حبارات يكتب: الزيادة في المرتبات عائق آخر أمام المطالب بشأن إعادة النظر في سعر الصرف

81

كتب المهتم بالشأن الاقتصادي “نورالدين حبارات” مقالًا قال خلاله:

تزايدت في الآونة الأخيرة مطالب المواطنين بشأن إعادة النظر في سعر الصرف وذلك بعد الإرتفاع الكبير الذي طرأ على أسعار السلع والخدمات سيما الأساسية منها من دواء وغداء ومواد بناء وإيجار سكن وخدمات صحية وتعليمية وغيرها .

حيث يرون أن تخفيض سعر صرف الدينار عند 4.48 سبب مباشر لذلك رغم أن هناك أسباب آخرى إضافية كإرتفاع تكلفة الشحن والغداء .

وصراحةً تلك المطالب محقة ومشروعة لكن تحقيقها يبدو أمر صعب نوعاً ما ليس بسبب التراجع المحتمل في إيرادات النفط جراء توقف الإنتاج والتصدير فحسب بل لسبب أخر مهم جداً إستجد مؤخراً وهو الزيادات التي طرأت على المرتبات ، فالحكومة وكما هو معروف أقرت زيادات لبعض القطاعات كرد فعل مباشر أو إستجابة لقرار تخفيض سعر الصرف الذي أدى عملياً إلى إنخفاض القدرة الشرائية للمواطنين وتآكل مدخراتهم إلى جانب إستمرار مطالب الزيادة من قبل قطاعات وجهات عدة وما نراه من إعتصامات واضرابات بشكل شبه يومي لخير دليل على ذلك .

وهذه المطالب أراها وكما ذكرت في مرات سابقة عادلة ومشروعة كما إنها لم تبدأ بعد ولن تتوقف .

وحيث أن هناك علاقة عكسية مباشرة أو ما تعرف ب Inverse Relation بين سقف المرتب وسعر الصرف من حيث النتائج ، فكلما إنخفض سعر صرف الدينار تنخفض القيمة الحقيقية للمرتب أو الدخل مما يستوجب الأمر زيادته ( المرتب) رغم أن هذه الزيادة في الغالب زيادة نقدية أي ظاهرية وليس حقيقية .

والعكس صحيح فكلما إزداد سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية إزدادت القوة الشرائية الحقيقية للمرتبات مما يستوجب العمل على تخفيضها لإن بقائها على ما هي عليه سيؤدي حتماً إلى زيادة الطلب أكثر على الإستهلاك للسلع والخدمات ما يعني إرتفاع اسعارها وما من وسيلة لمواجهة هذا الإرتفاع إلا من خلال التوسع في الإستيراد في بلد غير منتج بتاتاً ويوفر كافة إحتياجاته تقريباً من الخارج مما سيفاقم العجز أكثر في ميزان المدفوعات ويزيد العبء والضغوطات على الإحتياطي الأجنبي خاصة في ظل توقف إنتاج وتصدير النفط .

وعليه فإن أي قرار من قبل المركزي لإعادة النظر في سعر الصرف قد يستوجب وبالتوازي من الحكومة إعادة النظر في قيمة المرتبات عبر تخفيض الزيادات المقررة أو حتى إلغائها وهذا ليس بالأمر الهين كما يعتقد الكثيرين بل من الصعب جداً إن لم نقل مستحيل ، فهذه الزيادات أصبحت حقوق مكتسبة لإصحابها ومكفولة لهم بموجب القانون والتشريعات النافذة بل ويجب على الحكومة إقرار الزيادات لباقي القطاعات والجهات العامة الأخرى تحقيقاً لمبادئ ومعايير العدالة الإجتماعية رغم إدراكنا مسبقاً للتداعيات والارتدادات السلبية لقرار كهذا على الاقتصاد .

وللأسف هذا كان نتيجة مباشرة وتحصيل حاصل لغياب التنسيق بين الحكومة والمركزي ، فمسألة زيادة المرتبات كان يفترض أن يتم إقرارها بالتنسيق فيما بينهما من خلال الإتفاق على إعتماد جدول موحد للمرتبات يراعي مبدأي العدالة الاجتماعية وياخذ في الإعتبار قدرتها الشرائية عبر فتح المجال لإعادة النظر في سعر الصرف وكذلك الأثار المحتملة على السيولة وغيرها من أثار .

وفي الختام العلاقة العكسية بين سعر الصرف وفاتورة المرتبات قاعدة أو عرف اقتصادي يتم مراعاته والتعامل معه في كافة دول العالم وخير مثال على ذلك ما نراه في دولة الكويت البلد النفطي الكبير والذي يعادل فيه الدينار ما قيمته 3.27 دولار ، فمتوسط المرتب فيه للعاملين بالقطاع الحكومي يبلغ 1539 دينار كويتي أي ما يعادل 5000 دولار بعد إقرار زيادة قدرها 86 دينار فقط في نهاية 2019 م .

وعلى الرغم من قدرة الحكومة الكويتية على رفع متوسط المرتبات التي قد تبدو شكلياً ضعيفة للقارئ لكنها تدرك جيدا تبعات ذلك على الاقتصاد فالعبرة في القيمة الحقيقية للمرتب أي في قدرته الشرائية لا في قيمته النقدية أو الظاهرية .