الشحاتي يكتب: إغلاق النفط وتعثر الميزانيات: جدلية البيضة أم الدجاجة

59

كتب الخبير الاقتصادي “محمد الشحاتي” مقالاً

من الصعب جداً الكتابة في هذا الموضوع نتيجة للحساسيات المفرطة حوله واضطراب الرؤى وضبابية المواقف، وقد تم سؤالي من أكثر من جهة إعلامية عن رأيي في موضوع إغلاق النفط، ولكني في الحقيقة لم أجد من الحقائق ما يمكنني من إجابة على السؤال.

أشترك في الرأي مع جميع الفنيين في القطاع النفطي بإن الإغلاق من ناحية فنية يؤثر سلبياً بدون شك على عملية الإنتاج والتسويق ويرفع التكلفة ويضيع على البلد فرصة تحقيق عوائد مرتفعة خصوصاً في ظل الظرف الاستثنائي في السوق العالمية، ولكن في رأيي هذا ليس بيت القصيد، فبيت القصيد هو كم سيستمر الإغلاق الحالي وإذا ما تم إعادة فتح الإنتاج هل ستكون هناك إمكانية لإعادة لعملية الإغلاق مستقبلاً وكم ستكون تكلفتها.

بعد تكرر عملية إغلاق لأكثر من مرة وفي ظروف مختلفة وضياع مئات الملايين من الدولارات كفرصة بديلة في السوق الدولية أو كتكاليف خسائر محققة على معدات وتجهيزات الصناعة لا ينبغي للنخبة المثقفة أن تتعامل مع الأمر بصورة عاطفية وتثق في النخب السياسية التي فشلت في التعامل مع هذه القضية مرارا وتكرارا.  

لا بد من دراسة الوضع بعمق للخروج بحل دائم لهذه المعضلة، فسياسة النعام بدفن الرأس في الرمال لن تجدي نفعا وعلينا أن نتحلى بالشجاعة لمواجهة الموقف الذي نعيشه، ونسأل أنفسنا لماذا تحدث هذه الظاهرة في ليبيا فقط ولم تحدث ولا تحدث في دول أخرى، إلقاء اللوم بين الأطراف منهج غير عقلاني ولن يقود إلى حل للمشكل.

بداية هناك مشكلة أخلاقية أساسية حتى إذ لم نعترف بها نحن الليبيون فأن على المجتمع الدولي أن يكون على دراية تامة بها المشكلة هي أنه من غير المنطقي الاستمرار في تحصيل موارد مالية من شبكة الاقتصاد العالمي عن طريق تصدير أي سلعة بدون إرساء مبدأ المحاسبية Accountability والتي يجب أن تؤسس على عملية تشريعية وطنية.

بدون هذا العامل الأخلاقي فأن أي مبالغ محصلة هي في نظر المجتمع الدولي لا تختلف عن الأموال المحصلة من تجارة الكوكايين هذا يفسر استمرار تجميد الأصول الليبية في الخارج كما يفسر أيضاً الهجمة الكبيرة على هذه الأصول المالية ومحاولة مصادرتها لجهات غير ليبية.

ولتكون الدول جزءا من منظومة التجارة الدولية عليها أن ترسم بوضوح كيفية تحصيل هذه الأموال وكيفية صرفها بسياسة موثقة تشريعياً وقانونياً.

  
اليوم نحن للسنة السابعة على التوالي نستمر بدون إصدار أي قانون للميزانية عن سلطة تشريعية، بل تقوم السلطة التنفيذية بالصرف وفقاً لإجراءات وترتيبات مالية مؤقتة، والأدهى من ذلك فأنه لا توجد آلية محاسبية للرقابة على ما تم صرفه سنوياً أو ما سيتم صرفه. 

ما تقوم به الأجهزة الرقابية كديوان المحاسبة من إصدار تقارير سنوية “مع التأكيد على وطنية وإخلاص معديها” لا يرتقي أبدا لأن يكون آلية مقبولة للمحاسبة والمسئولية، فهي بدون أنياب قانونية تشبه إلى حد كبير التقارير الصحفية.

التخبط في السياسات المالية والنقدية مع انتشار الممارسات المنحرفة بدون ضابط والتي توثقها تقارير رسمية يحتم على المجتمع الدولي بصفته المصدر الأساسي للتمويل عن طريق قبوله استيراد السلع الليبية ودفع ثمنها، أن يتخذ موقفاً من هذه العبثية. 

الصرف على المرتبات والدعم فقط حتى نهاية مرحلة الانتخابات كما طالبت الجهات الدولية بما فيها بعثة الأمم المتحدة وسفارات الدول الكبرى كمخرج أخلاقي لتبرير الشراء موقف يبدو تبريرا فقط لمواصلة اشتباك قطاع النفط الليبي مع الاقتصاد الدولي، ولكنه لا يصب في المصلحة الوطنية الليبية، فتعطيل عملية التنمية بدون أفق زمني واضح والتركيز فقط على المصاريف التشغيلية هدر كبير للموارد الاقتصادية. 

الوصول إلى ميزانية حكومية مقبولة وعملية يجب أن تكون له الاسبقية في سلم الأولويات متقدما عن حل قضية الإغلاق المتكرر، ولتحقيق هذا يجب أن تكون هناك معالجات حقيقة على مستوى المفاهيم قبل محاولات فرض البدائل. 

المفهوم الأول يتعلق بكيفية إدارة وتمويل الصناعة النفطية والذي يبدو ظاهرا التخبط فيه بشكل مبالغ جدا، أن مواصلة الإنتاج بميزانيات ضعيفة للقطاع النفطي جداً مهما كان التبرير مثل: التحول إلى مصادر طاقة متجددة، تنويع الاقتصاد وشبهات الفساد وغيره لن يقود إلا لتحطيم قدرات الموارد الطبيعية وفساد الآبار واهتراء الأجهزة والمعدات وربما في النهاية لكوارث بيئية.

الحل المقترح بإشراف مكتب دولي على ميزانيات وخطط القطاع حل قريب من الهزل أكتب هذا عن خبرة طويلة مع الشركات العالمية الكبرى الرائدة في مجالات الاستشارات، شركات التدقيق هذه شركات تبرير ويمكن لصاحب العمل أن يوجهها لكتابة ما يرضاه وليس ما تحتمه الحقائق الفنية.

التدقيق والتفويض بالعمل لا يتم ألا عن طريق جهاز وطني محايد له صفة سيادية ربما يمكنه الاستعانة بعدئذ بشركة متخصصة في التدقيق والمراجعة المفهوم الثاني يتعلق بكيفية التعامل مع مبدأ التنمية المستدامة.

يبدو هنا أننا نمر بأزمة كبيرة حين يتم التصور أن التنمية المستدامة هي عملية تحل محل إعطاء الحقوق التنمية المستدامة كمفهوم دولي وبالرغم من الهالة الكبيرة التي ترافقها عالميا لا تخرج عن كونها سياسة أممية مزركشة الألوان للحفاظ على البيئة ولا تعني أبدا تعويض السكان عن حقوقهم في الموارد الطبيعية.

التعويض الحقيقي عن استغلال الموارد الطبيعية هو التنمية الاقتصادية المخططة لمناطق الإنتاج مع إلزام الشركات النفطية بالعمل من مناطق الإنتاج وهو مفهوم يسبق بكثير مفهوم التنمية المستدامة أخلاقيا وعمليا. 

النماذج العالمية في هذا الخصوص تمتد من السعودية، البريطانية، الكندية، الأسترالية، النرويجية، الأمريكية وتقوم هذه النماذج على المحور التنموي الأصيل والمتوازن وليس أسلوب التنمية المستدامة الدعائي  فبناء ملاعب للكرة ومراكز التأهيل والتي تعد بها الشركات النفطية تحت بند المسئولية الاجتماعية ليست بديلاً للحقوق الثابتة في التنمية الاقتصادية وهو ما يشكل التواء كبير في المفاهيم ولن يقود إلا لتعاظم المشاكل.

المفهوم الثالث عن التوازن في الصرف بما يحقق الحد الأعلى من العدالة في توزيع الثروة والتحكم في الفساد والحد من إهدار الموارد العامة، وهنا أود أن أتحدث عن جانبين، الجانب الأول هو الفعل العمدي الذي يهدف إلى التربح الشخصي أو الحزبي أو الجهوي من عملية توزيع الثروة وهو مشكل ظاهر ليس للمجتمع المحلي فقط، بل أيضا للمجتمع الدولي، ولنكن براغماتيون هنا المشكلة ممكن أن تعالج بالقمع أي قمع الفئات التي لا تتحصل على نصيبها المستحق من الثروة وهو نموذج متبع في دول كثيرة ولكن هذا يحتم أن تمتلك جهة معينة قوة قاهرة أكبر من إمكانيات المحتجين على عرقلة التدفق الإنتاجي ولنأخذ مثلا ما حدث في تونس كمثال حين استطاعت القوات المركزية التابعة للدولة من قهر المحتجين الجنوبيين ومنعهم من عرقلة التدفق الإنتاجي للنفط والفوسفات،  هذا الخيار لا أظنه متاح في ليبيا، وهو ما يقدم الحل الثاني وهو التفاوض، وهذا سيحتم أجراء تعديلات هيكلية على طريقة توزيع الثروة فمن الواضح إن الدول الكبرى لن تنحاز لقوى دون الأخرى لفرض خيارها كما هو مأمول من هذا الطرف أو ذاك.

وبالرغم من دعاوي التقسيم الكثيرة التي لا أقبلها إطلاقا من ناحية وطنية، ولكنها أيضا غير عملية من ناحية الترتيب الدولي الأكبر وأظن أن تدمير البلد سيسبق أي محاولة للتقسيم الجانب الثاني هو الفعل غير القصدي في عملية توزيع الثروة وهو جانب مهم أيضاً ويتمثل في التخبط في قرارات تخصيص المرتبات وبرامج التنمية والدعم الحكومي وطرق تقديم الخدمات.

هذا الجانب ناتج عن الضغوط السياسية والقرارات التنفيذية الخاطئة التي لا يمكن العودة عن تأثيراتها بسهولة في الخلاصة في جدلية أيهما أسبق البيضة أم الدجاجة فأن أقول أن بيضة الميزانية يجب أن تسبق دجاجة التدفق في الإنتاج وهنا لا أتحدث عن الإغلاق الحالي والذي أدعو إلى أنهائه فوراً ، بل أتحدث عن محاولة إلغاء كل العوامل التي قد تسبب في تكراره مستقبلاً .