حبارات يكتب : ما هي حقيقة وجدوى الإنفاق الحكومي والفائض المقدر ب 19 مليار دينار في (الميزانية ) ؟

69

كتب المهتم بالشأن الاقتصادي نورالدين حبارات مقالاً :

أعلنت حكومة الوحدة الوطنية مؤخراً وفي تصريحات وبيانات رسمية لها أن الإنفاق الحكومي الفعلي خلال العام 2021 م بلغ قرابة 86 مليار دينار وأنها حققت فائض يقدر ب 19 مليار دينار كما أكدت أن ( ميزانيتها )هي الأقل منذ عشر سنوات مقارنةً بميزانيات سنوات سابقة مقومةً بالدولار في إشارة إلى حجم الإنفاق الذي بلغ حجمه ما يعادل 19 مليار دولار مضروباً في سعر 4.48 دينار للدولار .

وصراحةً ما أعلنته الحكومة غير دقيق ويكتنفه الكثير من الغموض بل ينضوي على مخالفات عدة للقوانين والتشريعات المالية المنفذة .

وقبل الخوض في أسباب و مبررات ذلك يجب الإشارة إلى أن التعاطي أو الاعتقاد بأننا كنا أمام ميزانية خلال العام 2021 م بمفهومها الصحيح اعتقاد خاطي بالمرة ، فمشروع الميزانية للعام 2021 م الذي تقدمت به الحكومة وكما هو معروف لم يعتمد ولم يصدر قانون بشأنه يحدد قيمة الإيرادات المقرر تحصيلها وسقف الإنفاق العام وأوجه وأغراض صرفه على الأبواب والبنودً وآلية النقل فيما بينها والترخيص للقطاعات والجهات التابعة لها للتقيد بالصرف في حدودها من خلال إصدار تفويضات مالية بشأنها بشكل دوري على أن تعد هذه الجهات تقارير شهرية بالإيرادات والمصروفات توضح أوجه صرف تلك التفويضات وعدم تجاوزها .

ومن ثم الصرف في ظل غياب هذا القانون مخالفة صريحة يعرض الحكومة للمساءلة ويجعله أقرب للعشوائية بعيداً عن التخطيط والدراسة كما تصبح رقابة السلطة التشريعية والأجهزة الرقابية على الإنفاق والإيراد غير ذي جدوى .

وبالعودة إلى تصريحات وبيانات الحكومة نستخلص الأتي :
1- الفائض الذي تدعي الحكومة تحقيقه والمقدر ب 19 مليار دينار فائض غير حقيقي ومضلل ناتج عن إدراج الحكومة وبالمخالفة لقيمة الإيرادات النفطية المجمدة عن العام 2020 م والمقدرة ب 18 مليار دينار ( 4.000 مليار $ ) ( مرفق صورة من مشروع الميزانية ) حيث أن هذه الإيرادات كان يفترض إحالتها إلى حساب الاحتياطي العام والتصرف فيها لا يتم إلا بموافقة السلطة التشريعية أي بموجب قانون أو قرار صادر عنها ، فالميزانية بيان بالإيرادات المتوقع تحصيلها وليست بيان بالإيرادات المحصلة عن سنوات سابقة .

وللتوضيح فإن قيمة إيرادات نفطية عن الفترة من يناير
حتى أكتوبر 2020 م، 75.330 مليار دينار + إيرادات سيادية 2.500 مليار دينار، الإجمالي 77.550 مليار دينار .

وإذا ما أضفنا لها قيمة إيرادات النفط عن شهري نوفمبر وديسمبر التي لم تعلنها المؤسسة بعد والتي تقدر ب 13.400 مليار دينار ( 3.000 مليار $ ) فإن إجمالي الإيرادات العامة = 90.550 مليار دينار .

إذن الفائض الفعلي = أجمالي الإيرادات – إجمالي الإنفاق
= 90،550 – 86.000 = 4.550 مليار دينار تقريباً وليس 19 مليار دينار كما ذكرت الحكومة والمركزي، مع ملاحظة أن هذا الفائض ليس ناتج عن كفاءة الحكومة في جبايتها للإيرادات وترشيدها في الإنفاق بل ناتج فقط عن تخفيض قيمة الدينار أمام الدولار عند 4.48 .

2- باستثناء المبالغ التي صرفت في شكل مرتبات والمقدر قيمتها ب 33.000 مليار دينار وبما نسبته ‎%‎39 من إجمالي الإنفاق والتي تأكلت قدرتها الشرائية جراء الارتفاع الملحوظ في أسعار الخدمات والسلع الأساسية من غذاء ودواء ًوغيرها والسؤال هو، كيف يتم صرف قرابة ما قيمته 8 مليار دينار على جهاز حكومي مترهل غير منتج خصماً من الباب الثاني خاصةً وأن معظم أوجه صرف هذا الباب لا علاقة مباشرة لها بالمواطنين فهي تنحصر عادةً في التأثيث وأعمال الديكور والتجهيز للمقار الإدارية والايجارات والقرطاسية ونفقات السفر والإعاشة والعهد الماليةً والخ ؟؟؟ وفي الوقت نفسه لم توفر الحكومة الضروريات كالكتاب المدرسي رغم أهميته القصوى.

  • كيف يتم صرف ما نسبته ‎%‎85 من مخصصات باب الطوارئ والمقدرة ب 5.500 مليار دينار على باب التنمية خاصةً وإن الصرف على الأخير تنظمه قواعد وضوابط للصرف محددة بموجب القانون رقم 13 لسنة 2000 م بشأن التخطيط وهذا إن دل فإنما يدل على عدم الحاجة أصلاً لباب الطوارئ ويعزز العشوائية القائمة على أن الصرف على التنمية لا يتم طبقاً لدراسات وخطط تبين مدى الحاجة للمشاريع ووفق لسلم الأولويات .

3- المبالغ المخصصة للتنمية والمقدرة بأكثر من 17 مليار دينار معظمها أو جزء كبير منها آحيل إلى حسابات القطاعات خلال شهري نوفمبر وديسمبر كان بهدف الاستحواذ عليها فقط ويتطلب الأمر إلغائها وإعادتها إلى حساب الإيراد العام وذلك فيما يتعلق بالمشروعات التي يتم الشروع في تنفيذها، في حين يتطلب الترحيل إلى السنة المالية القادمة المخصصات المتعلقة بالمشروعات الجاري العمل بها على أن تدرج مخصصاتها في إطار مخصصات ميزانية العام الحالي 2022 م والصرف منها لا يتم إلا بموجب تفويضات مالية غير مسيلة صادرة عن وزارة التخطيط استنادا إلى تقارير متابعة مالية وفنية تحدد مراحل ونسب الإنجاز ، وادعاء الحكومة بأحقية احتفاظها بتلك المبالغ بحساباتها إجراء مخالف للقانون و التشريعات المالية النافذة .

و السؤال هو ، ماهي القطاعات التي أنفق عليها 12 مليار دينار خصماً من باب التنمية وفقاً لبيان المركزي وماهي انعكاسات اتفاق بهذا الحجم على الأرض أي على حالة المستشفيات والمدارس والطرق والملاعب الرياضية وغيرها ؟؟ وماذا عن إنفاق مبلغ ب 2.500 مليار دينار على الكهرباء ومبلغ أخر بقيمة 850 مليون دينار خصماً من باب الدعم والمواطنين لازالوا يعانون أزمة كهرباء مزمنة غير مسبوقة لا حل لها في الأفق ؟؟؟

4- بلغ الإنفاق على باب الدعم قرابة 20.800 مليار دينار فباستثناء قيمة علاوة الأبناء المقدرة ب 4.400 مليار دينار والتي تأكلت قدرتها الشرائية قياساً بما كانت عليه عند إقرارها في 2013 م فالسؤال هو، ماذا عن صرف مبلغ 10.000 مليار دينار على دعم الوقود و مناطق عدة من البلاد.

خاصةً في جنوبها لا يصلها الوقود ؟؟ . وماذا عن دعم الأدوية بقيمة 3.000 مليار دينار والمواطنين لا يجدون هذه الأدوية التي التهمت جزء كبير من دخولهم ومدخراتهم ؟؟؟ .

5- إلا تشعر الحكومة بالحرج بإعلانها إن حصيلة إيراداتها السيادية لا تتجاوز قيمتها 2.500 مليار دينار أي ما نسبته ‎%‎02 فقط من إجمالي الايرادات ولا تغطي حتى مرتبات العاملين لمدة شهر ؟

6- فهل يعقل اتفاق عام بقيمة 86.000 مليار دينار يتولد عنه ضرائب بقيمة 791 مليون دينار فقط ورسوم جمركية بقيمة 311 مليون ؟؟

7- اعتماد الحكومة للعملات الأجنبية أي الدولار في مقارنة ميزانياتها بميزانيات سابقة إجراء غريب ومخالف للقوانين والتشريعات المالية النافذة وفيه تمويه للرأي العام ، فالدينار هو العملة الوطنية والميزانية يتم تحضيرها وإعدادها ومناقشتها واعتمادها بالدينار الليبي وكذلك الحساب الختامي ، كما أن الإيرادات النفطية تحتسب وتقدر بالدينار ، فنحن في ليبيا وليس في الولايات المتحدة .

وفي الختام يبدو أن الحكومة تناست أو ترى نفسها غير معنية بتخصيص ما نسبته ‎%‎05 من إجمالي الإيرادات النفطية أي ما يعادل 5.000 مليار دينار لسداد جزء من الدين العام المصرفي المتراكم والذي يقدر بأكثر من 150 مليار دينار وذلك عملاً بأحكام القانون رقم (15) لسنة 1986 م بشأن الدين العام ويبدو غير معنية أيضاً بتخصيص ‎%‎15 من تلك الإيرادات أي ما يعادل 15.000 مليار دينار لحساب الاحتياطي العام ضمان لمستقبل الأجيال القادمة ولمواجهة أي طارئ لقدر الله تنفيذاً لأحكام القانون رقم 127 لسنة 1971م بشأن الاحتياطي العام .

لكن الرسالة التي يتوجب على الحكومة استيعابها هي أن الميزانية خطة وبرنامج مالي لتحقيق جملة من الأهداف على كافة الأصعدة وليس مجرد أرقام وبيانات بالإيرادات والمصروفات يتم استعراضها وتتناقلها وسائل الإعلام .ألا تعتبر الكفاءة في جباية الإيرادات أهم معايير نجاح أي حكومة في العالم ؟؟؟ .