” أبوسنينة” يكتب مقالاً بعنوان: حتى لا يضطر المصرف المركزي لإجراء تخفيض آخر وأشد لسعر صرف الدينار الليبي

3٬651

كتب: الخبير الاقتصادي محمد أبو سنينة مقالاً

من حيث المبدأ تعتبر سياسة سعر الصرف المدار ( managed float ) غير قابلة للاستدامة ، وستواجه العديد من الضغوطات ، في ظل المتغيرات الاقتصادية المحلية والدولية، وما يعزز هذا الرأي تضخم النفقات العامة وتناميها من سنة إلى أخرى ، والاعتماد على الإيرادات الإضافية المتأتية من تعديل سعر الصرف في تمويل نفقات الميزانية العامة ، بالمخالفة لأبسط مبادئ المالية العامة التي ينبغي أن تكون معاكسة للاتجاهات الدورية.

والشاهد على ذلك في حالة الاقتصاد الليبي ، استخدام عوائد الرسوم التي فرضت على مبيعات النقد الأجنبي بنسبة 183% والتي خفضت إلى 163% في عام 2018 لتمويل الكثير من النفقات العامة والاعتماد عليها في استحداث أوجه صرف جديدة ( بند الطوارئ) .

وكان لجوء الحكومة إلى إقتراح وتنفيذ ميزانية عامة خلال عام 2021 تتجاوز قيمتها 95 مليار دينار مدفوعاً بالإيرادات المتتالية من تخفيض سعر صرف الدينار الليبي في بداية عام 2021 بنسبة 71٪؜ تقريباً عندما أصبح سعر الصرف عند مستوى دولار واحد يساوي 4.48 دينار ليبي، وهذا السعر الجديد لصرف الدينار الليبي ، في رأينا هو سعر غير توازني وغير عادل ومبالغ فيه ( overvalued )، وغير قابل للاستدامة ، وهو في نفس الوقت إجراء غير مكتمل ، إذ لم يحدد القرار الصادر عن مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي آلية لتحديد سعر لشراء النقد الأجنبي لدى المؤسسات المصرفية المسموح لها بالتعامل في النقد الأجنبي بيعاً وشراءً ، ولم يتم على أساسه كما ينبغي.

إعادة تقييم أصول وخصوم القطاع المصرفي الليبي المقومة بالنقد الأجنبي ، بالرغم من أن الإجراء كان يشكل تعديلا في سعر الصرف الرسمي للدينار الليبي ، ولم يحدد آلية لكيفية تقييم مبالغ النقد الأجنبي المستحقة قبل تاريخ تخفيض سعر الصرف والتي تحققت في تاريخ لاحق له .

وإذا كانت النية والقصد من ذلك التخفيض هو القيام بإجراء لاحق لمراجعة السعر ، ليس بعيد عن تاريخ التخفيض الذي تم وتثبيته عند مستوى السعر التوازني المطلوب ، فقد تأخر هذا الإجراء كثيراً لدرجة أنه لم يعد في متناول اليد ، في ظل إقرار ميزانيات عامة فلكية والزيادات المتتالية في مرتبات بعض القطاعات والإلتزامات التي رتبتها الحكومة على نفسها والتي تمتد لسنوات لاحقة بعد السنة المالية 2021 ، بالإضافة إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي في الآونة الأخيرة لمختلف الأغراض والأسباب، وأن المحافظة على هذا السعر أو عدم القدرة على مراجعته ، يحمل في طياته مخاطر الاضطرار إلى إجراء تخفيض أخر مفاجئ في سعر صرف الدينار الليبي، في ظل سياسة الإنفاق العام التوسعية .

وبالرجوع إلى برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي الذي سبق الإعلان عنه وتبنّاه مصرف ليبيا المركزي عام 2017 – 2018 والذي شارك في إعداده نخبة من الخبراء والاقتصاديين ( لجنة العشرين ) لا نجد في هذا البرنامج أساسًا للإجراءات التي إتبعت في معالجة سعر صرف الدينار الليبي على النحو الذي تم خلال السنوات الثلاث الأخيرة ، والتي كانت الحكومة طرفاً رئيسي فيها.

برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي كان قد أوصى بالتوجه نحو السعر التوازني لصرف الدينار الليبي على خطوتين متتاليتين ، خلال فترة زمنية محددة ، بحيث يكون السعر الذي يتحدد في الخطوة الأولى قريب من سعر الصرف التوازني الذي حدده البرنامج ، والمبني على دراسة معمقة لمختلف المتغيرات الاقتصادية ، بهدف تهيئة البيئة وإعطاء إشارة للسوق بتوجه المصرف المركزي ، وفي الخطوة الثانية يتم تحديد سعر الصرف التوازني للدينار الليبي ( بيعا وشراءً ) الذي يحقق التوازن الداخلي والتوازن الخارجي ، وترفع معه كافة القيود المفروضة على التعامل في النقد الأجنبي ، ويكون هذا السعر التوازني مصحوباً بسياسات اقتصادية ( مالية وتجارية ) داعمة تضمن استقراره ، بما في ذلك مراجعة سياسة دعم المحروقات ، وعلى رأس هذه السياسات ضبط الإنفاق العام وزيادة كفاءته ، والبحث عن موارد إضافية لتمويل الميزانية العامة من خلال إشراك القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي .