حبارات يكتب: ما المقصود بالفساد المشرعن وما هي أثاره وتداعياته على الاقتصاد وعلى حياة المواطنين ؟

55

كتب المهتم بالشأن الاقتصادي “نورالدين حبارات” مقالًا قال فيه:

الفساد المشرعن أو ما يعرف ligitimate corruption هو تلك التصرفات والممارسات أو الإجراءات المالية والإدارية التي تتم من قبل بعض الموظفين بالجهات العامة وذلك بهدف الاستحواذ والاستفادة الشخصية من الأموال المتاحة أو المخصصة بأكبر قدر ممكن عبر التحايل على القوانين والتشريعات المالية النافذة .

وتاخذ تلك الإجراءات الصبغة القانونية من حيث الشكل فقط ، حيث تتوفر في تلك الإجراءات المستندات والموافقات والتفويضات المالية لكن من حيث الجوهر أو المضمون تمثل فساد وهدر وتبديد لأموال الشعب .

ويشترط لإعتبار التصرف أو الإجراء المالي فساد مشرعن توفر الشرطين الأساسيين التاليين:
1- عدم وجود حاجة أو مبرر من الصرف.
2- عدم وجود أي طائل أو نتيجة من الصرف تنعكس إيجاباً على المؤسسة بشكل خاص وعلى مصلحة البلد بشكل عام .

ويعتبر الفساد المالي المشرعن اليوم التحدي الأكبر أمام الليبيين إذ يلتهم هذا النوع من الفساد سنوياً قرابة 60 إلى ‎%‎70 من مخصصات الميزانية العامة في أبواب التسيير والتنمية والدعم وذلك إذا ما استثنينا المرتبات، وهذا النوع من الفساد يعتبر سبب رئيسئ ومباشر في تدهور الاقتصاد والخدمات وانعدام التنمية وتفاقم معاناة المواطنين إلى أن أصبحت ليبيا وللأسف في مواقع وترتيب متخلفة ليس قياساً أو مقارنةً بدول الجوار فحسب بل بالدول الأفريقية التي رأينا جميعاً مدى قدرتها ونجاحها في تنظيم البطولات الأفريقية من ست مجموعات ما يثبت إمتلاكها للبنى التحتية المتطورة لتنظيم مثل هذه المحافل من طرق وملاعب ومطارات وشبكات كهرباء وإتصالات وغيرها.

هذا وقد إستفحل هذا النوع من الفساد خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير لم يسبق له مثيل عبر تاريخ البلاد وفي كافة مؤسساتها إلى أن أصبحت ليبيا تصنف اليوم من أكثر الدول فساداً في العالم بشهادة تقارير صادرة عن منظمات دولية مستقلة .

ويعتبر الإنقسام السياسي والمؤسسي وتشظي مؤسسات الدولة وضعف أجهزتها التنفيذية والرقابية وقصور التشريعات المالية التي لم يعد أغلبها مواكباً للتطورات وغياب الإجراءات الرادعة حيال المخالفين فضلاً عن الصرف بدون إعتماد قوانين الميزانية وتأخر إعداد الحساب الختامي للدولة لأكثر من عشر سنوات ناهيك عن ضعف الوعي بالفساد المشرعن لدى عامة المواطنين ودور وسائل الإعلام في هذا الصدد أهم وأبرز الأسباب في تنامي واستفحال هذا الفساد .

ومن الأشكال التي يأخدها هذا النوع من الفساد المشرعن والمالي تحديداً عديدة منها على سبيل المثال لا للحصر .
1- المبالغة في تقديرات أبواب وبنود الميزانية بهدف الحصول على الحد الأدنى من المخصصات دون الحاجة لها .
2- التعاقد بطريقة التكليف المباشر لتنفيذ بعض الأعمال والتوريدات وأسقف غير محددة بحجة الضرورة والاستعجال والظروف الطارئة التي تمر بها البلاد مما يجعل كافة تلك الإجراء في منأي عن لائحة العقود الأدارية .
3-إستنفاذ مخصصات الميزانية خلال شهري نوفمبر وديسمبر من كل عام بحجة تأخر صدور التفويضات المالية وتراكم الفواتير ، حيث يصل الصرف خلال هذه الأشهر عادةً ما نسبته 40 إلى ‎%‎50 من مصروفات العام .
4- التعلية لمخصصات التحول بحساب الودائع والأمانات بحجة وجود إلتزامات مالية على بعض المشروعات لم يتم الشروع في تنفيذها أصلاً وذلك بهدف تفادي إعادة تلك المخصصات إلى حساب الإيراد العام والنأي بها مستقبلاً عن رقابة وزارة التخطيط التي عادة ما تشترط إجراءات وتقارير متابعة مالية وفنية من واقع زيارات ميدانية لتلك المشروعات تبين نسبة الإنجاز لإصدار التفويضات المالية .
وتتم هذه الظاهرة أي تعلية الحسابات أو ما يعرف ب Phenomenon of heightening the accounts عادةً خلال نهاية ديسمبر من كل عام .
5- تعمد العديد من الجهات العامة بعدم تحصيل كل الإيرادات المقررة لها بالميزانية وإحالتها إلى الخزانة العامة واستخدامها مباشرةً في إجراء المدفوعات بحجة تأخر تسييل المخصصات أو لعدم كفايتها ويسري هذا أيضاً على الجهات الغير ممولة من الخزانة العامة كشركات الإتصالات التي لا تورد ما نسبته ‎%‎50 من الإيرادات المقررة بالميزانية العامة رغم إن تقديرات هذه الايرادات في حدودها الدنيا .
6- صرف دفعات مقدمة بنسب تتراوح ما بين 15 إلى ‎%‎25 من قيمة العقد للشركة المنفذة قبل مباشرتها لأعمالها بموجب خطاب ضمان ومن ثم تترك الشركة العمل بمجرد حصولها على قيمة الدفعة ويتوقف المشروع دون ملاحقة قانونية جدية لها .
8- التعاقد العديد من الجهات بالمخالفة مع شركات عدة على تنفيذ مشروعات غير مدرجة بالميزانية وترتيبها لإلتزامات مالية ومن ثم الإعتراف بها لاحقاً أي بعد سنوات وتشكيل لجان لها لتسوية ودفع تلك الإلتزامات بموجب مستخلصات على الورق لا بموجب أعمال على الأرض .
9 – صرف عهد مالية بقيم كبيرة دون تحديد الحاجة أو الغرض من صرفها ثم تسويتها بموجب مستندات لا قيمة لها .
10 – المغالاة في تكلفة إيجارات المقار الإدارية وأعمال الصيانة والثأثيت والديكور إلى درجة تفوق تكلفة شراء أرض وبناء مقر إداري جديد .

والحقيقة الأشكال التي يأخذها هذا النوع من الفساد كثيرة وعديدة كما أسلفت ولا يسعنا الوقت للخوض فيها .
لكن في الختام يجب الإعتراف بإن هذا الفساد خلف اليوم أثار وتداعيات قاسية ومؤلمة على حياة وأوضاع المواطنين إلى درجة أن أصبحوا لا هم ولا شغل لهم إلا ترقب ساعات إنقطاع وعودة التيار الكهربائي والاصطفاف في طوابير البنزين والغاز والمصارف والخبز ناهيك عن تدهور الخدمات الصحية والتعليمية والارتفاع الكبير في أسعار السلع والخدمات الأساسية بيبب تأكل قدراتهم الشرائية .

وفي هذا الصدد يجب علينا التذكير بالكلمات الشهيرة لرئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي عندما قال ( إن الحرب على الفساد أصعب من الحرب على الأرهاب ) في إشارة واضحة إلى الوضع المأساوي والمزري الذي وصل إليه العراق البلد النفطي الكبير تاني أكبر منتجي منظمة الأوبك وذلك بسبب الفساد وتداعياته.