“الترهوني” يكتب: التخبط في إدارة ملف الاقتصاد الليبي.. إلى متى؟

123

كتب: د. عبدالله ونيس الترهوني

تُعد وزارة الاقتصاد واحدة من بين أهم الوزارات في أي حكومة حول العالم لأنها مسؤولة عن رسم وتنفيذ جزء هام من السياسة الكلية للدولة، كما أن صميم عملها يمس حياة المواطن اليومية، ولكن بكل آسف لاحظنا التخبط الذي تعيشه هذه الوزارة في ليبيا عبر عقود لعل آخرها صدور عدة قرارات ثم سحبها او الغائها، كما أن وزارة الاقتصاد ووزارة المالية في حكومة الوحدة الوطنية لم تقوما بدورهما الصحيح في معالجة ملف الموظفين والعاملين بالشركات الاجنبية المنسحبة والشركات المحلية المتعثرة وهو موضوع إنساني في المقام الأول.

بعيداً عن كل هذا، اجرت قناة ليبيا الوطنية مطلع شهر ديسمبر الجاري لقائاً مع محمد الحويج وزير الاقتصاد والتجارة وماشدني في اللقاء هو الاتي : أنه أقترح منح فرد من كل أسرة مبلغ مليون ونصف دينار وبضمان ما تملكه الأسرة نظير قيامه بمشروع خاص بالأسرة، وعلل ذلك بأن تلك المشاريع لن تكون عشوائية، وسيتم إدارتها من خلال جدول سنوي، وبما أن هذا الكلام قد صدر عن الوزير قبل أيام من نهاية ولاية الحكومة، فإن هناك عديد الاسئلة التي تطل برأسها منها : كم مليار سيتم ضخه لتطبيق هذه الفكرة ومتى سيتم تطبيقها وكيف ستتم إدارتها ، وهل ستكون القروض عينية (آلات ومواد خام) أو نقدية (كاش)، ثم إن الأسرة التي لاتملك ضمانات كافية هل سيتم حرمانها من هذه القروض، ثم كيف سيتم حماية المنتجات المحلية التي تنتجها الأسر ، ولماذا تكلم الوزير عن الصناعة ولم يتطرق لقطاع الخدمات لا من قريب ولا من بعيد، والأهم من كل هذا ماهو أثر ضخ مزيد من النقود (التضخم) في شرايين الاقتصاد الوطني؟

كما شدني ايضاً قوله أن 50% من الليبيين بدون أمن غذائي في حكومة انفقت مايزيد عن 90 مليار دينار وإن ذهب اغلب هذا الرقم لبند المرتبات، وبالتالي فعلى المواطنين الليبيين ربط الأحزمة أو (ترشيد الإنفاق)، وقد كنت أتمنى أن لا يصدر كل هذا الكلام عن شخص وزير الاقتصاد الذي كان يوماً ما وزير مالية، وكان الأجدر به معالجة المشاكل اليومية وبالأخص الأمن الغذائي وإيجاد حلول فورية لها، وأن لا يتطرق الوزير إلى مواضيع استراتيجية تخص تنوع الاقتصاد على المدايين المتوسط والبعيد لأنه ليس من اختصاص حكومته، وماشدني ايضاً هو قوله أن تجارة العبور في دبي تصل لـ270 مليار سنوياً توجه أغلبها لقارة أفريقيا، وأن موقع ليبيا الجغرافي يجعلها أغنى من إمارة دبي وحتى من دول أخرى ، وإذا ما افترضنا صحة كلام الوزير وأن ليبيا هي أغنى من دبي، فإن الحقيقة التي لايدركها الوزير هي أن الخامات والموارد غير الهيدروكربونية في ليبيا ستجعل منها اقتصاداً رائداً ناهيك عن الموقع الجغرافي المميز هذا أولاً ، وأن ماتجنيه إمارة دبي هذه الأيام هو ليس وليد اللحظة فهو ثمرة تخطيط وتنفيذ على أعلى المستويات والذي بدأ منذ نهاية الثمانينات هذا ثانياً، أما الحديث عن تجارة العبور وموقع ليبيا الجغرافي فهذا الموضوع يتم اثارته بين الفينة والأخرى ومنذ عصر المملكة، وهذا الطرح غير واقعي قياساً الى الظروف التي تمر بها البلاد حالياً، وأن ليبيا بحاجة لبنية تحتية في الطرق والسكك الحديدية والاتصالات قبل كل شئ ليتم بعدها الشروع في تطوير الموانئ والمطارات، وأن تم تبني هذا الطرح فهو بحاجة إلى تمويل وبالمليارات، والتمويل بحد ذاته هو بحاجة الى دراسة وتأني بغض النظر عن طريقة التمويل، أما فيما أشار إليه الوزيرضمن حديثه بخصوص النفط فإنني أرى أنه من الاجدى الاعتماد على الصناعات التحويلية القائمة على خام النفط بدلاً من تصديره كنفط خام.

من نافلة القول أن الاقتصاد الليبي بسيط أن لم نقل متخلف وهو المتمثل في بيع النفط الخام وتقسيم عائداته بين مرتبات وسلع استهلاكية مستوردة حيث لاصناعة ولاخدمات حقيقية في ليبيا، وأن مشكلة ليبيا تكمن في إدارة الموارد وليست الموارد في حد ذاتها، وأن الصراع الدائر في ليبيا سببه سوء توزيع عوائد الريع، وأنه في حال وجود ارادة حقيقية وتخطيط سليم وكوادر وطنية متخصصة (بعيداً عن أشباه المتعلمين والنفعيين) عندها يمكننا العمل على ايجاد بديل او بدائل حقيقية للاقتصاد الليبي وذلك بالاعتماد على الموقع الجغرافي لليبيا، وأن من بين الافكار التي يمكن تطبيقها واقعاً في ليبيا في قادم السنوات هو الاقتصاد الأزرق ، والذي يضم قطاعات النقل البحري والموانئ والصيد البحري والسياحة الشاطئية والمنصات البحرية والطاقات المستخرجة من الأمواج والرياح والتعليم البحري….الخ، وإنه إذا مانجحت ليبيا في تبني الفكرة مستقبلاً (أو أي فكرة اخرى واقعية) فإنه بالإمكان عقد شراكات لتطوير الموانئ والمطارات والمناطق اللوجستية والصناعية والحرة وصيانة الطرق ومد شبكات السكك الحديدية إلى دول الجوار وبالأخص الحبيسة منها، ثم تطوير المستشفيات والمدارس والجامعات…الخ، وبالتالي خلق اقتصاد متنوع بل ورائد قائم على الموقع الجغرافي ويركز على الخدمات في المقام الأول ، وبالمناسبة فقد نشرتُ ثلاث مقالات عن الاقتصاد الازرق خلال العام 2019 بالاضافة الى مقالات اخرى عن الاقتصاد الليبي والتنمية.

ختاماً ، إن دولة ليبيا مجبرة على تنويع اقتصادها والخروج من عباءة الريع، ولكن لابد أن يكون التنوع المنشود وفقاً لخطة صحيحة ورؤية ثاقبة وأهداف محددة قابلة للقياس وضمن وعاء زمني واضح البدايات والنهايات، تأخذ في الاعتبار الاهم قبل المهم بهدف تحسين مستوى معيشة الليبيين وخلق فرص عمل، وأن يكون التعليم هو حجر الزاوية في هذا التنوع فبدون التعليم وبالأخص التقني والفني منه لايمكننا حتى مجرد الحديث عن تنوع الاقتصاد.