الشحاتي يكتب: ما هي أسباب التعثر الواضح في محاربة الفساد المالي في ليبيا

74

كتب: محمد الشحاتي الخبير بمجال النفطي مقالاً

يعاني الاقتصاد الليبي منذ بداية تسعينات القرن الماضي من مشاكل جدية نتجت عن استفحال الفساد المالي بين أوصاله وهنا أود أن أعيد ما سبق وأن أشرت إليه في عدة مقالات سابقة بأن الفساد هو ظاهرة مالية وليس ظاهرة اقتصادية،حيث يمكن وصف الاقتصاد بالانحراف، ولكن لا يمكن وصفه بالفساد.

انحراف قد يقود إلى الهدر في توظيف الموارد نتيجة لتغير انتظام معطيات طبيعية أو تكنولوجية يغفل المخططين عن استيعابها أو توقعها، في الجانب الآخر فأن الفساد ظاهرة مالية بامتياز تتطور عن طريق تدخل انساني عمدي بغرض الانتفاع الشخصي من الثغرات الموجودة في الأنظمة الإدارية.

ومن هنا مثلا لا أرى مبررا علميا للتسمية السائدة “جريمة اقتصادية” المستمدة منه قانون الجرائم الاقتصادية الأصح المصطلح هو “جريمة مالية ضد الاقتصاد”.

من هنا أود أن أستنتج أن مدخل مكافحة الفساد في ليبيا من ناحية تشريعية قد يكون أحد أهم الأسباب الهامة في التعثر قامت مكافحة الفساد مبدئيا في النظام التشريعي الليبي على مبدأ “من أين لك هذا؟” الذي ترجم إلى قانون لاحقا هذا خطأ ميكانيكي واضح في آلية مكافحة الفساد.

فالقصة التي بنيت على هذا المبدأ فضلا عن أنها تاريخياً قديمة تطورت بعدها صنوف الفساد بطريقة لا تتناسب مع أحداث القصة نفسها ألا أن مبدأ المفاجأة لكل من الطرفين (الحكومة كما موظف الحكومة) قد انتفى اليوم تماماً وفقاً للآليات المعاصرة، كما أن آلية التجريم والعقاب نفسها ضبابية جداً وفقاً لأحداث القصة.

وقد نتج عن هذا أسلوب مترسخ في الطريقة التي يتم بها مكافحة الفساد في ليبيا ويتمثل في إنتظار مرتكب أعمال الفساد المالية لإظهار حصيلة جريمته لمسائلته بعدها غني عن القول إن هذا غير ممكن بالمطلق ألا مع “فاسد غبي” أو “فاسد متنطع” والأثنين هما من نوعية فساد “صفقة العمر” أو العملية الواحدة والتي لا تمثل حقيقة عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد.

الفساد المالي المدمر اقتصادياً هو الفساد المخفي جيداً وهو مثل “الحرباء” التي تتلون وفقاً للبيئة التي تعيش بينها فيصعب اكتشافها في هذا النوع من الفساد فأن آليات الشبكات أو المافيا هي المسيطرة على أدائه وهذا بالطبيعة لا يجدي معه تشريعات العصور الوسطى التي تركز على الأداء الفردي.

بعد تفاجأ بمدى انتشار الفساد وخروجه عن السيطرة في ظل عجز التشريعات حاولت أجهزة الدولة الليبية في عقدي الثمانينات والتسعينات مواجهته بطرق استثنائية فيها الكثير من السذاجة لم تؤد إلا لتحويرات جديدة على الأداء الفيروسي لهذه الظاهرة، بداية من محاولات اللجان الثورية الطفولية، إلى لجان التطهير المتقلبة، ولعل بعض من محاولات “محكمة الشعب الجديدة” كانت أكثرها نضجا ألا أنها لم تكن في المستوى المطلوب لعوامل متعددة، أهمها البعد السياسي المتداخل مع عمل المحكمة.

مكافحة الفساد تحتاج إلى جهد مضني من قبل الأجهزة القضائية والخروج من صندوق “انتظار خطأ الفاسد” لاكتشاف عمليات الفساد.

اتضامن مع الأجهزة الضبطية في عدم وجود تشريعات وقوانين واضحة تتيح لهم العمل الاستباقي لمكافحة ظاهرة الفساد، ولكن في نفس الوقت يجب عليهم أن يلفتوا نظر الأجهزة التنفيذية والتشريعية لهذه الثغرة القانونية.

أطلعت قديما عن طريق صديق مقرب يعمل في جهاز الرقابة الإدارية على الآليات التي يتم استخدامها في صيد مرتكبي عمليات الفساد المالي، حيث أغلبها يتم عن طريق تحديد المسؤولين في الدولة ومدراء الشركات والقيام بمراقبة اتصالاتهم وحركة تنقلهم.

لا أستطيع الحكم على فعالية هذه الآلية فهي مستخدمة في كثير من الدول، ولكني اتشكك كثيرا في نتائجها مع وسائل الإتصال الحديثة، ربما كانت هذه الآليات أكثر نجاعة في عهد صلاح نصر مدير المخابرات المصرية الرهيب في الستينات.

جرائم فساد مالية كبيرة حدثت في ليبيا منها تهريب الوقود والاستيلاء على بعض أصول الدولة الخارجية وتجارة البشر وتهريب الأسلحة والمواد التموينية واختلاس في المصروفات الحكومية وغيرها، كلها فشلت فيها الأجهزة الضبطية في تأطيرها في قضايا ادعاء قانونية ضد أشخاص أو شبكات بعينها.

أكثر ما يمكن أن نسمع به هو إيقاف مؤقت لفترة معينة لبعض المسؤولين في الدولة نتيجة بعض التجاوزات الإدارية التي لا تستدعي كل ما يثار حولها من أخبار.

يجب أن يكون واضحا أن التجاوز الإداري رغم كونه جريمة يعاقب عليها فهو ليس فساد مالي وخلط الأمران هو في صالح هروب الفساد بفعلته.

قضية الفساد فيها طرفان الأول صحيح أنه من الجانب الحكومي، ولكن الفساد لا يكتمل ألا بوجود الطرف الثاني وهو “دافع الأموال الفاسدة” وهو بالتأكيد طرف غير حكومي وقد يكون طرف محلي أو طرف خارجي “شركة دولية على سبيل المثال” ويجب أن يكون واضح قانونياً لاكتمال عملية “الفساد المالي” الحجة المعتادة في مثل هذه الحالات هي أن الأجهزة الليبية لا تمتلك القدرة على بناء مثل هذه القضايا القانونية المتكاملة وهي حجة أفترض أنها ضعيفة نوعاً ما.

مالطا على سبيل المثال وهي دولة صغيرة ضعيفة الإمكانيات استطاعت بناء قضية متكاملة ضد شبكات تهريب الوقود من ليبيا ما ينقص الأجهزة الليبية هو التنسيق بينها لإحداث النقلة الواجبة لتكامل عملياتهم ضد الفساد وهناك الكثير من المخلصين الوطنيين الذين يعملون بهذه الأجهزة ويمكن أن يقوموا بأعمال مميزة في هذا الشأن الهام لليبيين جميعا.