“أبوسنينة” يكتب: قراءة موجزة في تقرير صندوق النقد الدولي والآفاق الاقتصادية الإقليمية لدول الشرق الأوسط ووسط آسيا أبريل 2022

222

كتب: الخبير الاقتصادي محمد أبوسنينة مقالاً

صدر عن صندوق النقد الدولي خلال شهر أبريل 2022 سلسلة من التقارير التي يعدها ويقوم بنشرها سنوياً وهي : آفاق الاقتصاد العالمي ، تقرير الاستقرار المالي العالمي ، أجندة السياسة العالمية 2022 ، تقرير المراقب المالي ، بالإضافة إلى مجموعة تقارير الآفاق الاقتصادية الإقليمية ( وعددها خمسة تقارير ) .

تتناول هذه التقارير توقعات خبراء صندوق النقد الدولي لآفاق ومستقبل الاقتصاد العالمي ، وآفاق اقتصادات مختلف الأقاليم الدولية التي يصنفها الصندوق في إطار المنهجية التي يتبعها في إعداد تقاريره ووفقاً للتقسيمات الإدارية بالهيكل التنظيمي  لصندوق النقد الدولي والتي يتناوب على رئاستها مدراء إدارات واقسام معتمدة لدى الصندوق، وما يهمنا في هذا الصدد ما قديكون له علاقة بآفاق الاقتصاد الليبي وتوقعات خبراء الصندوق حوله .

ودون الخوض في المنهجية التي يعتمدها خبراء الصندوق في استقراء الاوضاع الاقتصادية لمختلف الدول والمجموعات الدولية أو الفرضيات التي يؤسس عليها خبراء الصندوق توقعاتهم حول مختلف المتغيرات الاقتصادية ، والتي يأتي على رأسها توقعات الصندوق حول معدلات النمو الاقتصادي خلال عامي 2022-2023 ومعدلات التضخم المقدرة والمتوقعة ، ومعدلا الحساب الجاري بميزان المدفوعات ، وأوضاع المالية العامة في مختلف الدول ( تطور الدين العام ) وأوضاع أسعار الصرف ، فقد تاثرت قراءات خبراء الصندوق  وتوقعاتهم لآفاق الاقتصاد العالمي بمتغيرين رئيسيين ، وهما تداعيات جائحة كورونا ، والحرب الأوكرانية الروسية .

وكانت جل توقعات خبراء الصندوق متاثرة بحالة عدم اليقين ( uncertainty ) واعتبارات حالة عدم الاستقرار التي تشهدها مختلف المناطق .

وقد بُنيت قراءة خبراء الصندوق واستنتاجاتهم على جملة من الفرضيات ( working hypotheses ) المتمثلة في الاتي :
1- استمرار الدول في انتهاج نفس السياسات الاقتصادية الوطنية المطبقة بها خلال عام 2021 .

2- أسعار النفط ستكون في حدود 106.83 دولار  للبرميل خلال عام 2022 و 92.63 دولار للبرميل خلال عام 2023 .

3- متوسط أسعار الفائدة ( الليبور ) على الودائع المقومة بالدولار 1.3% خلال عام 2022 و 2.8% عام 2023 .

يصنف خبراء الصندوق دولة ليبيا ضمن إقليم الشرق الأوسط ووسط آسيا ( Middle East and Central Asia )  الذي يتكون من 32 دولة والذي يقسم إلى ثلات مجموعات دولية على أساس حصيلة صادرات الدول ومستويات التنمية الاقتصادية بها .

وهذه المجموعات الثلاث قسمت على النحو التالي :
١- مجموعة الدول المصدرة للنفط ( ME&CA OE ) وتتكون من ؛ الجزائر ، اذربيجان ، البحرين ، إيران ، العراق ، كزاخستان ، الكويت ، ليبيا ، عُمان ، قطر ، السعودية ، الإمارات العربية المتحدة .

٢- مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط والاقتصادات الناشئة ( ME&CA -EM and Middle Income ) وتتكون من ؛ أرمينيا ،  مصر ، الأردن ، لبنان ، المغرب ، سوريا ، تونس ، الضفة الغربية وقطاع غزة .

٣- مجموعة الدول النامية ذات الدخل المنخفض ( ME& CA low- income Developing countries ) وتتكون من ؛ أفغانستان ، جيبوتي ، موريتانيا ، الصومال ، السودان ، طاجكستان ، ازربيجان ، اليمن .

كما يصنف ليبيا أيضاً ضمن ما يعرف بمجموعة دول شمال أفريقيا والشرق الأوسط ( MENA ) ، التي تتضمنها مجموعة  دول الشرق الأوسط ووسط آسيا .

وباستخدام البيانات الإحصائية المتوفرة من هذه الدول وبيانات الحسابات القومية بها ، والبيانات المتوفرة بقاعدة بيانات صندوق النقد الدولي يقوم خبراء الصندوق بإعداد توقعاتهم لمعدلات ومستويات مختلف المتغيرات الاقتصادية .

ونستعرض فيما يلي ماتضمه تقرير الآفاق الاقتصادية لمجموعة الدول المصدرة للنفط باقليم الشرق الأوسط ووسط آسيا الوارد ضمن  تقرير آفاق الاقتصاد الاقليمي لمجموعة الشرق الأوسط ووسط آسيا ( Regional Economic Outlook: MiddleEast and Central Asia )

حيث يتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لمجموعة الدول المصدرة للنفط في الشرق الأوسط ووسط آسيا بمعدل 5.3%، بالإضافة إلى تحسن نسبة ميزان الحساب الجاري بميزان المدفوعات إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى 12.2% عام 2022 مقارنة بنسبة 8.7% في عام 2021 .

كما يتوقع أن تنمو الاحتياطيات الرسمية لمجموعة الدول المصدرة للنفط لتصل إلى 1.3 ترليون دولار في عام 2022 مقارنة ب 235 مليار دولار في عام 2021 ، مما يساعد هذه الدول على إعادة بناء ( fiscal buffers ) هوامش وقائية مالية .

كما يتوقع أن تنخفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ، لهذه المجموعة ، إلى 34.6% في عام 2022 ، وتراجع الإحتياجات التمويلية العامة بحوالي 463 بليون دولار بالمقارنة بما كانت عليه خلال الفترة 2020-2022 .

أما بالنسبة لمعدل التضخم ، من التوقع أن تختلف معدلاته من دولة إلى أخرى داخل المجموعة ، إذ يتوقع أن يصل مداه إلى 3.1% في مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي العربي، بينما سيكون للتضخم وقع كبير ومحل إهتمام ، ومعدلاته أعلى ، في الدول خارج مجموعة دول مجلس التعاون كما هو الحال في العراق وإيران .

وبصفة عامة من المتوقع أن تودي الإيرادات المتاتية نتيجة لارتفاع أسعار النفط إلى تحسن الأوضاع المالية وميزان العمليات الخارجية في مجموعة دول الشرق الاوسط ووسط آسيا المصدرة للنفط .

ويتوقع التقرير أن يكون معدل التضخم المتوقع لدول شمال أفريقيا 13.9% عام 2022 ومعدل النمو الاقتصادي للمجموعة 5.0%.

وحيت إننا نبحت عن ما ورد بهذا التقرير فيما يتعلق بآفاق الاقتصاد الليبي ومدى حضور دولة ليبيا بالتقرير سواء بالاشارة المباشرة اليها ضمن ماورد حول اقتصادات المجموعة التي تندرج ضمنها، أو تخصيص جزء من التقرير لها ،  أو الإشارة إليها وذكر إسم ليبيا على رسم بياني أو شكل بياني ضمن مجموعة الدول التي جرى تمثيل بياناتها في أشكال بيانية أو جداول إحصائية ، فقد كانت نتيجة البحت صادمة ، إذ لم يتعدى ذكر إسم ليبيا ماورد في هوامش الأشكال البيانية عندما تم ذكر أسماء الدول المكونة للمجموعات المختلفة ،على سبيل الحصر ، وفقاً للتصنيف المعتمد بالتقرير .

بالرغم من وجود موشرات وبيانات إحصائية واستدلالات مباشرة وردت بالتقرير عن بعض بعض المتغيرات الاقتصادية المهمة مثل معدل النمو الاقتصادي المتوقع ومعدل التضخم المتوقع في معظم دول الشرق الأوسط ووسط آسيا المصدرة للنفط .

وقد ورد ذكر إسم ليبيا وتقديم معلومة إحصائية تتعلق بها بشكل مباشر ، مرة واحدة فقط ، وكان ذلك على الشكل البياني رقم 1.3 صفحة 14 الذي يبين نسبة من تلقوا التطعيمات المخصصة لفايروس كرونا المستجد والذي يقدر بحوالي 30% من عدد السكان حتى نهاية مارس 2022 . وفي تقديرنا فإن غياب البيانات الإحصائية عن ليبيا بتقارير صندوق النقد الدولي يرجع إلى ضعف المنظومة المنتجة للبيانات الإحصائي وعدم انتظام إصدارها ، خصوصاً الحسابات القومية ، ولا يعدو المتوفر منها لدى المنظمات الدولية ،بشكل منتظم ، البيانات المتعلقة بالمسح النقدي التي لا تسعف من يقومون بالدراسات المتعلقة باساسات الاقتصاد الكلي وآفاق النمو الاقتصادي .

تاسيساً على ما سبق ذكره ، ونظراً للاختلافات الجوهرية بين خصائص وسمات الاقتصاد الليبي والمشاكل التي يعاني منها وبين خصائص وسمات اقتصادات الدول التي تصنف ليبيا من ظمنها ، وهى مجموعة دول الشرق الأوسط ووسط آسيا ، حيت لا يتعدى القاسم المشترك معها تصدير النفط ، فإنه غير مجدٍ تعميم ماورد بالتقرير من نتائج عن اقتصادات المجموعة والتوقعات المتعلقة بمعدلات النمو ومعدلات التضخم وأوضاع المالية العامة بها على حالة الاقتصاد الليبي ، باستثناء توقع زيادة إيرادات النفط في حالة تصديره ونمو الاحتياطيات .

وإن هذا التعميم يعتبر معيبا إحصائيًا ويعاني مما يعرف بالتحيّز التجميعي ( aggregation bias ) ، ويقلل من مصداقية النتائج وإمكانيات الإستفادة منها ، لا سيما وإن البيانات المتعلقة بالاقتصاد الليبي الداخلة في تقديرات موشرات المجموعة تكاد تكون منعدمة .

وقد ينطبق هذا القول على معظم استنتاجات وتوقعات التقرير لمختلف الدول والمجموعات التي تناولها التقرير .


ومع ذلك فقد انتهى التقرير إلى صياغة جملة من التوصيات العامة التي نراها مهمة وتأخد في الاعتبار الأوضاع التي يشهدها الاقتصاد العالمي والاقتصادات الاقليمية ، على أثر الأزمة الأوكرانية الروسية وتداعيات جائحة كورونا .

وإن الأخذ بها في ليبيا يعتبر أمر ضرورى تحتمه الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الليبي نتيجة لحالة الإنقسام وعدم الإستقرار وأوضاع قطاع النفط لفترة طويلة من الزمن ، من جهة ، وانعكاسات الأزمة الأوكرانية الروسية على إمدادات الغداء وأسعاره ، من جهة أخرى ، وذلك على النحو التالي :
في ظل الأوضاع التي يمر بها الاقتصاد العالمي وتوقعات استمرار الحرب الروسية الأوكرانية لفترة أطول ، وتباطؤ معدل النمو الاقتصادي في الصين ، واحتمالات تفشي وباء فايروس كورونا مجدداً ؛ فقد أصبحت مهمة صناعة السياسات الاقتصادية الوطنية أكثر صعوبة وتعقيد ، وينبغي أن تكون هذه السياسات الاقتصادية مصممة لتلائم ظروف ومعطيات الدول الوطنية بالدرجة الأولى ، حتى يمكن التعامل مع ظروف وأوضاع عدم اليقين والمخاطر المحتملة . وعلى الدولة أن تعمل على المحافظة على استقرار أوضاع وأساسات الاقتصاد الكلي ، ودعم آفاق وفرص الانتعاش الاقتصادي والنهوض ، وحماية الفئات الهشة والأكثر تضررًا من السكان ، وضمان توفير الأمن الغدائي والأمن الطاقوي .