“الشنباشي” يكتب: توصيات قانونية لتطوير التشريع الليبي المكافح لغسل الأموال وتمويل الإرهاب

110

كتب الخبير القانوني “زياد الشنباشي” مقالًا قال فيه:

تعد جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب من أخطر الجرائم المنظمة المهددة للأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي في ليبيا، فكان أول تدخل للمشرع الليبي لتجريم عمليات غسل الأموال من خلال القانون رقم (2) لسنة 2005م والذي تم إلغائه لما ظهر عليه من عيوب، وذلك من خلال القرار بقانون الجديد رقم (1013) لسنة 2017م لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الصادر عن المجلس الرئاسي الليبي، فعلى الرغم من الإشكاليات التي واجهها هذا القانون والتي تمس بعضها بشرعيته وذلك لصدورها_ بالمخالفة لنصوص الدستور_ عن غير صاحب الاختصاص الأصيل والمتمثل بالبرلمان، إلا أن هذا القانون قد لاقى بالمقابل اعترافًا دوليًا واسعًا نتج عنه إخراج ليبيا من القائمة السوداء للدول الغير متعاونة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك لمعالجته للكثير من العيوب القانونية التي كان قد احتواها القانون السابق.

فمن خلال دراسة بحثية اجريتها فيما بتعلق بجريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب من منظور تشريعي وفقهي وقضائي، وباستخدام المنهج الوصفي التحليلي والمنهج المقارن بين القانونين الفرنسي والليبي، فقد تم الكشف عن يعانيه القانون الليبي_ رغم حداثته_ من أوجه القصور القانونية المتمثلة في الضعف في صياغة الأحكام القانونية المكافحة لهذه الجرائم، مما أتاح لي الفرصة لتقديم مقترحات ناجعة للمشرع الليبي، من أجل الاستفادة من الخبرة القانونية الفرنسية في هذا المجال، من النواحي التشريعية والقضائية والفقهية.

سأكتفي هنا بذكر بعض تلك التوصيات التي توصلت إليها بفضل الله متمنيا ان تصل إلى البرلمان ولأصحاب الاختصاص عسى أن يتحقق بها تطوير الترسانة القانونية المكافحة للفساد.

1_ إعتماد القرار بقانون رقم1013 لسنة 2017 لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الصادر عن المجلس الرئاسي الليبي.

أوصي بضرورة عرض هذا القرار بقانون على البرلمان في أسرع وقت ممكن لكي يتم تحصينه واعتماده كقانون شرعي لمكافحة جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإلا فسنكون أمام تهديد متمثل في الطعن بعدم دستورية هذا القانون أمام القضاء، بالإضافة إلى تحول ليبيا إلى ميدان لغسل الأموال وتمويل الإرهاب مما يعرضها لعقوبات دولية شديدة كتضمينها في القائمة السوداء لغسل الأموال.

2_ تجريم العمليات التي يراد بها تسهيل التبرير الكاذب للأموال والأصول غير المشروعة، حيث أن المشرع الليبي لم ينص على تجريم عملية تسهيل التبرير الكاذب لأصل الأموال والممتلكات، بل اكتفى_ من خلال المادة رقم (38) من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب_ بالنص على الأساليب الكلاسيكية دون غيرها، وإن كان تيسير التبرير الكاذب من أكثر الأساليب انتشارًا، علاوة على أن غسل الأموال تعد من الجرائم المستترة، الامر الذي يصعب من اكتشافها وعليه، يبدو لنا أنه من الاجدى بالمشرع أن يضع صياغة خاصة تجرم هذا النوع من غسيل الأموال المتمثل في تسهيل التبرير الكاذب، وذلك على غرار القانون الفرنسي.

ليكون النص كالتالي “يُعتبر كل من سهّل عن عمد التبرير الكاذب لأصل الأموال والممتلكات مرتكبًا لجريمة غسل الأموال”.

3_ تحديد شكل الجريمة الاصلية ومقدارها نص المشرع الليبي على أن غسل الأموال يقع نتيجة لجريمة أصلية سابقة لها، بالتالي فقد اشتمل التجريم_ بحسب المادة 38 من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب_ على جميع الجرائم من جنايات وجنح ومخالفات دون استثناء وبدون تحديد شكل وقيمة الجريمة الأصلية إلا أن هذا النص يمثل انتهاكًا لمبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، حيث أنه من الممكن أن تقع الجريمة الأصلية على مبلغ مالي زهيد كالسرقة البسيطة الأمر الذي لا يتناسب مع العقوبة الشديدة لجريمة غسل الأموال.

4_ استبعاد جريمة الاخفاء من الجمع بين العقوبات في فرضية غسل الأموال الذاتي (عندما يكون مرتكب الجريمة الأصلية هو ذاته مرتكب جريمة غسل الأموال).

فقد التزم المشرع الليبي الصمت حيال مسألة التراكم بين جريمتي غسل الأموال والاخفاء، في حين كان من الأجدر به أن يحدد القواعد المعمول بها في حالة الجرائم المتزامنة، ولا سيما في حالة التنازع بين جريمتي الاخفاء وغسل الأموال، وذلك بسبب اتحاد الفعل والقصد الجنائي للجريمتين (فعل واحد بنية إجرامية واحدة).

5_ إضافة نص يفترض العلم بالمصدر غير المشروع للأموال، بالإضافة إلى انعكاس عبئ الإثبات على عاتق المتهم.

اشترط المشرع الليبي_ بموجب المادة 38 من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب_ في حق المتهم أن يكون على علم بالأصل غير الشرعي للأموال، وبأن الأموال التي بحوزته تمثل حصيلة جريمة سابقة، بالتالي فإن هذا النص يلزم القاضي بإثبات وجود هذه المعرفة المسبقة لدى المتهم بمصدر تلك الاموال، الأمر الذي يصعب معه ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم وذلك لسببين: الأول يتمثل في البعد الزماني بين الجريمتين (الأصلية وغسل الأموال)، وثانياً بسبب الطبيعة المستترة لجريمة غسل الأموال. الامر الذي يصعب معه إثبات توافر علم المتهم بأصل تلك الأموال، والذي يضعنا أمام ثغرة قانونية ينبغي معالجتها عليه ، ينبغي على المشرع إضافة نص قانوني يفترض وجود المعرفة بالمصدر غير القانوني للأموال لدى المتهم، وذلك بالاكتفاء بمجرد وجود دلالة عامة على علمه بالأصل الإجرامي من خلال ظروف ووقائع ارتكابه لغسل الأموال (كمعاملات وتحويلات مالية لا تحمل تبرير منطقي)، مع الاعتراف بانعكاس عبئ الاثبات على عاتق المتهم.

6_ تجريم عدم تبرير الموارد عندما يكون المتهم مرتبط بعلاقة معتادة مع مرتكب جريمة غسل الأموال أو تمويل الارهاب.

نوصي المشرع الليبي بأن يضع نصًا عامًا يعاقب على عدم تبرير الموارد، عندما لا تتوافق البيئة المعيشية مع المصادر المعروفة للفرد، بالأخص عندما يكون لهذا الشخص علاقات اعتيادية مع شخص أو أكثر من المتورطين في ارتكاب جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما سيسهم في الكشف عن الجرائم الجنائية بشكل عام، ويسهل، على وجه الخصوص، الكشف عن جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومرتكبيها.

7_ إصدار قانون يتعلق بالأشخاص المعرضين سياسيًا وبيان حد الخطر في معاملاتهم.

لا تزال هناك ثغرات تشريعية متعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ولا سيما فيما يتعلق بالأشخاص السياسيين المعرضين بحكم وظائفهم لارتكاب جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، نحتاج إلى وضع نصوص مفصله تهدف إلى التحكم في جميع المعاملات غير الطبيعية التي تشمل هؤلاء الأشخاص وغيرهم من أصحاب المهن والمناصب العليا.

8_ تعديل بعض النصوص المتعلقة بتجميد الأموال المشتبه في كونها غير قانونية.

في حالة الاشتباه في وجود عملية لغسل أموال، يخول القانون الليبي مدير وحدة المعلومات المالية الأمر بتجميد الأصول لمدة لا تتجاوز خمسة أيام، ويمكن للنائب العام تمديدها لمدة عشرة أيام كحد أقصى (المادة 55 من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب الفقرات 1 و2) ومع ذلك، فإن هذه الفترة غير كافية لتحليل البيانات واكتشاف المخالفات؛ ولهذا نوصي المشرع الليبي بزيادة مدة تجميد الأموال لمدة ستة أشهر إضافية، وذلك للسماح للوحدة بالحصول على نتائج أفضل من تحليل البيانات، كما نوصي بأن يأذن المشرع الليبي بتجميد أموال الأشخاص الذين تحوم حولهم شبهات ارتكاب جرائم تتعلق بتمويل الإرهاب، من أجل إرساء مكافحة فعالة لجريمة تمويل الإرهاب.

9_ تعديل بعض النصوص المتعلقة بحجز الأصول، نص المشرع الليبي على إعتبار أن مصادرة الأموال المشتبه في ارتباطها بجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب كأمر اختياري في يد القاضي، لكن هذا الحجز المحدود قد يشجع المتهمين على إهدار وتبديد تلك الأموال قبل الحكم بالإدانة لذلك، نوصي المشرع الليبي أسوة بالفرنسي بالنص على الزامية مصادرة الأموال المشتبه في ارتباطها بغسل الأموال وتمويل الارهاب عندما يظهر خطر تبديد هذه الأصول التي يحتمل أن تكون محل للمصادرة عند الادانة.

بالإضافة إلى ذلك، نص المشرع الليبي على مصادرة الأصول المشتبه في ارتباطها بجرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، دون أن تمتد المصادرة إلى الأصول الأخرى، مما قد يسمح للمتهم بتبديد الأصول التي لم يتم التحقق منها بعد، وبالتالي، نوصي بتمديد الحجز على جميع الأصول، كإجراء احترازي مؤقت لحين صدور حكم يشير إلى شرعية هذه الأصول.

10_ إضافة عدة عقوبات تكميلية للشخص الطبيعي والاعتباري.نقترح على المشرع الليبي النص على عدة عقوبات تكميلية جديدة أسوة بالمشرع الفرنسي وذلك لردع الأشخاص الاعتباريين والطبيعيين عن القيام بعمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. تشمل هذه العقوبات تلك المتعلقة بالأشخاص الاعتباريين، مثل الاستبعاد من الأسواق العامة، وحظر تقديم عرض عام للأوراق المالية أو السماح بتداول أوراقهم المالية في السوق، وحظر إصدار الشيكات أو استخدام بطاقات الدفع. يضاف إلى ذلك عدة عقوبات إضافية تتعلق بالأشخاص الطبيعيين، كالعقوبات المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية والأسرية، والعقوبات الإضافية المتعلقة بحق الإقامة، وحظر قيادة السيارات، ومنع إصدار الشيكات وغيرها.

11_ تعديل نصوص المصادرة لتشمل المصادرة العامة بالإضافة الى المصادرة الخاصة.

اكتفى المشرع الليبي بالنص على المصادرة الخاصة دون العامة من خلال المادة 59 من قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعليه فإننا نوصي بأن يتبنى المشرع الليبي المصادرة العامة، أي أن يأخذ كل أو جزء من أصول المتهم، دون ان يقتصر على ما يظهر ارتباطها بغسل الأموال، وذلك لضمان عدم تبديد تلك الاموال.

12_ تعديل نصوص الغرامة لتشمل الغرامة النسبية بالإضافة الى الغرامة الثابتة.

أما الغرامة فقد نص المشرع الليبي على غرامة ثابتة بحديها (الأدنى والاعلى) عند ارتكاب جريمة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. عليه فإننا نوصي المشرع بالنص_ اسوة بالمشرع الفرنسي_ على عقوبة الغرامة النسبية، والتي يمكن أن تكون عالية جدًا مقارنتا بالثابتة اعتمادًا على قيمة الأموال المرتبطة بجريمة غسل الأموال، ذلك لأن عملية غسيل الأموال تقع بشكل أساسي على مبالغ مالية كبيرة، لذا فإن الغرامة الثابتة قد لا تتناسب مع الحجم الكبير للأموال المغسولة ولا توفر درجة كافية من العقوبة الرادعة لهذه الجريمة.

13_ إضافة نصوص تتعلق بمسؤولية الشخص الاعتباري في قانون العقوبات الليبي.

في حين أن قانون العقوبات الليبي لم يعترف بعد بالشخص المعنوي ومسؤوليته الجنائية، حيث انه لم يحدد شروط تحقق المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري وحدودها، فإن القانون المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب يعد أول قانون ليبي ينص من خلال المادة 49 منه على المسؤولية الجنائية للشخص الاعتباري. بالرغم من إيجابية النص على مسؤولية الشخص المعنوي في قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع ذلك أوصي المشرع بالنص على مسؤولية الشخص الاعتباري في قانون العقوبات الليبي بهدف تغطية كافة المسائل المرتبطة به كحدود تلك المسؤولية واشخاصها وغيرها من المسائل التي تربط الشخص المعنوي بالشخص الطبيعي. الامر الذي يمكننا من تجاوز كافة الاشكاليات التي تحكم هذه المسألة.

14_ إنشاء محاكم ونيابات مخصصة وإجراءات قضائية مختصة للتعامل مع هذه الجرائم.

عدم وجود نيابات ومحاكم متخصصة يؤدي الى طول فترة المحاكمة مما ينتج عنه تبديد الأموال محل جريمة الغسل، كما ان التحول الوظيفي الأعضاء النيابة وتسلم هذه القضايا لمن لا يحمل الخبرة القضائية في هذا المجال يسهم بدوره في هذه الاطالة في نظر القضية، فلا مناص من انشاء نيابات متخصصة تعمل على النظر في هذه الجرائم.

في النهاية، وبعيدًا عن هذه المقترحات، يبدو لنا أن المكافحة الفعالة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب تتطلب أن تكون النصوص السارية قابلة للتطبيق، وهنا يظهر السؤال المهم المتعلق بإرادة السلطات العامة في تطبيق تلك النصوص.