رداً على الدبيبة..الحبري يكتب مقالاً بعنوان:”كلنا سكرانين”.. (التوغل في الريعية)

575

كتب نائب محافظ مصرف ليبيا المركزي “علي الحبري” مقالاً أكد فيه لصدى الاقتصادية على صحته بعنوان “كلنا سكرانين” ٫ (التوغل في الريعية).

أثار إنتباهي ملاحظة ذكرها السيد المحترم رئيس حكومة الوحدة الوطنية أشار فيها بالاسم إلى أسمي وصفتي بأنني قد نصحت سيادته بعدم التوسع أثناء الخطاب الاعلامي ( المبالغة في إدعاء الغنى والثروات ) دون الإرتكاز الى الواقع المالي الحقيقي ، ومتغيرات الاقتصاد التي تشهد تراجعاً كبيراً في وطننا العزيز … وهذا العنوان رغم ظاهره الذي قد يؤحي أن ( دنان الخمر ) قد أخذت مجراها في الدم فأذهبت العقل فنطق ( كلنا سكرانين ) .

والحقيقة هي غير ذلك لأن حالة السكر لدينا مصدرها وللأسف ( براميل النفط التي جعلت المال الربعي مشاعاً ينفق دون حسيب أو رقيب ٫ وحين أضطرنا هذا الحماس الريعي المنفلت إلى لفت الانتباه من الزاوية الاقتصادية لأهمية تخفيف نغمة إدعاء الثراء من أجل تشريع التوسع في الانفاق وتسريع إستهلاك الاحتياطي النقدي للدولة الليبية الذي كما يعلم الجميع يتناقص بشكل منتظم منذ ثورة فبراير وحتى الآن حيث كان في بدايتها ( 132 ) مليار دولار امريكي وهو الآن لايتجاوز في أحسن الاحوال ( 65 ) مليار دولار أمريكي .

هـذا الإنخفاض التدريجي الخطير جدا يستوجب المعالجة ورغم محاولات المركزي مع حكومة السراج وضع بعض المقدمات والإرهاصات للإصلاح المالي والنقدي إلا أن ذلك الآن أصبح كأن لم يكن وأصبحت خزائن المركزي مشرعة الأبواب مذكرة إيانا بالآية الكريمة ( هذا عارض ممطرنا ….. ) مما يشكل ظاهرة ملفتة للنظر يجب الوقوف أمامها ومواجهتها.

أن هذا التوسع في الانفـاق مـن الماليـة العامـة سيؤدي حتما إلى زيادة الطلـب علـى ( النقـد الأجنبي ) ، وكذلك زيادة الطلب على ( النقد المحلي ) وسيؤثر حتماً على مستوى التضخم وكل ذلك سيسرع عمليـة تنـاقص إحتياطي الدولـة مـن النقد الأجنبـي ، مما سيجعل مـن ظـاهرة الابتسامة الباهتة وإدعاء الثراء- دون تقدير للعواقب ومعالجة الإنحرافات وتصحيح الوضع المالي للدولة بالشكل الملائم لإدارتهـا فـي إطـار إستدامة مالية ورشد اقتصـادي قـادر على مواجهة التغييرات بقدر من الحكمة والتوازن والرشد الاقتصادي- مجرد صدى صوتي .

كانـت ملاحظـة هـامـة وواثقـة ورأيتهـا فـي مـصـلـحـة الـبلاد ومسـتقبل العبـاد لأن الانصراف الـى فكـرة التوغـل فـي الدولـة الريعيـة مـن خـلال إشـاعة ( الدولـة الغنيـة ) هـو توجه غير ملائم للاقتصاد الليبي للأسباب التالية :

  • الدولة تعاني من دين عام تجاوز ( 150 ) ملیار دینار .
  • غياب السياسة المالية ودور وزارة المالية شكلاً ومضموناً .
  • التوسع في الانفاق العام الاستهلاكي بدرجة يصعب السيطرة عليها ودون منطق إقتصادي .
  • غياب التخطيط والرؤية الاستراتيجية لتنويع الاقتصاد
  • التوسع في التعيين الحكومي بشكل ملفت للنظر وإنني أتوقع أن كل مخرجات التعليم بكافة مراحله في ظل إستمرار هذا الوضع لن تجد الفرص الكافية للتوظيف إلا من خلال صاحب الربع والمتحكم فيه
  • التركيز على مجانية الدولة وإستمرار مسلسل توزيع الثروة يشكل ظاهرة سلبية في إستلاب وعي المجتمع ، ومحاولة إستقطاب الناس .
  • العجز الهيكلي المستقر في بنيان الاقتصاد الليبي يوضح صعوبة إستمراره في ظل السياسات التوسعية غير الانتاجية ، مما يجعل من العجز الهيكلي حالة مرضية مزمنة ومستدامة …. فا إلى متى أيتها الدولة الغنية ؟ .
  • حالة الانكشاف الكبيرة في الاقتصاد الليبي ، والتي تجاوزت ( 80 % ) في إرتهان كلي للاقتصادات الخارجية تحتاج وقفة جادة.

وختــاماً … وحتـى نـكـون علـى وفـاق مـع عقولنـا لعلنـا نـجـد فـي مـنـهـج القـرآن الكريم قدوة ومسلكاً في الانضباط المالي السليم ، حيث يقول الله تعالى في كتابه ( ولاتجعـل يـدك مغلولـة إلى عنقـك ولاتبسطها كـل البسط فتقعد ملومـاً محسـورا ) ، ونحـن نـرى عـن قرب عواقب هذا البسط من إحتجاجات ومطالبات .

وفي ضرورة الضبط والترشيد يقول الله في كتابه ( ولاتسرفوا إنه لايحب المسرفين ) ومظاهر الإسراف كثيرة ظاهرة وباطنة وآخرها ضم الشركات العامة الى جدول المرتبات في إستباحة غريبة للمال العام ، فالاقتصاد يقوم على إنتاج سلعة أو تقديم خدمة وكلاهما له تكلفة : وفكرة الشركات العامة هو إنتاج السلعة أو تقديم الخدمة وخلق التوازن المالي بناء على ذلك والفشل ثمنه التصفية أو الخصخصة ومن يقول بغير ذلك فهو من دعاة توزيع الثروة والدولة المجانية واقتصاد الوهم .

لعـل أعظم الإشارات الربانية في كتابه العزيز كانت من خلال إدارة الأزمة في سورة ( يوسف ) ، حيث يقول الله في كتابه العزيز: (قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ) ، وهي نصيحة ثمينة للمحافظة على الإحتياطيات لأهمية دورها في معالجة سعر الصرف وإرساء أساس سليم للإستقرار الاقتصادي .

سبحان الله مأعظم ذلك لوكان العقل في دائرة النور وخارج دائرة ( كلنا سكرانين ) .