإعتبار العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية المؤثرة في التنمية ، وتحديد أدوار مختلف الاطراف العاملة   بالاقتصاد ، بشكل واضح ومقنن ، وتنظيم العلاقة بين هذه الاطراف .

وتبني استراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية بدلا من سياسات دعم السلع وهدر الموارد والالتزام بتحقيق اهداف التنمية  ، التي اقرتها الامم المتحدة ، خلال الألفية الثالثة ( 2030 ) وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة ، وتطبيق القانون وتكريس مبدأ عدم الافلات من العقاب .